مفاهيم ومدارك

الاستنزاف النفسي | نارٌ تأكلُ روحَك!

أشعِل نارًا ثم ضَع قطعة خشب فيها لساعات حتى يتغير لونُها ويهدأ اللهب. 

قد لا تزال قطعة الخشب تحتفظ بهيئتها أمامك، ولكن..

إن لمستها فقط، حينها تنهار دفعة واحدة وتستحيل رمادًا!

وكذلك الناس!

إذا تعرَّضوا لضغوطات كبيرة في العمل، قد يكونون عُرضة للاستنزاف النفسي أو الاحتراق الداخلي، الذي يحولهم إلى أجسادٍ بلا أرواح تسكنها.

في هذا المقال سنتعرَّف إلى متلازمة الاحتراق النفسي وعلاجها، وما العلامات التي توحي بأنك على أعتابها.

تعريف الاحتراق النفسي أو الاستنزاف النفسي

يُعَد مصطلح “الاحتراق النفسي” جديدًا نسبيًا، صاغه عالم النفس الأمريكي هربرت فرودنبرجر لأول مرة في عام 1974 في كتابه “الاحتراق النفسي: التكلفة العالية للإنجاز العالي”.

عرَّف “فرودنبرجر” الاستنزاف النفسي في الأصل على أنه “انعدام الدافع أو الحافز، خاصةً عندما يفشل تفاني المرء -في قضية ما أو علاقة- في تحقيق النتائج المرجوة”.

وهذا الاستنزاف النفسي ليس هو الإرهاق العادي، ولكنه رد فعل على ضغوط العمل الطويلة أو المزمنة، ويتميز بثلاث سمات رئيسية: الإرهاق والتشاؤم والشعور بضعف القدرة المهنية.

فإذا كنت تشعر بالإرهاق، تبدأ في كره وظيفتك، ومن ثَم الشعور بقدرات أقل في العمل، ثُم تظهر علامات الاستنزاف النفسي الأخرى تباعًا.

يمكن أن يأتي الضغط الذي يسهم في الاستنزاف النفسي بشكل أساسي من وظيفتك، لكن الضغط الناتج عن نمط حياتك العام يمكن أن يزيد من هذا الضغط. 

إذ يمكن أن يؤدي التعرض المستمر للمواقف العصيبة، مثل: رعاية أحد أفراد الأسرة المريض أو مشاهدة الأخبار المزعجة، إلى حالة احتراق نفسي.

ويمكن أن تسهم أيضًا سمات الشخصية وأنماط التفكير، مثل: الوصول للكمال والتشاؤم في ذلك.

مَن أكثر عُرضة للاستنزاف النفسي؟

“ينتشر الاستنزاف النفسي عادة بين الأفراد ذوي الدوافع العالية الذين يعملون فترات طويلة في مواقف تستهلك عواطفهم!” 

                                                                                     ويلمار شاوفيلي

تضع أعباء العمل الثقيلة الأفراد الذين يتمتعون بسمات شخصية معينة عرضة للاستنزاف النفسي.

لا تؤدي الوظيفة عالية الضغط دائمًا إلى الاستنزاف النفسي، لكن بعض الأفراد -الذين يعملون في مِهَن معينة- معرَّضون لخطر أكبر من غيرهم.

أفاد تقريرٌ حديث نُشِر في المجلة الأمريكية للطب أنَّ ما يقرب من نصف الأطباء يعانون الاستنزاف العاطفي والنفسي.

بالطبع لا يقتصر الأمر على الأطباء فقط؛ إذ يتعرض العاملون في كل صناعة وعلى كل مستوى لمخاطر محتملة. 

أسباب الاستنزاف النفسي للموظفين (الاحتراق الوظيفي)

أسباب الاستنزاف النفسي للموظفين (الاحتراق الوظيفي)

وفقًا لتقرير صدر عن شركة التحليلات والاستشارات الأمريكية Gallup نُشِر عام 2018، يُعزى الاحتراق النفسي للموظفين إلى خمسة أسباب رئيسية: 

  • ضغط الوقت غير المعقول:

الموظفون الذين يقولون إن لديهم وقتًا كافيًا للقيام بعملهم هم أقل عُرضة بنسبة 70% للإنهاك النفسي.

لذلك فإنَّ المسعفين ورجال الإطفاء وأطباء الطوارئ، هم أكثر عرضة للاستنزاف النفسي.

  • نقص التواصل والدعم من المدير:

 يوفر تواصل المدير ودعمه للموظفين حاجزًا نفسيًا ضد الاحتراق الوظيفي، فالموظفون الذين يشعرون بدعم قوي من مديرهم أقل عرضة بنسبة 70% للاحتراق النفسي والوظيفي.

  • عدم وضوح الدور:

عندما لا يعرف الموظفون ما يجب عليهم فعله بدقة، قد يصبحون منهكين في أثناء محاولة معرفة ذلك.

  • عبء العمل لا يمكن السيطرة عليه:

عندما يكون عبء العمل لا يمكن السيطرة عليه، فإن حتى أكثر الموظفين تفاؤلًا سيشعر باليأس والإحباط الشديدَين، ومن ثَم الاحتراق النفسي.

  • معاملة غير عادلة: 

الموظفون الذين يشعرون أنهم يعامَلون بمعاملة غير عادلة في العمل هم أكثر عرضة -بمقدار الضِعف- للاحتراق النفسي. 

قد تشمل المعاملة غير العادلة أشياء مثل: المحسوبية والتعويض غير العادل وسوء المعاملة من زميل في العمل.

تعرَّف أكثر إلى الاحتراق الوظيفي، من خلال قراءة هذا المقال.

علامات تدل على أنك تعاني الاستنزاف النفسي

هل تشعر بالقلق من أنك قد تعاني الاستنزاف النفسي ولكنك غير متأكد؟ 

لقد قمنا بجمع العلامات الأكثر شيوعًا للاستنزاف النفسي:

  • الاغتراب من الأنشطة المتعلقة بالعمل: 

يرى الأفراد الذين يعانون الإرهاق أن وظائفهم مرهِقَة ومحبِطة بشكل متزايد، فقد يصبحون متشككين بشأن ظروف عملهم والأشخاص الذين يعملون معهم.

  • الأعراض الجسدية: 

قد يؤدي الإجهاد المزمن إلى أعراض جسدية، مثل: الصداع وآلام المعدة.

  • الاستنزاف العاطفي: 

الشعور بالإرهاق وعدم القدرة على التأقلم والتعب، وغالبًا ما تفتقر إلى الطاقة لإنجاز عملك.

  • انخفاض الأداء: 

يؤثر الاستنزاف النفسي بشكل أساسي في المهام اليومية في العمل  أو في المنزل (عندما تتضمن الوظيفة الرئيسية لشخص ما رعاية أفراد الأسرة).

ستعاني صعوبة في التركيز وغالبًا ما تفتقر إلى الإبداع.

مراحل الاستنزاف النفسي

مراحل الاستنزاف النفسي

لا يحدث الاستنزاف النفسي دفعة واحدة، ولكنه يمر بمراحل حددها علماء النفس هربرت فرودنبرجر وجيل نورث في اثني عشرة مرحلة:

  1. الطموح المفرِط:

 وهو شائع جدًا بين أولئك الذين يبدأون عملًا جديدًا أو يقومون بمهمة جديدة.

  1. العمل بجدية أكبر:

 يدفعك طموحك المبالغ فيه إلى العمل بجدية أكبر.

  1. إهمال احتياجاتك الخاصة:

 تبدأ في التضحية بحياتك الخاصة، مثل: النوم وممارسة الرياضة وتناول الطعام بشكل جيد.

  1. حدوث الصراع:

 وبدلًا من الاعتراف بأنك تدفع نفسك إلى ما لا تطيق، فإنك تلوم رئيسك في العمل أو متطلبات عملك أو زملائك على مشكلاتك.

  1. لا يوجد وقت كافٍ لحياتك الاجتماعية:

 يتحول لقاء صديقك أو مشاهدة فيلم معًا من أمر ممتع إلى شيء مرهق.

  1. الإنكار:

 ينفد صبر من حولك، وبدلًا من تحمل مسؤولية سلوكياتك فإنك تلوم الآخرين وتعتبرهم غير أكفاء وكسالى ومتغطرسين.

  1. الانسحاب: 

تبدأ في الانسحاب من العائلة والأصدقاء.

  1. التغييرات السلوكية: 

وفي طريقك للاحتراق النفسي قد تصبح أكثر عدوانية مع أحبائك دون سبب منطقي.

  1. تبدد الشخصية:

 تشعر بالانفصال عن حياتك وتفقد قدرتك على التحكم بها.

  1. الفراغ الداخلي أو القلق:

 الشعور بالفراغ أو القلق، وقد تلجأ إلى سلوكيات البحث عن الإثارة للتعامل مع هذه المشاعر، مثل: تعاطي المخدرات أو القمار أو الإفراط في تناول الطعام.

  1. الكآبة:

 تفقد الحياة معناها وتبدأ في الشعور باليأس والإحباط.

  1. الانهيار العقلي أو الجسدي:

 هي نتيجة حاسمة لعدم قدرتك على التأقلم. 

وكذلك فإن الأفراد الذين يعانون الإرهاق أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب.

كيف يمكن علاج متلازمة الاحتراق النفسي؟

قد يحتاج الفرد الذي يشعر بالاحتراق النفسي إلى إجراء بعض التغييرات على بيئته في العمل أو المنزل.

وقد يكون من المفيد التحدث إلى قسم الموارد البشرية بشأن مشكلات العمل أو التحدث إلى مديرك حول نوعية المهام وعددها.

في بعض الحالات، قد يكون من الضروري تغيير وظيفتك لوضع حد لهذا الاستنزاف النفسي.

قد يكون من المفيد أيضًا تطوير استراتيجيات واضحة تساعدك في التحكم في توترك، مثل: 

  • اتباع نظام غذائي صحي.
  • ممارسة التمارين الرياضية.
  • اتباع عادات نوم صحية لتقليل بعض آثار العمل المجهِد.

قد توفر لك الإجازة بعض الراحة المؤقتة أيضًا، لكن قضاء أسبوع بعيدًا عن المكتب لن يكون كافيًا لمساعدتك في التغلب النهائي على الاحتراق الوظيفي. 

وختامًا…

إذا لم تستطع الهروب -وحدك- من هذا الاستنزاف النفسي، أو كنتَ تشك في إصابتك بحالة نفسية مثل الاكتئاب، فلا تتردد في طلب مساعدة الأطباء المتخصصين.

المصدر
Burnout Symptoms and TreatmentBurnout Gets Official Recognition: What Are Causes, Symptoms?A Guide to BurnoutSigns You're Burned Out
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق