ترياق الأمراض النفسية

الاحتراق النفسي | دع شأن العالم لباتمان!

“لقد تعبت ولم أعد قادرًا على المواصلة”… “لا أستطيع التحمل بعد الآن”… “لقد انطفأت”…

مَنْ مِنَّا لم يردد مثل هذه العبارات في وقت ما؟ مَنْ مِنَّا لم يستيقظ في أحد الأيام دافعًا نفسه دفعًا من سريره، وجارًّا قدميه كي يذهب إلى عمله أو جامعته أو مدرسته؟

نمُرُّ أحيانًا بمعارك حامية الوطيس، مع مزيج من الأفكار الهدَّامة والمشاعر السلبية، كالعجز وفقدان الحافز. وكأي معركة محتدمة، تنتهي بفوزنا في مرات، وبخسارتنا في مرات أخرى.

ولكن، ماذا لو كانت معظم معاركنا خاسرة، وأصبحت للخمول والكسل اليد العليا في أغلب الأوقات؟ هذا ما سنتكلم عنه في ترياقنا لليوم، ما يُعرَف بـ”الاحتراق النفسي”.

ما هو الاحتراق النفسي؟

يُعَدُّ الاحتراق النفسي نوعًا خاصًا من الإجهاد الناتج عن العمل، إذ قد يُسمَّى أيضًا بـ “الاحتراق النفسي المهني”، وهو حالة من الإرهاق الجسدي أو النفسي تتضمن الشعور بشُحِّ الإنجاز وفقدان الذات.

هل أنا مصاب بالاحتراق النفسي؟

دعني أخبرك -عزيزي القارئ- بدايةً أن الاحتراق النفسي صُنِّف على أنه ظاهرة وليس حالة مرضية، بل يعتقد بعض الخبراء أن أمراضًا أخرى -مثل الاكتئاب- هي المسبب الأساسي له، ولكن هذا لا يعني أننا لا يجب أن نتعامل معه بجدية.

يؤثر الاحتراق النفسي مباشرةً في الصحة الجسدية والعقلية للشخص، ولهذا يجدر بك التعرف إلى أهم أعراضه وعلاماته:

الأعراض الجسدية

ومن أهمها:

  • شعورك بالتعب والإرهاق في معظم الأوقات.
  • صداع متكرر، أو آلام في العضلات.
  • تقلُّب الشهية.
  • الأرق وتغيُّر في عادات النوم.
  • ضعف المناعة والإعياء المتكرر.

الأعراض السلوكية

وتشمل كلًا من:

الاحتراق العاطفي

يتمثل الاحتراق العاطفي أو الإرهاق النفسي في:

  • شعورك الدائم بالضعف والاستسلام والفشل.
  • فقدانك للدافع والطموح.
  • شرودك الدائم، وإحساسك بالوحدة نتيجة الاستنزاف النفسي في العلاقات.
  • السخط على نفسك، وتقليلك من إنجازاتك الذاتية المحقَّقة.

ما الفرق بين التوتر والاحتراق النفسي؟

قد ينتج الاحتراق عن التوتر الكثيف والمستمر، إلا أن المصطلحين ليسا مترادفين.

على الرغم من أن التوتر يتضمن الكثير من الضغط النفسي والجسدي، مع ذلك لا يزال بإمكان الأشخاص المتوترين الإدراك أنه بمجرد زوال هذا الضغط أو هذه المسؤوليات، سيصبح كل شيء تحت السيطرة، وسيتلاشى هذا التوتر.

على الناحية الأخرى، فإن الاحتراق النفسي يعني الشعور بالإرهاق النفسي والفراغ، والافتقار للحافز، وعدم الاهتمام بالآخرين.

إن مَنْ يعانون هذه الظاهرة لا يرون الأمل في أي تغيير إيجابي قد يطرأ على ظروفهم وأحوالهم.

إذا ما أردنا تشبيه التوتر بالغرق في بحر من المسؤوليات، فإن الاحتراق بمثابة الجفاف في الصحراء!

يلاحظ الشخص غالبًا شعوره بالتوتر، لكن في كثير من الأحيان قد لا يلاحظ احتراقه النفسي.

الاحتراق النفسي وعلاقته بالرضا الوظيفي

أثار الاحتراق النفسي وعلاقته بالرضا الوظيفي اهتمام العديد من الدراسات، مُنتهيًا بعضها بإيجاد ارتباط وثيق بينهما.

كما ظهرت بعض المهن أكثر تأثيرًا وخطورةً في الصحة النفسية للعاملين فيها مقارنةً بغيرها، ومنها:

الطب

يعاني ما يزيد عن 40% من الأطباء هذه الظاهرة، وفقًا لآخر إحصائية وردت هذا العام في (Medscape)، وأظهرت الإحصائية تفاوتًا في الأرقام باختلاف التخصصات الطبية.

أوعزت هذه النسبة الضخمة إلى ساعات العمل الطويلة التي يقضيها الطبيب على رأس عمله، وحوسبة سجلات المرضى، وانعدام الاحترام والتقدير من الزملاء، وكم المهام البيروقراطية المتزايدة.

التدريس

ألقِ نظرة واحدة فقط على أي فصل دراسي، وستدرك لِمَ المعلم من الأكثر عرضة لمعاناة هذه الظاهرة.

لك أن تتخيل حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه لبناء عماد الأمة، وتخريج أجيال معطاءة قادرة على النهوض بها!

ناهيك عن كم الوظائف المُطالَب بها؛ فهو الأب والمعلم والمربِّي والآمِر والناهي والناصح والمؤدب، وهو مَنْ كاد أن يكون رسولًا!

فلا أظنك بعد كل هذا تتساءل عن سبب كون التدريس من أشد المهن وطأةً على العاملين فيه.

ولكن هل هذا يعني أن العاملين في هذه المهن هم فقط المعرَّضون للاحتراق النفسي؟

قطعًا لا، إن جميع العاملين في مختلف المجالات معرَّضون لمعاناة هذه الظاهرة إذا ما توافرت مسوغاتها وأسبابها، وسنذكر بعضًا من هذه الأسباب:

  • شعورك بفقدان السيطرة على العمل، وصعوبة التحكم به.
  • بيئة العمل المُتطلِّبة والمُجهدة.
  • العمل الرتيب الممل والمُجَرد من التحديات.
  • تقليل أرباب الأعمال والمدراء من شأن موظفيهم، والبخس في أجورهم.

أسباب الاحتراق النفسي المهني المحتملة

على الرغم مما يشير إليه الاسم، إلا أن ضغوطات العمل وأعباءه ليست السبب الوحيد للاحتراق النفسي الوظيفي؛ فهنالك عدد من العوامل التي تلعب دورًا هامًا في ذلك. ويمكن تقسيمها على النحو الآتي:

الأسباب المتعلقة بنمط حياتك

يسهم نمط حياتك على نحو كبير في احتراقك النفسي، ومثال ذلك:

  • إفراطك في العمل، مع تناسي ضرورة الاسترخاء والحياة الاجتماعية.
  • افتقارك للعلاقات الاجتماعية الوثيقة والداعمة.
  • عدم حصولك على قسط كافٍ من النوم.
  • الاستنزاف النفسي في العلاقات.
  • تحمُّلك للكثير من المسؤوليات، دون الحصول على مساعدة من أي شخص.

الأسباب المتعلقة بسماتك الشخصية

نعم هذا صحيح، لا تستغرب -يا صديقي- عندما أقول لك أنك قد تكون من الأسباب المباشرة لاحتراقك النفسي. دعني أخبرك كيف يكون ذلك:

  • هوس الكمال والمثالية: إن سعيك الدائم للوصول إلى المثالية والكمال يفسد عليك لذة أي إنجاز قمت به، ويتركك في بحر واسع؛ كلما اقتربت من بلوغ شاطئه، قذفتك أمواجه بعيدًا.
  • التطيُّر والفأل السيئ: إن تشاؤمك المستمر وخوفك مما هو قادم يجعلانك في متاهة من القلق والتردد لا باب لها.
  • حب السيطرة والتفرُّد: قد تؤدي رغبتك في السيطرة والسلطة إلى تفرُّدك في تحمُّل المسؤوليات، وتجاهلك لمَنْ هم حولك، مثقلًا بذلك كاهلك ومحرِقًا نفسك.

الاحتراق النفسي الرياضي

وُصِفَ الاحتراق النفسي الرياضي -أو متلازمة الإفراط في التدريب- على أنه استجابة غير ملائمة للجسد نتيجة الإفراط في ممارسة التمارين الرياضية، دون الحصول على راحة كافية، مؤديًا بذلك إلى اضطرابات في أجهزة الجسم المختلفة، إلى جانب التغيرات المزاجية.

الأعراض والعلامات

تتفاوت أعراض وعلامات الاحتراق النفسي الرياضي على نحو واسع من شخص لآخر، إلا أننا سنذكر بعضها:

  • ألم مزمِن في العضلات والمفاصل.
  • خسارة الوزن وفقدان الشهية.
  • الإرهاق.
  • غياب الدافع وفقدان الحافز للمواصلة والمنافسة.
  • انخفاض المستوى العام للَّاعب، والظهور بأداء باهت.
  • اضطرابات في النوم والحالة المزاجية.

الأسباب المحتمَلة

يصعب -حتى هذه اللحظة- فهم الآليات الميكانيكية التي تثير الإصابة بهذه المتلازمة، والوصول إلى تفسير يُعزى إليه معظم هذه الأعراض.

وقد اقتُرِح عدد من الفرضيات التي قد تفسر هذه المتلازمة، منها انخفاض نسبة الجلايكوجين في العضلات، وعدم اتزان الجهاز العصبي اللاإرادي.

والآن سؤالي لك عزيزي القارئ، هل تظن أن ما يعانيه اللاعب الأرجنتيني (ليونيل ميسي) من انخفاض في المستوى، والحزن البادي عليه منذ مطلع الموسم قد يكون إثر متلازمة الإفراط في التدريب؟ أترك الإجابة لك.

للتعرف إلى المزيد حول هذه المتلازمة من هنا

التعامل مع الاحتراق النفسي

لعل مصطلح “الاحتراق” بحد ذاته يشير إلى ضرر دائم، إلا أن الأمر ليس كذلك؛ فالعلاج يتطلب بعض التغييرات في بيئة العمل، أو نمط حياة الشخص، أو حتى سماته الشخصية. ومن هذه التغييرات:

  • خذ قسطًا من الراحة: ويكون ذلك بأخذ إجازة من العمل على سبيل المثال، أو ممارسة بعض تمارين الاسترخاء، مثل اليوغا، وقد يلجأ البعض إلى تناول بعض الأدوية (ويكون ذلك تحت إشراف الطبيب المختص).
  • مارس الرياضة: يمكن أن يساعدك النشاط البدني على التعامل مع التوتر على نحو أفضل، ويخفف عنك أعباء الحياة اليومية.
  • خذ قسطًا كافيًا من النوم يوميًا: ما كذب مَنْ قال: “النوم سلطان”؛ فهو يعيد للإنسان نشاطه وحيويته ويُشعِره بالراحة، ناهيك عن إسهاماته في المحافظة على صحة الإنسان.
  • اطلب الدعم والمساعدة: يمكنك طلب الدعم من زملائك في العمل، أو أصدقائك، أو أقربائك. في حالة لم يفلح الأمر، يمكنك طلب المساعدة من الطبيب المختص، والوصول معًا إلى حلول مثمرة.

تنتهي من هذا المقال ولسان حالك يقول: “والله لقد ثَقُل الحمل، وضَعُف الكاهل”.

أَما آن الأوان -يا صديقي- أن تنزع ثوب همومك وتتجرد من كل أعبائك؟! أما آن الأوان أن تنام قرير العين هادئ السريرة؟!

أما آن الأوان أن تلقي وسائل التواصل الاجتماعي وكل هذا الضجيج خلفك، ممسكًا يد زوجتك وأبنائك ومنطلقين في نزهة جميلة طال قدومها، فيصفو ذهنك ويهدأ خاطرك؟!

هيا يا عزيزي، اترك هذا الترياق وحلِّق بعيدًا، واترك أمر المدينة والجوكر لباتمان؛ فهذا ليس من شأنك!

بقلم د. عبد الرحمن عجور

المصدر
lifestyle burnoutAthlete BurnoutOvertraining SyndromeBurn-out an "occupational phenomenon": International Classification of DiseasesJob burnout: How to spot it and take action Burnout Symptoms and Treatment Relation Between Burnout Syndrome and Job Satisfaction Among Mental Health Workers
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق