مفاهيم ومدارك

شبح الابتزاز العاطفي | لو كنت تحبني حقًا لفعلت ما أريد!

تغير كل شيء في اللحظة التي تلقينا فيها خبر وفاة أبي، شعرتُ بحزنٍ عميق يجتاحني، وفقدت أمي وعيها لثوانٍ…

لم يتلاشَ الألم نهائيًا، لكني تعلمتُ التعايش معه، واكتشفتُ أن لديَّ مهامًا كثيرة، إذ يجب عليَّ الاعتناء بأمي، والاهتمام بصيانة المنزل، وضيافة الأقارب.

ولم أعانِ أيًّا من هذا بقدر معاناتي من أمي، فلم تكن لترضى بأي شكل. وإذا اضطررتُ للتأخر عنها بسبب العمل، تعطيني دروسًا في بر الوالدين، وكيف أن ابنة أخيها تحبها أكثر من ابنتها الحقيقية!

وبالطبع كان هذا يدمرني، ويُشعِرني أنني مهما فعلتُ لن أكون ابنةً بارةً أبدًا!

تعرضت صديقتنا للابتزاز العاطفي من الوالدين، إذ استغلت والدتها طيبة قلبها ورغبتها في برها لتضغط عليها، وقارنتها بابنة خالها.

لا تتعجب عزيزي القارئ؛ فالابتزاز العاطفي للأطفال موجود بقدر الابتزاز العاطفي من الزوجة أو الزوج.

وأيٌّ منا معرضٌ للابتزاز في أي وقت، وسآخذك في رحلة لنعرف أكثر عن الابتزاز العاطفي، وكيف نحمي أنفسنا منه.

ما هو الابتزاز العاطفي؟

عرفته الطبيبة (سوزان فوروود – Susan Forward) بأنه تلاعب نفسي يحمل تهديدًا بالعقاب الذي سيعانيه الشخص المعرض للابتزاز، ما لم يصغِ إلى المبتَز.

قد يبتزك اللص ويستخدم أوراقك الهامة كوسيلة ضغط لتخضع لرغبته في إعطائه ما يطلب من المال، أو يبتزك زميلك في العمل بإفساد ترقيتك القادمة، ما لم تغض النظر عن فساده.

وكذلك يستخدم المبتزون مشاعرك وذكرياتك للضغط عليك، حتى تستجيب لرغباتهم.

كيف يحدث الابتزاز؟

ليس كل توترٍ في العلاقات يُعَدُّ ابتزازًا، ولا كل تلاعبٍ بالمشاعر يُعَدُّ ابتزازًا.

بل إننا نستخدم التلاعب بالمشاعر في حياتنا اليومية دون وقوع أضرار نفسية، وأفضل مثال عليها هي التلميحات.

فحين تقول الزوجة لزوجها: “أرغبُ في تناول سمك التونة المشوي اليوم”، فهي لم تطلب مباشرةً وإنما لمحت برغبتها.

وحين يحضر لها زوجها سمك التونة المشوي، فهو لم يستجب للابتزاز العاطفي، إنما استجاب حبًا في تلبية رغبة زوجته الحبيبة.

وتختلف طريقة الابتزاز من شخصٍ لآخر، إلا أنها تتسم بتتابع 6 مراحل أساسية لكي نجزم أن هذا ابتزازٌ عاطفي.

هذه المراحل هي:

1. الطلب

أو الرغبة التي يحتاج منك المبتز تلبيتها؛ فقد يعبر عنها صراحةً: “لا تتحدث مع هذا الشخص مرة أخرى”، أو قد يلمح لها فقط: “لا أرتاح لهذا الشخص”.

ويستخدم المبتز تعبيرات وجهه وإيماءاته باحترافية، ليُفهِم الطرف الآخر ما يريده دون أن يتحدث.

وللوهلة الأولى، قد يبدو الطلب أمرًا طبيعيًا، لا يحمل أي ابتزاز، لكن سرعان ما تكشف المراحل التالية عن عمق الابتزاز المصاحب له.

2. المقاومة

عندما ترفض الانصياع لرغبة المبتز، يشعر بك تقاومه؛ فقد يكون رفضك صريحًا، أو مبطنًا كألَّا تعطي ردًا قاطعًا، أو تتهرب من الإجابة.

والمبتز لا يقبل بأي من هذا، لا يقبل إلى أن تستجيب له وتذعن لطلبه، لهذا تبدأ المرحلة التالية.

3. الضغط

في العلاقات الطبيعية، يحاول كل طرف فهم أسباب ودوافع الآخر. لكن المبتز لا يفعل هذا؛ فبدلًا من فهم أسباب الرفض، يبدأ بممارسة الضغط على الطرف الِآخر.

وللضغط أساليب كثيرة، مثل: تكرار النقاشات حول الأمر محول الخلاف، أو الإفراط في الحميمية وإغداق المشاعر العاطفية، أو الإصرار غير المبرَّر على تنفيذ رغبته.

المهم أن المبتز يضغط على الطرف الآخر، مثل الابتزاز العاطفي من الزوج الذي يتهم زوجته بأنها أنانية لأنها لم تلبِّ له رغبته.

4. التهديد

إن استمرت مقاومة الطرف الآخر، فإن المبتز يُصعِّد مستوى الضغط إلى التهديدات المباشرة أو المقنعة، إذ يُعَدُّ التهديد بقطع العلاقة مباشرًا، بينما التهديد بإعادة النظر في العلاقة مقنعًا.

ومهما كان التهديد، فإنه يشترك في خاصية واحدة مهمة، ألا وهي التوعد للطرف الآخر بالمعاناة.

5. الامتثال

مع الضغط الشديد، يبدأ الطرف المعرض للابتزاز بإعادة التفكير في أسباب رفضه، ربما لم يكن محقًا من البداية!

ورغم أنه لم تُتَح له الفرصة لمناقشة أسباب رفضه بوضوح مع المبتز، إلا أنه يبدأ في الإذعان له، وأحيانًا يكون الإذعان نابعًا فقط من رغبته في إنهاء معاناة الطرفين، وهذا بالفعل ما يحدث. 

فبمجرد إذعان الطرف المستضعَف، يهدأ المبتز ويغدق عليه عاطفة وحميمية، مما يجعل الطرف الآخر يفكر بأنه أخطأ بالفعل.

6. التكرار

بمجرد نجاح تجربة الابتزاز الأولى، لا يتوقف المبتز عن إعادة ابتزازه مرارًا وتكرارًا كلما اختلف مع الطرف الآخر.

فقد أثبتت الطريقة فاعليتها، وانتصر بالفعل في الجولة الأولى، فما الذي يمنعه من تكرار الابتزاز؟!

وأمَّا الطرف الآخر، فقد تعلم أن أفضل طريقة لتجنب الضغط هي الإذعان للمبتز.

ودعنا نعرف أكثر عن أساليب المبتزين في الحصول على مرادهم.

حِيَل وأدوات المبتزين

بعد التعرف إلى مفهوم الابتزاز، وتشخيصه بتوافر العناصر الستة، حان وقت معرفة أدوات المبتزين؛ فالمعرفة هي ذخيرة السلاح الذي تواجه به الابتزاز في حياتك، وتحمي نفسك منه.

والمبتزون ليسوا خبراء نفسيين، لكنهم يجيدون استخدام الحيل النفسية والتلاعب بالمشاعر لإخضاعنا لهم، أو حتى لتبرير تصرفاتهم.

ومن هذه الأدوات:

الطعن الشخصي

الطعن الشخصي

طعن المبتز في شخصية الطرف الآخر ومبادئه، وينصب نفسه الحكيم العالم ببواطن الأمور. وعليه، فالمبتز هو المرجِع الأول والأخير لقياس الصواب والخطأ، واتخاذ القرارات.

ويستشهد المبتز في كلامه بالحقائق كي يبدو حديثه منمقًا ومتقنًا، رغم أن تلك الاستشهادات قد لا تكون لها أي صلة بمحور الحديث.

ويُطلِق المبتز على الطرف الآخر بعض الأوصاف الحادة التي تُربِكه، وتجعله يتساءل عما إن كان بهذا السوء.

ومع الوقت، تتشوش قدرة الطرف المعرض للابتزاز على تقييم الأمور بالفعل، ويستقبل ما يقوله المبتز حقائق مسلمة.

وبهذا، يسهل على المبتز إقناع الطرف الآخر بأنه شخص سيئ بالفعل، وتحمُّله له نابعٌ فقط من نبل أخلاقه.

وتظهر هذه الأداة بوضوح في الابتزاز العاطفي للأطفال من الوالدين.

الاتهام بالمرض

“هل أصابك مسٌ من الجن؟”…

ظهر الابتزاز العاطفي من الزوجة جليًا في هذا التساؤل الذي كررته مئات المرات؛ لم يكن زوجها ممسوسًا، ولا مريضًا نفسيًا، إنما كان له اقتراح مختلف عن المدرسة التي سيلتحق بها الصغار.

وسؤال الزوجة هو تشكيك في سلامة قوى زوجها العقلية، واتهام مقنَّع بالمرض النفسي.

والاتهام بالمرض أخطر من الطعن الشخصي؛ فحين ينتقد أحدهم مهاراتنا، يسهل الاستشهاد بإنجازاتنا على خطأ نقده. أما الاتهام بالمرض، فإنه يشككنا في سلامة قوانا العقلية.

وربما لا يكون الاتهام بالمرض النفسي أو العقلي مباشرًا؛ بل تكفي بعض الإشارات الصغيرة من حين لآخر بإيصال الرسالة.

وقد يستخدم المبتز تاريخ الطرف الآخر المرضي لإعادة فتح جراح الماضي، واتهامه بأنه لم يُشفَ أبدًا.

التعزيزات الخارجية

لا يقبل المبتز بالوصول إلى نهاية عمياء مع الطرف الآخر، بل إنه لا يقبل بأي نهاية سوى أن تُلبَّى رغبته، ولهذا يبحث عن مزيد من التعزيزات الخارجية.

مثل الابتزاز العاطفي من الزوج الذي يرغب في الإنجاب، بعكس زوجته التي تعتقد أن بإمكانهما تأجيل الإنجاب لعامٍ آخر.

هذا الزوج قد يستعين بأفراد عائلته لإقناعها، أو يطلب من رجل دين التدخل لنصح هذه الزوجة.

وحتى إن لم يكن الأشخاص الآخرون مبتزين بطبيعتهم، فيكفي الضغط الممارس على الزوجة لتذعن لطلب زوجها في النهاية.

المقارنات السلبية

تكاد تكون هذه هي الأداة الرسمية للابتزاز العاطفي في العمل، إذ تخلق المقارنات في العمل بيئة فاسدة، يشعر فيها كل موظف بحاجته لبذل قصارى جهده دومًا كي لا يتفوق زميله عليه.

ويستفيد أصحاب العمل من هذه البيئة، إذ يزداد تنافس وإنتاجية الموظفين. وبمجرد زرع بذرة هذه البيئة، يتعامل الموظفون مع مَنْ يرفض الإذعان بتنمرٍ واتهام بقلة الكفاءة.

إذًا، ضغط العمل لم يَعُد يقتصر على خطر الفصل منه، أو زيادة المهام المطلوبة! وبالطبع لا يقتصر استخدام هذه الأداة في أماكن العمل؛ فالابتزاز العاطفي من الوالدين لا يخلو من المقارنات السلبية السامة.

أنواع الابتزاز العاطفي

يمكننا تقسيم أنواع الابتزاز العاطفي حسب السمة الغالبة لشخصية المبتز:

المعاقِب

المبتز المعاقب يمارس الابتزاز بوضوح شديد، إذ يرسل رسائل واضحة للطرف الآخر: افعل ما أريده وإلا تُعاقَب!

وبطبيعة الحال، فحين يُعاقَب شخصٌ ما على فعلٍ ما، فإنه يميل لتجنبه في المستقبل لئلا يتعرض له مجددًا.

ويستغل المبتز المعاقِب هذه الحيلة النفسية لإرساء قواعده المتمثلة في سلطته الأحادية على العلاقة. والمعاقِب بطبيعة الحال مهدِد ماهر، إذ يجيد التهديد في التوقيت المناسب بالعقاب المناسب.

ويختلف شكلُ العقاب من مبتزٍ لآخر؛ فربما يكون العقاب بقطع العلاقة، أو الحرمان من رؤية الأطفال بعد الانفصال.

وإن كانت العلاقة مزدوجة (أي كان الصديق هو شريك العمل، أو الحبيبة هي المديرة في العمل)، فإن العقاب يكون أشد وأقسى، كتهديدٍ بالفصل من العمل، أو قطع الدخل المادي.

وكلما زادت قوة العلاقة، زاد تأثير العقاب في الطرف المستضعَف، وزاد تحكم المبتز به.

المعاقِب لذاته

هذه المرة يوجه المبتز عقابه لذاته، ويتلاعب بمشاعر التقصير والإحساس بالذنب عند الطرف الآخر، مثل الطفل الذي يهدد بتجويع نفسه حتى الموت عندما يرفض الوالدان تلبية رغباته.

قد يتهمك المبتز بتعكير مزاجه، وبالتالي تراجُع أدائه الوظيفي، أو يهددك بترك عمله إن قطعت علاقتك به. وفي بعض الحالات، قد يصل العقاب الذاتي لدرجة كبيرة، مثل التهديد بقتل النفس.

ويتطلب الأمر من المتعرض للابتزاز قدرًا كبيرًا من الشجاعة وتحمل الألم، ليدرك أنه ليس مسؤولًا عن تصرفات شخصٍ آخر.

فإن كانت تربطك علاقة بمبتز معاقِب لذاته، ويهددك بقتل نفسه، فوجودك معه في ظل هذا الابتزاز لن يعالج المشكلة، وسيظل يحكم الخناق عليك بهذا الأمر كلما فعلت ما لا يرضيه.

المُعاني

لا يهدد المبتز المُعانِي بإلحاق الأذى بنفسه أو بالآخرين، ولكنه يرسل رسائل واضحة بمقدار معاناته.

وتلك الرسائل قد تكون صريحة؛ فكلنا نعرف تلك الصورة من الأشخاص المتذمرين دومًا حيال كل شيء، ويعانون باستمرار، ويخبرونك بأنك لا تستطيع فهم ما يشعرون به، وأنك لا تهتم لأمرهم.

وقد يرسلون رسائلهم بالصمت، ودورك أنت هو تخمين ما أصابهم!

والمبتز المُعاني يحرك في الطرف الآخر مشاعر المُنقِذ الراعي؛ فهُم هناك بحاجة لمَنْ يهتم لأمرهم بمثالية ودون أي أخطاء.

المُكافئ

على عكس المعاقِب، يختار المُكافئ تحفيز الطرف الآخر لينال من مكافآته. وإذا رفض الطرف الآخر الإذعان له، فلا عقاب، وإنما فقط حرمانٌ من المكافأة.

وعادة ما تكون المكافآت دسمة، سواء مادية، أو معنوية؛ فالمبتز المُكافِئ بارعٌ في بناء قصورٍ خيالية من الحب والعاطفة والهيام، وبيعها إلى الطرف الآخر.

ولا يحتاج لثمنها سوى أن يمتثل الطرف الآخر لما يقوله. ومع كل مكافأة عظيمة، يظهر حاجز جديد يحتاج الطرف المعرض للابتزاز أن يتخطاه بنجاه، وإلا، فلا مكافأة.

لماذا نقع في فخ الابتزاز؟

لماذا نقع في فخ الابتزاز؟

يتلاعب المبتزون بمشاعرنا لاستغلالها ضدنا، مثل مشاعر القلق الطبيعية.

يستطيع المبتز الضغط على الطرف الآخر حتى يفوق مستوى مشاعر القلق قدرته على التحمل، ويصير مستعدًا لفعل أي شيء كي يتخلص من هذا الضغط.

يلاحظ المبتز ردود أفعال الشخص الآخر، ويتعلم منه مخاوفه ونقاط ضعفه، ليبدأ في استغلالها فيما بعد.

ومن المشاعر التي يستغلها المبتز:

  • الخوف من الرفض، أو الفراق، أو الألم.
  • الالتزام.
  • الإيثار، والتضحية بالذات.
  • حس المسؤولية.
  • الشعور بالذنب والتقصير.
  • التعاطف.

هذه المشاعر ليست سيئة؛ فهي مشاعر طبيعية تساعدنا على التعامل مع تحدياتنا اليومية، فالمشكلة لا تكمن فيها، إنما في الشخص الذي يستغلها لابتزازك.

لا تلُم نفسك إن وقعت في فخ الابتزاز؛ فقد تصرفت بحسن نية، ولم تكن تخطط لإيذاء الطرف الآخر.

ورغم أن المبتزين في كثير من الأحيان لا يدركون أنهم يمارسون الابتزاز العاطفي، إلا أن مهمة إنقاذك من هذا الفخ تقع على عاتقك دونهم.

لكن، لماذا أرغب في الخروج من فخ الابتزاز؟

تأثير الابتزاز العاطفي

لا يُعَدُّ التعرض للابتزاز تهديدًا للحياة، ولكنه يتسبب في آثار تكاد تكون مدمرة للشخص المعرض للابتزاز.

إذ يؤدي الابتزاز إلى اضطراب البوصلة الداخلية التي تُملِي علينا الصواب والخطأ، وتتوه هوية الشخص المعرض للابتزاز، وتتشوه ملامح شخصيته.

ولا نبالغ هنا عزيزي القارئ؛ فهذه نتيجة حتمية لاستمرار الإساءة التي تتعرض لها مشاعر الشخص المعرض للابتزاز؛ فالابتزاز العاطفي يؤثر في:

فقدان احترام الذات

يدفع المبتز الشخص المستضعف لفعل أشياء ضد مبادئه أو قواعده الخاصة، مما لا يمُرُّ مرور الكرام على النفس؛ فما تزال نفس الشخص المستضعف نزيهة، وتنتابه مشاعر اللوم لاستجابته لضغوط المبتز.

وفي المرة القادمة التي يستجيب فيها من جديد لضغط المبتز، يفقد جزءًا آخر من احترامه لذاته، وتنتابه مشاعر جلد الذات. ويستمر الأمر في هذه الحلقة المفرغة، التي تزيد من إحكام قبضة المبتز عليه.

نسيان شعور السعادة

حتى مع المبتز المكافِئ، لا يشعر الشخص المستضعف بالسعادة، إذ تأتي المكافأة وهو مشحون بالمشاعر السلبية.

فاستمرار سير العلاقة في اتجاه واحد، ألا وهو رضا المبتز، يُولِّد مشاعر سلبية كثيرة عند الشخص المستضعف.

وتكمن المشكلة في كبت تلك المشاعر المتأججة دون الاستماع للصوت الداخلي؛ فالنار تأكل نفسها إن لم تجد ما تأكله!

ولا عجب أن يشتكي الشخص المعرض للابتزاز من آلام الجهاز الهضمي، أو اضطراب ضربات القلب، إذ يحاول جسمه إرسال رسائل استغاثة بوجود خطبٍ ما.

وبعد مرور سنواتٍ من التعرض للابتزاز، ينسى الشخص كيف كانت السعادة، ولا يعرف إلا مشاعر الاضطراب والقلق الدائمين.

تسطح العلاقة

يشعر الشخص المعرض للابتزاز بأنه عالقٌ مع المبتز، ولا يستطيع العيش بدونه. ولكن رغم ذلك الارتباط الذي يبدو قويًا، إلا أن العلاقة أصبحت سطحية وهشة، إذ فُقِد الأمان والثقة.

فلم يَعُد الشخص يثق بقدرة المبتز على فهم مشاعره، ولم يَعُد المبتز مصدرًا للأمان يستطيع الشخص المستضعف التعبير عن نفسه معه بحرية.

كيف أنجو من الابتزاز؟

أتعرض للابتزاز العاطفي، ماذا أفعل؟

في كثيرٍ من الأحيان، لا يدرك المبتز مقدار ما يسببه من ضرر للأشخاص الواقع عليهم ابتزازه، وربما لا يدرك حقيقة كونه مبتزًا عاطفيًأ.

ومن المؤسف أن يعتقد الشخص المعرض للابتزاز أن طريقه الوحيد للنجاة من الابتزاز يكمن في قطع العلاقة.

قد يكون قطع العلاقة مع المبتز قرارًا حكيمًا في بعض الأحيان، مثل التعرض للعنف الجسدي، لكن أغلب العلاقات تحتاج وقفات قوية لتعديل مسارها، ومنها ما يستمر لسنواتٍ طوال بعدها كعلاقات صحية.

وقبل مواجهة المبتز، خُذ وقتك في استعادة ثقتك بذاتك، وثقتك بقدرتك على تجاوز الصعاب، واعتمد على بوصلتك الداخلية كمقياس الابتزاز العاطفي.

يمكنك عكس تأثير الابتزاز فيك باستخدام الوسائل التالية بدلًا من الإذعان:

التواصل غير الدفاعي

يضعك المبتز تحت ضغط الطعن الشخصي والتهديد، مما يضعك في موقفٍ دفاعي. وربما تحاول شرح أسبابك، ونقد تلك الاتهامات، لكن المبتز لا يسمع ولا يفهم.

فتنتقل للأفعال لدفع تلك الاتهامات عنك، وغالبًا ما تسير تلك الأفعال في الاتجاه الذي يرغب فيه المبتز.

والخطوة الأولى لكسر هذا القيد، هو ألَا تضع نفسك في موقف الدفاع. ليس هذا يسيرًا بالتأكيد، ولكنه يكسر دائرة الابتزاز العاطفي.

فحين يتهمك المبتز بالأنانية وبأنك لا تهتم إلَّا بنفسك، لا تسارع في الدفاع عن نفسك، وذكِر محاسنك، فقط أخبِره أنه غاضب الآن بينما تُفضِّل مناقشة الأمر حين يهدأ.

وحين تشعر بالغضب والرغبة العارمة في الدفاع عن نفسك ضد سيل الاتهامات غير المنطقية، تذكَّر أنك بهذا تعطي للمبتز أدوات ابتزازك بنفسك.

التحالف مع المبتز

التحالف مع المبتز

المبتزون هم أشخاص تربطنا بهم علاقة قوية، سواء علاقة زواج، أو صداقة، أو أمومة…

وهؤلاء الأشخاص ربما لم ينتبهوا لمقدار الأذى الذي يصيبوننا به. لذا، لا تَعُدَّهم أعداءً لك، واتخذهم حلفاء.

اطلب من المبتز مساعدتك على فهم أسبابه، وشارِكه في القرار الذي تأخذه بصدد ما يطلبه منك. حاوِل الوصول إلى أرضٍ مشتركة معه، وأعِد بناء حبال التواصل التي قُطِعَت بسبب الابتزاز.

الاتفاقيات

“أنا سأبدأ باتباع حمية غذائية لإنقاص الوزن، وأنت تخصص من وقتك نصف ساعة يوميًا لنتحدث معًا”.

تساعد الاتفاقيات على إيجاد مساحة مشتركة بين الطرفين، إذ تساعد المبتز على فهم احتياجات الطرف الآخر، وتساعد الشخص المستضعف على الحصول على احتياجاته من العلاقة.

ويشترط لنجاح الاتفاقيات أن تكون قابلة للوفاء بها، وتُرضِي كلا الطرفين.

روح الدعابة

الضحك يخفف حدة التوتر دائمًا. فإن كنت تتمتع بحسٍ دعابي، استخدمه حين يحاول المبتز الضغط عليك للخروج من الموقف.

ميزة هذه الطريقة في التواصل، أنها تساعد كلا الطرفين على تجاوز الموقف بذكرى سعيدة؛ فلا أجمل من مشاجرة تنقلب إلى ضحكة في لحظة!

ومع تكرار الأمر وارتباط الضغط بالضحك والدعابة، لن يتمكن المبتز من ممارسة ابتزازه، إذ سينفجر ضاحكًا كلما تذكر المواقف السابقة.

قد تبدو وسيلة التواصل هذه غريبة، لكنها مبهجة، وتؤثر إيجابيًا في العلاقة.

كيف أحمي نفسي من الابتزاز العاطفي؟

يؤمن الكثيرون بأن الوقاية خير من العلاج، ويعد تفادي الوقوع في فخ الابتزاز العاطفي من البداية أيسر بكثير من محاولة النجاة بعد إحكام قبضة المبتز عليك.

ولأصدقك القول، لا يوجَد درع ذهبي للحماية من الابتزاز العاطفي سوى وعيك، إذ لا تمُرُّ محاولات الابتزاز مرور الكرام، بل يطلق الابتزاز العديد من الإنذارات داخلك.

درب نفسك على الاستماع لصوت مرشدك الداخلي؛ فحين تشعر باضطرابٍ في معدتك، فهذه إشارة لوجود خطب ما.

وثِق من استحقاقك لعلاقة طيبة كريمة، تتبادل فيها مع الطرف الآخر الحب والود، وتتجازوان الخلافات معًا بالنقاش الهادئ المتعقل.

نتمنى لكَ حياة سعيدة مليئة بالعلاقات القوية، بعيدًا عن شبح الابتزاز العاطفي!

المصدر
Emotional Blackmail: Fear, Obligation and Guilt (FOG)The Ethics of ManipulationEmotional and verbal abuse
اظهر المزيد

Hamas AbdelGhaffar

أهلًا بك، اسمي حماس وأدرس الطب البشري.. يتغير العالم بي وبك، بتلك الخطوات الصغيرة التي نبنيها معًا، فإن قرأت يومًا سطرًا لي وأضاف إليك، فهذا تمامًا ما أسعى إليه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق