ترياق الأمراض النفسية

الاضطراب المفتعل – أنا هنا ألا تشعر بوجودي؟!

” هذا وليد، قضى طفولته مع داء السكري بين إبر الأنسولين وإغماءات السكر، كل من حوله ينظر إليه بشفقة وتعاطف، حتى أنهم يتجنبون إغضابه حفاظاً على صحته؛ مما يولد داخله إعجابا بالشعور بكونه ضحية المرض، فيتخذه وسيلة للفت الأنظار نحوه”

” سمية -متزوجة ولديها طفلة- لاحظت عليها أختها أن ابنتها بها خدوش كثيرة وآثار للضرب، وعند سؤال أختها عن السبب وراء ذلك، كانت تبرره بأن ابنتها تضرب نفسها من شدة عصبيتها.

وفي يوم ما، لم تنتبه سمية لملاحظة أختها لها في أثناء ضربها لابنتها وإحداث كدمات وخدوش كثيرة في مناطق متفرقة -دون سبب واضح-.

قصص مختلفة لأشخاص يمرون بظروف مختلفة، لكنها تلتقي عند نقطة واحدة: الشعور بأهمية وجودهم، وكسب تعاطف الآخرين.

يُعرف هذا الاضطراب بالاضطراب المفتعل “factitious disorder”.

الاضطراب المفتعل… ما هو؟

هو اضطراب نفسي يتعمد صاحبه ادعاء المرض سواء كان نفسيًا أو عضويًا، وقد يضطر إلى إيذاء نفسه لخداع الآخرين.

يجد المريض لذة في شعوره بأنه ضحية، إذ يكون محط اهتمام من حوله.

 أنواع الاضطراب المفتعل… هل يقتصر فقط على إيذاء النفس؟

يتمحور اضطراب المرض الانفعالي حول نوعين، هما:

١.اضطراب مفتعل يُلحقه الشخص بنفسه:

حيث يلجأ المريض إلى ادعاء إصابته بمرض نفسي أو عضوي.

مثال على ذلك، يدعي المريض إصابته بالشيزوفرنيا من خلال ظهوره بشكل مشوش، وهلوسته، وادعاء سماع أصوات، أو رؤية أشياء غير حقيقية.

٢.اضطراب انفعالي يفرضه الشخص على من حوله:

يظهر بشكل واضح على الآباء والأمهات تجاه أولادهم؛ إذ يوهمون أطفالهم بأنهم مرضى ويذهبون بهم إلى الطبيب دون داعٍ، وفي بعض الأحيان يُلحقون بهم الأذى من كدمات وجروح؛ مما يُؤذي الأطفال نفسيًا وجسديًا.

لا يقتصر هذا النوع من اضطراب المرض الافتعالي على الأطفال، بل قد يشمل ذوي الاحتياجات الخاصة والحيوانات الأليفة من قبل من يعتني بهم.

أهم الأسباب وراء الاضطراب المفتعل” factitious disorder”:

ينسب الباحثون السبب وراء الاضطراب المفتعل إلى التاريخ المرضي والأحداث المؤثرة التي مر بها المريض في حياته وتركت آثارا نفسية كبيرة، مثل:

  • التعرض إلى الصدمات القوية لفقدان شخص عزيز عليك
  • التعرض للإساءات الجنسية والجسدية
  • المشاكل العائلية
  • الانعزال عن المجتمع
  • الأمراض المزمنة منذ الطفولة
  • التعرض للتنمر وفقدان الثقة بالنفس عاء
  • الاضطرابات النفسية، مثل: الاكتئاب وأمراض الفصام

ليس شرطاً أن يتعرض المريض لما سبق ذكره من أحداث، بل يكفي أن يتعرض أحد أفراد عائلته لهذه الأحداث، ويتأثر بهم.

أهم أعراض الاضطراب المفتعل:

تتراوح أعراض الاضطراب المفتعل من أعراض طفيفة كتهويل الأعراض أو إفساد نتيجة التحاليل إلى أعراض شديدة كإيذاء نفسه بأدوات حادة، من أهم هذه الأعراض:

إدعاء المرض:

مثل وجع المعدة أو الصداع، أو الصرع.

إفساد التحاليل الطبية:

وذلك للحصول على نتيجة إيجابية تؤكد مرضهم، وخير مثال على ذلك:

  • تلويث عينة البول بالدم أو أي مادة ملوثة.
  • تسخين الترمومتر ليسجل قراءة مرتفعة.

تهويل الأعراض:

قد يعاني المريض أعراضا، لكنه يسعى لتضخيمها من أجل كسب أكبر قدر من التعاطف.

إعطاء تاريخ مرضي خاطئ للطبيب:

قد يلجأ المريض إلى  تزوير الأشعة والتحاليل الخاصة به، وادعاء إصابته بأمراض خطيرة كالسرطان والإيدز؛ حتى يلجأ الطبيب إلى إجراء عملية جراحية له.

إيذاء النفس:

وتصل الأعراض إلى شدتها في هذه المرحلة، ويحتاج المريض إلى الملاحظة المستمرة حتى لا يُعرض حياته للخطر، من أبرزها:

  • تناول أدوية تتسبب في مشاكل صحية مثل أدوية مضادات التجلط أو أدوية السكري.
  • حقن أنفسهم ببكتيريا أو جازولين.
  • إحداث جروح بأدوات حادة في مناطق متفرقة بجسدهم.
  • تعمد تأخير التئام الجروح كتلويثها أو فتحها مجددًا.

عواقب وخيمة ناتجة عن الاضطراب المفتعل:

بالطبع كل ما يرتكبه المريض تجاه نفسه وتجاه من يرعاه يؤثر سلبيًا في صحته وقد يودي بحياته، إليك أهم عواقب هذه التصرفات:

١.إصابات بالغة تصل إلى بتر أعضاء الجسم.

٢.الوفاة نتيجة الإصابة بعدوى بكتيرية قاتلة، والاستخدام الخاطئ للأدوية.

٣.تدهور الحالة الصحية الناتجِ عن إجراء عمليات جراحية بدون داعٍ.

٤.خلق مشاكل في الحياة الشخصية والعملية.

٥.إيذاء الآخرين.

تشخيص الاضطراب المفتعل يحتاج إلى مهارة فائقة:

نجد أن تشخيص هذا الاضطراب شديد الصعوبة؛ وذلك لإنكار المريض حقيقة مرضه، واتخاذه أساليب مبتكرة في إفساد التحاليل و الفحوصات التي تثبت سلامته عضويًا؛ مما يضع الطبيب في مأزق.

لذلك على الطبيب إخبار أهل المريض بضرورة مراقبته عند أخذ عينة منه أو عند خضوعه إلى الأشعة. إذا استبعد الطبيب أي مرض عضوي لديه، يُحوله إلى طبيب نفسي.

يطلب الطبيب النفسي التاريخ المرضي كاملاً بجانب إخضاع المريض إلى اختبارات نفسية وجلسات علاجية لمراقبة تصرفاته.

هناك علامات تحذيرية تُمكن الطبيب النفسي من تشخيص المريض بالاضطراب المفتعل:

أعراض الاضطراب المفتعل

١.تهويل المريض لكل أحداث حياته وسيطرة فكرة أنه مظلوم دائمًا.

٢.ظهور كدمات وندبات قديمة وحديثة في جسده.

٣.ظهور الأعراض على المريض عندما يكون بمفرده بدون رقيب على تصرفاته.

٤.تلهف المريض على إجراء الأشعة والتحاليل الطبية، وإلحاحه الدائم على إجراء الجراحة.

٥.عند ترتيب أوراقه للخروج من المستشفى، تشتد عليه أعراض المرض

٦.رفضه التام للجلسات النفسية، وإنكاره لمرضه.

٧. رفض المريض الحوار بين مقدمي الرعاية الطبية وأهله أو أصدقائه أو طبيبه السابق.

٨.تأخر التئام الجروح لديه على الرغم من كتابة الأدوية المناسبة له.

٩.تخبط الأعراض لديه؛ فتارة تتحسن ثم تسوء على غير المتوقع.

علاج الاضطراب المفتعل…المواجهة أم المسايسة؟!

علاج الاضطراب المفتعل

في البداية تجد مقاومة شديدة من المريض تجاه العلاج، لحبه الشعور بالمرض وكسب تعاطف من حوله، لذلك يتجنب الطبيب إصدار أحكام بالموافقة أو الاعتراض على سلوكيات المريض مهما كانت، حتى لا يثير غضب المريض وينفره من العلاج.

على غرار ذلك، يلجأ الطبيب إلى خلق علاقة طيبة بينه وبين المريض، ويعلمه أن هدفه الأساسي هو الحفاظ على صحته وليس لومه.

من أهم طرق العلاج المُتبعة:

١.العلاج النفسي:

أو ما يُعرف بالعلاج السلوكي المعرفي؛ إذ يحاول الطبيب تغيير تفكير وسلوكيات المريض تجاه الشعور بأنه ضحية من خلال أساليب علمية مع مراعاة المواظبة عليها.

قد يلجأ الطبيب أيضاً إلى مساعدة أفراد عائلة المريض له في الالتزام بخطة العلاج والسلوكيات مع مراعاة نفسية المريض واحتوائه دون اللجوء إلى إعطائه أوامر.

٢.العلاج الدوائي:

يلجأ إليه الطبيب في حالة إصابته بأمراض نفسية أخرى إلى جانب الاضطراب المفتعل، مثل: الاكتئاب والوسواس القهري.

٣.الحجز بالمستشفى:

يكون في الحالات الشديدة، والهدف منه الحفاظ على حياة المريض ومنعه من إيذاء نفسه أو ضحيته.

في النهاية عزيزي القارئ، إذا كنت ترعى مريضا بالاضطراب المفتعل، فعليك مسؤولية كبيرة تجاهه، نظرًا لعدم مشاركته في خطة العلاج نتيجة لإنكاره لمرضه، فيكون الحمل مُضاعفا عليك.

لذلك عليك إقناعه بكلٍ من:

١.الالتزام مع طبيب واحد يفهم حالته جيدًا بدلًا من التنقل من طبيب إلى آخر؛ مما يؤخر من تحسن حالته.

٢.خطورة ما يمر به من أعراض، وأنها قد تؤدي إلى بتر جزء من جسده أو وفاته، لكن بطريقة لطيفة حتى لا ينفر.

٣.الدخول في صداقات جديدة تشجعه على ممارسة هواياته، ومشاركة لحظاته السعيدة معهم.

المصدر
Factitious disorderAn Overview of Factitious DisordersFactitious Disorders
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق