ترياق الطفلمفاهيم ومدارك

الإهمال العاطفي | الحب وحده لا يكفي

المشهد الأول…

عاد (أحمد) من مدرسته وقد سيطرت عليه نوبة غضب جامحة؛ فأحدث فوضى في المنزل وتشاجر مع أخيه.  

نظرت إليه والدته في ضيق، وقالت: “كفاك شقاوة يا ولد وإلا عاقبتك، اذهب إلى غرفتك ولا تخرج منها حتى المساء.” ثم انخرطت في عملها بالمنزل مجددًا.

دخل أحمد غرفته حزينًا، وتذكر وداع أعز أصدقائه، الذي انتقل مع والديه للعيش في بلدة بعيدة، ولا يعلم إن كان سيراه مرة أخرى أم لا.

المشهد الثاني…

قضت (ليلى) يومًا طويلًا وصعبًا في عملها، فقد سمعت عن نية الشركة في تخفيض عدد العاملين. 

وعندما ركبت السيارة مع زوجها، بادرته قائلة: “أشعر بقلق شديد، وأخشى أن أفقد وظيفتي!” 

 في هذه الأثناء، كان الزوج مرحًا ومتحمسًا، فقد حصل على تقييم رائع لهذا العام. 

سألت (ليلى) زوجها: “هل سمعتني؟” 

فأجاب: “حسنًا، سأقود أسرع”. 

بدت علامات غضب على وجه (ليلى)، وقبل أن تنطق بكلمة، صرخ الزوج: “ما مشكلتك؟!” 

قالت (ليلى) في يأس: “لا شيء.”

عزيزي القارئ، هل وجدت رابطًا بين هذين المشهدين؟!

أجيبك أنا: “نعم”، إنه الإهمال العاطفي، ذلك اللص الخفي الذي يتسلل إلى العلاقات ليسرق معانيها ويبقيها هشة في مهب الريح؛ فالإهمال يقتل الحب.

المشاعر… الأحاسيس… العاطفة، كلمات تذوب بها الروح وتأنس لها النفس، فمثلما يتنفس جسدك النسيم كي يبقى، تشهق روحك العاطفة كي تحيا.

دائمًا ما تتصدر الرغبات الجسدية والاحتياجات المادية المشهد في حياتك، وتشغل النصيب الأكبر من تفكيرك وسعيك وإدراكك.

فقد تبرع في تقديم الدعم المادي لمن ترعاهم وتتولى أمرهم، ويسهل عليك تحديد متطلباتك وأهدافك الملموسة غافلًا عن احتياجك ومن حولك للدعم العاطفي. 

المودة… الرحمة… الاحتواء، أهم ركائز الدعم العاطفي، وقد تكون الضامن لصحة العلاقات ونجاحها واستمرارها.

وقد تترجَم تلك الركائز إلى أشكال عدة بناء على نوع العَلاقة، بداية من العناق ولمس الأيدي، إلى الاستماع والمناقشة وتقديم النصائح والملاحظات عند حدوث المشكلات، وتخصيص أوقات اجتماعية. 

 وهو ما يعني أن كل عَلاقة تحتاج إلى أشكال ومستويات مختلفة من المودة والدعم العاطفي، وعلى كل منا فهم وتحليل علاقاته، سواء بأبنائه أو بشريك حياته، كي يدرك ما هي احتياجاته العاطفية منهم، ويحسن توفير الدعم لهم.

ماذا يعني الإهمال العاطفي؟

قد يصعب على كثير من الناس إدراك وجود الإهمال العاطفي، أو استيعاب أي نتائج مترتبة عليه؛ لأنه ليس شيئًا يحدث، بل هو شيء لا يحدث! وهذا يجعل من الصعب فهمه ومناقشته.

وقد يُساء فهمه لأنه يتعارض مع الإساءة العاطفية أو الجسدية التي تعني اتخاذ إجراء أو فعل سلبي يمكن تحديده. 

أما الإهمال العاطفي في الغالب هو عدم اتخاذ إجراء مناسب؛ بمعنى آخر هو فشل الشخص في الاستجابة بطرق ملائمة لاحتياجات الآخرين العاطفية.

على سبيل المثال، من السهل تحديد الأفعال السيئة التي يقوم بها أحد الوالدين عندما يصرخ أو يصفع أو ينتقد أحد أبنائه، ولكن من الصعب تحديد الأفعال الخاطئة للوالد الذي أخفق في تلبية احتياجات عاطفية معينة.

لا يرتبط الأمر بمقدار الحب؛ فلا شك أن كل الآباء يحبون أطفالهم، وكل الأزواج يحبون بعضهم بعضًا، وإنما يتعلق بالإهمال في الحب ذاته، أي الإهمال في طرق التعبير عنه والتصرف فيه. ولا شك أن استمرار الإهمال يقتل الحب في النهاية.

وبصفة عامة، يشيع حدوث الإهمال العاطفي في المجتمعات ذات نمط الحياة المزدحم، حيث أفراده المنشغلون طوال اليوم؛ ينفصلون عن بعضهم بعضًا، ويتصرفون كما لو كان كل منهم يعيش على سطح كوكبٍ مختلف.

وعن غير قصد، فإن قلة الاهتمام والانتباه والاستيعاب تترجَم عند البالغين إلى “مشاعرك واحتياجاتك العاطفية لا تهم”، وعند الأطفال إلى “أنت لا تهم”. 

اقرأ أيضًا: أسرة سوية نفسيًا

أسباب الإهمال العاطفي

  • قد يحدث الإهمال العاطفي من الزوج لزوجته، أو من الوالد لأبنائه إذا كان مدمنًا لعمله، ويقضي به معظم وقته ويشغل كل تفكيره.
  •  قد يعاني البعض أمراضًا عصبية ونفسية، مثل: اضطراب طيف التوحد (الذي يعيق القدرة على التعبير عن المشاعر)، واضطرابات الأكل، والاكتئاب، والقلق، وتعاطي المخدرات.
  • وقد ينشأ الإهمال في الحب نتيجة كثرة المشكلات والضغوطات.
  •  ويمكن أن يعاني الأطفال الإهمال بسبب نزاع الأبوين أو الطلاق. 
  • وفي الغالب يكون سبب الإهمال العاطفي من الزوج أو الزوجة امتدادًا للإهمال في الطفولة. 

قد يهمك أيضًا: نفسية الأطفال بعد الطلاق

الإهمال العاطفي للأطفال

كثيرًا ما يتعامل الآباء مع عواطف أطفالهم على أنها ليست مهمة أو غير صحيحة أو مفرطة أو أقل أهمية من القضايا الأخرى.

وهناك بعض العبارات التي قد تبدو مألوفة لك إذا كنت ضحية إهمال عاطفي في مرحلة الطفولة، مثل:

“لا يمكنك الشعور بهذه الطريقة.”

“لم يكن الأمر بهذا السوء.”

“الأمر لا يستحق الانزعاج.”

“توقف عن المبالغة.”

“لا تكن دراميًا.”

عندما لا يلاحظ والداك مشاعرك أو يقدراها أو يشككان فيها إذا عبرت عنها، فإنهم يرسلون لك عن غير قصد رسالة مفادها أن مشاعرك غير مهمة، أو أن هناك شيئًا خاطئًا في الطريقة التي تشعر بها. 

ومع الوقت تتعلم دفن مشاعرك أو تحويلها من مشاعر غير مقبولة (مثل: الغضب) إلى مشاعر مقبولة (مثل: القلق).

عواقب الإهمال العاطفي للأطفال 

إن عدم ملاحظة سلوكات الإهمال الخاطئة أو الاستجابة لها بالطريقة المناسبة وفي الوقت المناسب يؤثر في كل من الأطفال والبالغين. 

ونظرًا لأنه قد لا يمكن معرفة مكان وزمان وكيفية حدوث الجرح العاطفي؛ يصعب تحديد المشكلة والتغلب عليها.

وقد تكون الأضرار الناجمة عن الإهمال العاطفي صامتة في البداية، ومع مرور الوقت تبدأ في الظهور.

وتشمل الأعراض الأكثر شيوعًا عند الأطفال ما يأتي:

  • الكآبة.
  • القلق.
  • اللامبالاة.
  • الفشل.
  • فرط النشاط.
  • العدوانية.
  • تأخر النمو.
  • عدم احترام الذات.
  • الانسحاب من الأنشطة.
  • عدم تكوين صداقات.

أما البالغون الذين تعرضوا للإهمال العاطفي في الطفولة، قد لا يعرفون كيف يتعاملون مع مشاعرهم عندما يكبرون، ويترتب على ذلك عواقب اجتماعية ونفسية، منها: 

  • صعوبة تحديد المشاعر أو التعبير عنها.
  • سهولة التعرض للإحراج ومشاعر الذنب والعار.
  • عدم القدرة على التعاطف.
  • عدم الثقة بالآخرين.
  • كثرة انتقاد الذات ولومها، ولوم الآخرين.
  • كثرة الشعور بالقلق والمخاوف المفرطة وعدم الرضا.
  • صعوبة في طلب المساعدة أو الدعم.
  • الغضب الذاتي والغضب على الآخرين.
  • الحاجة للاختباء وراء قناع أو الشعور بالانفصال عن الذات.
  • السعي وراء الكمال، والحساسية المفرطة لمشاعر الفشل.
  • الحساسية لمشاعر الرفض.
  • الانعزال والتعجرف في المعاملة.
  • الشعور بالفراغ أو التعاسة أو قلة الفرح.

والاستمرار في قمع المشاعر أو إهمال العواطف له عواقب جسدية أيضًا لا يعرفها الكثيرون؛ فقد يؤدي إلى الإصابة بأمراض مثل:

  • ارتفاع ضغط الدم.
  • أمراض القلب والسكري.
  • ضعف جهاز المناعة.
  • تيبس المفاصل وضعف العظام. 
  • ضعف الذاكرة.

علاج الإهمال العاطفي

إن إدراك وجود المشكلة هو دائمًا الخطوة الأولى في العلاج، ويُحتمَل أن يكون علاج الإهمال العاطفي هو نفسه سواء حدث في طفولتك أو واجهته وأنت شخص بالغ. 

ومن خيارات العلاج المتاحة ما يأتي:

العلاج النفسي

وفيه يساعد الطبيب النفسي كل من الأطفال والبالغين على تعلم كيفية التعرف على المشاعر وقبولها والتعبير عنها بطريقة صحية.

فإذا اعتاد الطفل قمع عواطفه، يصعب عليه التعرف على العواطف وتجربة المشاعر بطريقة صحية، وكذلك البالغين.

العلاج الأسري

وفيه يساعد الاختصاصي الآباء على فهم التأثير الذي يتسببون فيه لطفلهم، كما يمكنه أيضًا مساعدة الطفل على تعلم كيفية التعامل مع المشكلات التي قد تواجهه. 

وقد يكون التدخل المبكر لعلاج الإهمال قادرًا على تعديل وتصحيح السلوكات التي تؤدي إليه، والعواقب التي يمكن أن تنشأ بسببه.

دورات تربية الأطفال

تساعد هذه الدورات الآباء ومقدمي الرعاية على تعلم المهارات اللازمة للتعرف على مشاعر الطفل والاستماع إليها والاستجابة لها على نحو صحيح.

دورات تأهيل الأزواج

قد تساعد هذه الدورات على تأهيل كلا الزوجين لإقامة عَلاقة أساسها التفاهم والود، وتعلم المهارات اللازمة لمعرفة كيفية استيعاب كل منهما الآخر واحتوائه. كما يمكن طلب المساعدة من أحد مستشاري العلاقات والزواج إذا ظهرت أي مشكلات فيما بعد.

اقرأ أيضًا: سنة أولى زواج- كيف تمر بسلام

المصدر
How Emotional Neglect Damages RelationshipsEmotional Neglect9 Signs of Childhood Emotional Neglect, and 3 Ways to HealChildhood Emotional Neglect: How It Can Impact You Now and LaterSigns of Emotional Neglect and How They Impact RelationshipsEmotional Neglect
اظهر المزيد

د. مي جمال

صيدلانية ومترجمة وكاتبة محتوى طبي. أحب البحث والتعلم، ولا أدخر جهداً لمشاركة وتبسيط ما تعلمت للآخرين. أعتز بالنفس البشرية، وأهوى البحث في أعماقها، ولا أجد أبلغ من الكلمات للتعبير عنها ومناقشة قضاياها، مساهمةً في نشر الوعي والارتقاء بحياة البشر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق