ترياق الأمراض النفسية

الاضطرابات الانشقاقية | من أنا؟

“أختاه، الغوث… الغوث!”…

صحتُ بها وأنا أفتح باب غرفتها، انتفضت أختي من فراشها، ونظرت إليَّ بذهول ما لبث أن انقلب إلى ضحكات متلاحقة، حينما تذكرت عاداتي الغريبة في إيقاظها فجرًا.

تقع أختي ضحية لتخلي إلهام الكتابة الصباحية عني، خصوصًا مع اقتراب موعد تسليم المقالات؛ فأنا أحب هدوء الصباح للكتابة، يجعل ذهني أكثر تركيزًا.

اعتدلت على فراشها قائلة: ماذا لديكِ اليوم؟

قلت باضطراب: الاضطرابات الانشقاقية، أو الاضطرابات التفككية، أو الاضطرابات التفارقية.

اتسعت عيناها في فضول قائلة: أو؟!

جلستُ أخيرًا على فراشها وأنا أغمغم: نعم، كل تلك الكلمات تشير لنفس المرض.

قالت بعد تفكير: حسنًا، سوف نرتب أفكارنا، أسألكِ وتجيبين…

أعجبتني فكرتها، فأمسكت بورقتي وقلمي، وقلت بحماس: لنبدأ!

قالت: حسنًا، سؤالي الأول…

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

ما الاضطرابات الانشقاقية؟ 

سكتُّ قليلًا، ثم قلتُ لها: دعينا أولًا نُعرِّف الانشقاق، إنه الانفصال عن الآخرين، أو الانفصال عن العالم من حولك. الانشقاق -أيضًا- قد يحدث بانفصالك عن أفكارك، وذكرياتك، وأحاسيسك الخاصة.

قاطعتني بقولها: مثل ما يحدث في أحلام اليقظة، أو عندما نكون في السينما لمشاهدة فيلمنا المفضل، أنا بالفعل أشعر أنني منفصلة عن كل من حولي!

ضحكتُ وأنا أتذكر شكلها في السينما، جالسة بفم مفتوح مُليء بالفشار، فأجبتها: نعم، الانشقاق يحدث بشكل طبيعي في تلك الأحوال، إنما ما نتحدث عنه مرض.

الانشقاق واحد من الدفاعات التي تساعدنا على تحمل الصدمات؛ فعندما يمُرُّ الإنسان بصدمة عنيفة مثل حادث سير، أو كارثة طبيعية كالفيضانات، أو كارثة بشرية كالحروب، أو يقع ضحية لجريمة عنف كالاغتصاب مثلًا، يكون من الصعب للغاية تحملها، ويلعب الانشقاق دوره هنا.

تحدث الاضطرابات الانشقاقية عندما يتعرض الإنسان لصدمة عنيفة، فينفصل عن هويته، أو ذاكرته، أو الواقع الذي يعيش فيه. وهي حالة مرضية مزمنة من الانشقاق قد تستمر لأيام، أو شهور، أو أسابيع.

ضحكَت بشدة وقاطعَتني: تُذَكِّرينني بالأطباء في التلفاز، عندما يخبرون أهل المريض أنه سيصير بخير ولكن لا نعرف متى!

ثم سكتَت فجأة ثم قالت: هل الاضطرابات التفككية نفسها اضطراب ما بعد الصدمة؟

ابتسمتُ لذكائها، وأجبت: لا يا صغيرتي، يختلف عنه، لكنهما يتشابهان في الكثير من الأمور.

صفقَت بيديها كالأطفال قائلةً: حسنًا، جواب جيد! السؤال الثاني…

ما أنواع الاضطرابات التفارقية؟

ما أنواع الاضطرابات التفارقية؟

فكرتُ قليلًا وأجبتُها: بعض المراجع تُقسِّم أنواع الاضطرابات التفارقية إلى ثلاثة أنواع، والبعض الآخر إلى أربعة. لنتحدث عنها:

1- اضطراب الهوية الانفصامية.

2- اضطراب الانفصال عن الواقع أو تبدد الشخصية.

3- اضطراب فقدان الذاكرة الانفصامي.

4- اضطراب الشرود الانفصامي (أحيانًا يُوضَع تحت التصنيف السابق).

قاطعتني: هل يَِضُركِ بعض التوضيح؟

هززتُ رأسي نافيةً وابتسمت: لماذا تقاطعيني؟! بالتأكيد سأوضح المزيد…

1- اضطراب الهوية الانفصامية

نظرت لها قائلة: تحبين المسلسلات، أليس كذلك! تتذكرين مسلسل “حالة عشق”، وكيف حدث لشخصية “ملك” انفصام في الهوية بينها وبين شخصية أخرى، “عشق” توأمها التي قتلها والدها بالخطأ، فأصابتها صدمة عنيفة لم تُعالَج منها، وهنا حدث الانشقاق.

قاطعتني قائلة: لم يُذكَر هذا الاضطراب بهذا الاسم؟!

أجبتُها: بالطبع، أنا أُقرِّب لك الفكرة. في هذا النوع من الاضطرابات الانشقاقية، توجَد لدى المريض شخصيتان منفصلتان، لكل منهما تصرفات، وسلوكيات، بل وذكريات وطريقة تفكير مختلفة تمامًا عن الأخرى.

التبديل بين الشخصيتين يكون لا إراديًا، ويحدث بشكل مفاجئ للغاية. لقد حاولت شخصية “ملك” الانتحار أليس كذلك! تتحدث الدراسات أن 70% من المرضى يميلون للانتحار.

2- اضطراب الانفصال عن الواقع أو تبدد الشخصية 

صمتُّ لاستجماع أفكاري، ثم تابعت: في هذا النوع من الاضطراباتِ الانشقاقية، ينفصل الفرد عن الواقع أو عن عقله، أو كليهما.

نظرَت إليَّ بتعجب، فأجبتُها: يشعر الفرد -في اضطراب تبدد الشخصية- بالانفصال عن عقله أو جسده أو نفسه، كأنما يشاهد حياة شخص آخر دون المشاركة فيها.

قاطعتَني: الأمر يشبه الأحلام؛ فنرى أنفسنا كمراقب لتصرفات نفعلها، دون القدرة على المشاركة فيها أو إيقافها.

هززتُ رأسي موافقةً وتابعت: أما في الانفصال عن الواقع؛ ينفصل الفرد عن واقعه، فيبدو ما يحيط به من أشخاص وأشياء كخيالات.

سألتني: وهل يشعر الفرد في أثناء ذلك بما حوله؟

أجبتها: نعم يكون واعيًا أنه يمر بتجربة غير طبيعية تستمر لعدة دقائق، لكن لا يستطيع التدخل فيما يحدث.

تابعتُ بخبث: سيعجبكِ الاضطراب القادم!

3- اضطراب فقدان الذاكرة الانفصالي

تابعت: مسلسل “لعبة النسيان”؛ حسنًا، لا تنفعلي! سنتفق على أنه أكثر عمل درامي احترم فكرة فقدان الذاكرة، ولكن قبل ذلك سأُعرِّفكِ على هذا النوع من الاضطرابات الانشقاقية.

في اضطراب فقدان الذاكرة، يفقد الفرد قدرته على تذكُّر معلومات عن ماضيه، لا يشبه النسيان الاعتيادي الذي قد نعانيه لفترة ما.

ينتج هذا الاضطراب عن حدوث صدمة شديدة أو موقف عنيف تعرض له الشخص، وقد يستمر لدقائق أو شهور أو حتى لسنوات.

قد يدرك المريض إصابته بفقدان الذاكرة، وقد يقلل من أهمية الأمر، وقد يكون غير مدرك لذلك. وهناك ثلاثة أنواع من فقدان الذاكرة، هي:

1- فقدان ذاكرة محدد: لا يتذكر المريض حدثًا أو فترة زمنية معينة.

2- فقدان ذاكرة انتقائي: لا يتذكر المريض تفاصيل عن حدث ما في فترة زمنية محددة.

3- فقدان ذاكرة عام: فقدان تام للهوية وماضي المصاب.

حسنًا، لقد انتهينا من هذا النوع من الاضطرابات الانشقاقية، لنتابع النوع الرابع.

ضربتني أختي بالوسادة وصاحت بي: ما علاقة هذا بمسلسل “لعبة النسيان”؟!

ابتسمتُ بخبث وقلت مفكرةً: لقد نسيت!

توالت ضرباتها عليَّ، فصِحت: يكفي! سأشرح لك. 

معظم الأعمال الدرامية التي عرضت موضوع فقدان الذاكرة تناولته بشكل سطحي أو غير صحيح علميًا.

لكن كان الأقرب هذا العمل، ذلك لأنه عرض سبب فقدان الذاكرة -الصدمة- ومعاناة البطلة، وأنها بالفعل لا تتذكر أحداثًا كثيرة متعلقة بها. 

هل أنت سعيدة؟! لنتابع…

4- اضطراب الشرود الانفصامي 

تابعت: الشرود الانفصامي -أو الشرود النفسي- قد يحدث بلا مسبب وفجأة بدون إنذار؛ لا يعرف الشخص نفسه ولا يتذكر ماضيه، وقد يسير بعيدًا عن منزله لمئات الكيلومترات، حسب المدة التي يستغرقها الشرود، وقد تستمر ساعات أو شهورًا.

قد يختلق لنفسه -أيضًا- حياة جديدة في مكان ما، وعندما يفيق من الشرود قد لا يستطيع تذكر هذه الحياة. يُصنَّف هذا النوع أحيانًا كفقدان للذاكرة، ويندرج تحت النوع السابق.

قالت أختي شاردة: نرى بعض الأشخاص يجوبون الشوارع لا يعرفون أسماءهم ولا ماضيهم، ربما كانوا بالفعل مرضى الشرود الانفصامي!

أجبتُها: نعم ربما، مَنْ يدري! سنتحدث الآن عن أعراض الاضطرابات الانشقاقية، ولكن دون مقاطعة، موافِقة؟!

نظرَت إليَّ بغلٍّ قائلةً: عندما يحضر الإلهام أُرفَع إلى الرف! لا بأس، تابعي…

أعراض الاضطرابات الانشقاقية

أعراض الاضطرابات الانشقاقية

ضحكتُ لقولها وتابعت: حسنًا، اتفقنا أن هناك أربعة أنواع من الاضطرابات الانشقاقية، لذا تختلف الأعراض باختلاف نوع الاضطراب وشدته أيضًا.

يعتمد الأطباء في التشخيص على التاريخ المرضي للحالة، إلى جانب الأعراض التالية. قد تكونين الآن قادرة على تخمين أعراض الاضطرابات الانشقاقية، نستعرضها معًا:

  • الشعور بالانفصال عن نفسك وعن أحاسيسك.
  • صعوبة التحكم في العواطف تحت الضغوطات العصبية، ما ينتج عنه مشاكل بالعمل والحياة الشخصية.
  • تغيرات حادة وسريعة في المزاج.
  • الشعور بالاكتئاب والقلق، وظهور بعض الميول الانتحارية.
  • الإحساس أن العالم والأشياء المحيطة بك ليست حقيقية.
  • مشاكل بالذاكرة ليست لها علاقة بحالة مرضية أو إصابة.
  • مشاكل بالوعي والتركيز.
  • حدوث هفوات في الذاكرة لفترات معينة، مثل نسيان معلومات شخصية هامة، أو نسيان الأحداث أو الأشخاص.
  • فقدان الإحساس بالهوية الشخصية، وغيرها من الأعراض.

نظرتُ إلى أختي، ووجدتُها أمسكَت هاتفها وقالت: سؤال جديد، ما الاضطرابات الانشقاقية التحولية؟

الاضطرابات الانشقاقية التحولية

قمتُ ببعض البحث على هاتفي قبل أن أقول: موضوع شيق! تحدثنا عن الاضطرابات الانشقاقية، لنستعرض الجزء الثاني… الاضطرابات التحولية.

قاطعَتني قائلةً: ببساطة الاضطرابات التحولية هي “مجموعة من الأعراض الجسمانية التي تصيب المريض دون وجود سبب عضوي لها، وقد تصل شدتها لإصابة المريض باضطراب وظيفي”.

يرجح الأطباء أن أسبابها نفسية، ونرى كثيرًا من الأشخاص يعانون هذا، وبخاصة النساء، أليس كذلك؟!

هززتُ رأسي موافقةً وقلت: ومن هنا ظهر مفهوم “الاضطرابات الانشقاقية التحولية”؛ يعاني المريض أعراضًا جسمانية وأعراضًا انشقاقية، وقد عُرِفَ قديمًا باسم “الهيستيريا“.

أسندَت رأسها على وسادتها قائلةً: تعبت! سؤال أخير ثم اخرجي فورًا! ما علاج الاضطرابات الانشقاقية؟

علاج الاضطرابات الانشقاقية

علاج الاضطرابات الانشقاقية

ابتسمتُ قائلةً: حسنًا، علاج الاضطرابات الانشقاقية قد يستغرق العديد من السنوات، حسب نوعه وشدته. هناك عدة طرق للعلاج، ومنها:

1- توفير البيئة الآمنة للمريض

يوفر الطبيب لمريضه بيئة آمنة وهادئة، بغرض استعادة بعض الذكريات المفقودة.

2- التنويم المغناطيسي

علاج مثير للجدل العلمي، ويهدف لاسترجاع الذكريات.

3- العلاج النفسي 

أهم طُرق علاج الاضطرابات الانشقاقية، وينقسم لعدة أنواع، منها: العلاج المعرفي السلوكي، والعلاج السلوكي الجدلي، والتحكم في التوتر.

وقد يكون العلاج النفسي التقليدي بالتحدث مع الطبيب النفسي، في محاولة لمساعدة المريض على التذكر أو التعامل مع الصدمة المسببة للمرض.

4- الأدوية

تهدف الأدوية للتحكم في الأعراض المصاحبة للاضطرابات الانشقاقية، ولكنها لا تعالجها، وهي مثل مضادات الاكتئاب، ومضادات القلق.

قلتُ بسعادة: انتهينا!

غمغمَت أختي بصوت نائم: انتهينا؟ حسنًا، والآن اخرجي لأنام!

نظرتُ لأوراقي، ثم ابتسمتُ شاكرةً لها، وبينما أغادر غرفتها سمعتُها تقول: لا أنصحك بالكتابة عن الاضطرابات الانشقاقية، يجب أن تكتبي عن علاج لحالتك!

نظرتُ إليها بتعجب، فأجابَت: عادات الكاتب السيئة في إيقاظ الآخرين!

ثم ضحِكَت بمرح!

لَكم أحِبُّكِ يا صغيرتي!

المصدر
Dissociation and dissociative disorders Dissociative disordersDissociative DisordersWhat Are Dissociative Disorders? Dissociative Disorders Dissociation and dissociative disorders
اظهر المزيد

Shaymaa Ali

شيماء علي صيدلانية كاتبة محتوى طبي. لا يزال العلم يبهرني بالجديد يوما بعد يوم، أغوص في بحره باحثة عن كنوزه، لأعود بما ينير العقول. أسعى لترسيخ الثقافة العلمية والطبية في مجتمعنا العربي بلغتنا الأم. أمزج في مطبخي "مقالاتي😁" العلم بالأدب في خليط بطعم مميز جاهز لأجلك، فاستمتع به.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى