ترياق الأمراض النفسية

الاكتئاب الشديد | كيف تقهر الكلب الأسود!

«أتلفتُ حولي، فلا أرى شيئًا!

غربت الشمس، واختفى القمر هذه الليلة…

لا أحد هنا، جميعهم رحلوا، وتركوني وحدي…

أو أنا من رحلتُ عنهم!… لا يهم، المهم أنني وحدي، وأنا أحب الوحدة…

لا، بل إنني أكره الوحدة وأشعر بالاكتئاب الشديد!

فقط أتمنى لو ظهروا من اللامكان حالًا وأحاطوني ببعض الدفء…

ألمحُ ظلًّا يتحرك من بعيد، هل يا تُرى تتحقق أمنيتي؟!

وعلى ضوء النجوم الخافت يقترب الظل شيئًا فشيئًا، ويزداد وضوحًا…

هذا ليس بإنسي، إنه كلب أسود ضخم يتجهز ليجهز عليَّ…

يا للهول!

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

أركض من مكان إلى آخر لكن لا ملجأ، ويقترب الكلب الأسود أكثر فأكثر!…»

ما معنى الاكتئاب الشديد؟

اضطراب عقلي يتسم بمرور أسبوعين -في الأقل- من انخفاض الثقة بالنفس، وفقدان الشغف بالحياة، ووجود ألم مبهم دون سببٍ واضح.

يصيب الاكتئاب الشديد النساء ضِعف ما يصيب الرجال، وغالبًا ما تبدأ الإصابة في الظهور في مرحلة العشرينيات أو الثلاثينيات من العمر.

ويصيب أكثر من مائة ثلاثة وستين (163) مليونًا من البشر حول العالم، ويزداد عدد المشخَّصين بالاكتئاب في الدول المتقدمة عن النامية.

وباختصار، يمكننا تعريف الاكتئاب الشديد بأنه حالة شديدة وعميقة من الحزن.

الأسباب والعوامل المؤثرة

السبب الحقيقي وراء ظهور أعراض الاكتئاب غير معروف، ولكن العديد من النظريات حاول تفسير هذه التغيرات…

إحدى هذه النظريات تفترض أن انخفاض نشاط النواقل الكيميائية في المخ يتسبب في هذه الأعراض، بينما تفترض نظرية أخرى حدوث خلل بنظام المناعة مما يؤدي إلى ظهور أعراض شبيهة بالمرض.

ولكن توجد عدة عوامل مؤثرة في إصابة الفرد بالاكتئاب، وتزيد من احتمالية إصابته بها، مثل:

1. العوامل الوراثية

تمثل الجينات الوراثية أربعين في المائة من العوامل التي تزيد من احتمالية إصابة الشخص بالاكتئاب، هذا مع أن طبيعة الجين المسؤول عن الإصابة بالاكتئاب لا يزال مبهمًا.

2. عوامل بيئية

لم تهمل الدراسات بحث تأثير العوامل البيئية في الإصابة بالاكتئاب بجانب العوامل الوراثية، بل إن بعض الدلائل أفادت أن وجود الجينات وحدها لا يكفي لظهور الاكتئاب الشديد دون وجود عوامل بيئية تحفز ظهوره.

وطبيعة العوامل البيئية تختلف اختلافًا شاسعًا من بيئة لأخرى ومن فردٍ لآخر، ومن أمثلتها:

  • فقدان شخص عزيز.
  • فقدان العمل.
  • التعرض لضغط العمل المستمر.
  • الانفصال عن شريك الحياة.
  • الولادة (تصاب واحدة من كل عشر نساء باكتئاب ما بعد الولادة).
  • التعرض للإساءات في فترة الطفولة.
  • التعرض لاعتداء جنسي.
  • تعاطي المخدرات.
  • التعرض للصدمات النفسية خاصة في أثناء الطفولة.

3. مشكلات صحية  

قد يصاب المرء بالاكتئاب كعرض جانبي لإصابته بمرضٍ آخر (نفسي أو جسدي)، خاصة الأمراض المزمنة.

تؤثر المشكلات الصحية في حياة المرء، مما يؤدي إلى شعوره بالعجز وقلة الحيلة، ومن ثم تزداد احتمالية إصابته بالاكتئاب.

أو قد ينتج الاكتئاب عن تداخل أسباب المرض وتأثيراته في الجسم، كما يحدث في مرض الربو.

أو قد تتسبب الأدوية المستخدمة في علاج بعض الأمراض في الإصابة بالاكتئاب، مثل: أدوية القلب وحبوب منع الحمل.

أعراض الاكتئاب الشديد

تمنع أعراض الاكتئاب الشخص المصاب من مواصلة حياته اليومية طبيعيًّا، وتؤثر في أدائه لعمله أو تحصيله الدراسي، وتؤثر أيضًا في علاقاته بالمقربين منه، ومن تلك الأعراض:

  • المشاعر الجياشة السلبية كالحزن، وفقدان الأمل، والخواء العاطفي.
  • سرعة التهيج العصبي تجاه الأمور اليسيرة.
  • فقدان الاهتمام بالأشياء التي كانت مفضلة في السابق.
  • الافتقار إلى المتعة الناتجة عن ممارسة الأشياء المحببة كالهوايات.
  • الإرهاق المستمر والشعور بالتعب من أقل مجهود.
  • اضطراب النوم والأرق.
  • فقدان الشهية أو زيادتها بشراهة.
  • اضطراب النشاط الذهني من تركيز وقدرة على التفكير المنطقي واتخاذ القرارات.
  • جلد الذات والشعور بالفشل وفقدان المعنى من الحياة.
  • أفكار انتحارية والإقدام على محاولات انتحارية.
  • آلام جسدية واضطراب الجهاز الهضمي دون وجود أسباب عضوية.

أعراض الاكتئاب الشديد عند المسنين

كثير من المسنين المصابين لا يُشخص مرضهم؛ بسبب تشابه أعراض الاكتئاب الشديد مع الظواهر الفسيولوجية الطبيعية التي تحدث مع تقدم العمر (أعراض الشيخوخة)، مثل:

  • اضطرابات الذاكرة.
  • الآلام الجسدية.
  • الإرهاق المستمر وفقدان الشهية.
  • تفضيل المكوث في المنزل عن الخروج في الهواء الطلق.
  • أفكار وميول انتحارية.

المضاعفات

ترك الاكتئاب الشديد المزمن دون علاج لا يؤدي إلَّا إلى تفاقمه، ومن المضاعفات التي قد تحدث:

  • العزلة الاجتماعية.
  • الإصابة باضطرابات نفسية كنوبات الهلع، والفوبيا الاجتماعية.
  • كثرة النزاعات العائلية مع العجز عن احتوائها والفشل في التصرف فيها بتروٍ وهدوء.
  • زيادة الوزن وما يترتب عليه من مخاطر صحية كالإصابة بمرض السكري.
  • إيذاء النفس بأدوات أو آلات حادة.
  • الإقدام على الانتحار.

الاكتئاب الشديد والقلب

إن كنت تتساءل عن العلاقة بينهما، فيؤسفني إخبارك أن الإصابة بالاكتئاب الشديد بالتزامن مع الإصابة بالأزمات القلبية يطيل مدة التعافي ويؤخر الشفاء.

والمصابون بالاكتئاب أكثر عرضة عن غيرهم للإصابة بأمراض القلب أو بجلطة قلبية.

فلا تستهن بالاكتئاب أبدًا!

الاضطرابات المصاحبة

قد يصيب الاكتئاب الشديد والوسواس القهري المريض في آنٍ واحد، أو يصاحب الاكتئاب أحد الاضطرابات الذهنية الأخرى، مثل:

  • القلق المرضي (يُعد الأكثر شيوعًا، إذ يعاني منه نصف المصابين بالاكتئاب).
  • الإدمان (اقرأ المزيد عن علاقة الإدمان بالاكتئاب).
  • اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة.
  • اضطراب ما بعد الصدمة (نادرًا ما يحدث دون اكتئاب شديد).
  • الألم المزمن (على الرغم من أن الألم لا يُعد اضطرابًا، لكن عادة ما يصاحبه اكتئاب).

التشخيص

تشخيص الاكتئاب يقع على عاتق المتخصصين فقط، إذ لا يوجد اختبار معملي أو أشعة تثبت الإصابة بالاكتئاب أو تنفيها.

ويعتمد التشخيص على تاريخ المريض، والأعراض الحالية التي يشتكي منها، وحالته المزاجية والعقلية.

وكثيرًا ما يُغفل عن تشخيص الاكتئاب، خاصة في المناطق النائية التي لا يوجد بها متخصصون نفسيون، أو تفتقر إلى الوعي الكافي بالمشكلات النفسية والعقلية.

علاج الاكتئاب الشديد

يعالج الاكتئاب -غالبًا- بالعلاج النفسي والأدوية مع بعض التغييرات الحياتية، لكن في الحالات الخطرة أو عند زيادة احتمالية إقدام المريض على الانتحار يُحتجز المريض في المشفى لتقديم الرعاية اللازمة له.

العلاج النفسي

يتقابل المريض مع معالج نفسي عدة مرات أسبوعيًا طوال مدة العلاج.

يساعد المعالج المريض على تجاوز الأزمة التي يمر بها، واستبدال مشاعره السلبية بأخرى إيجابية، وكذلك يساعده على تعلم كيفية مواجهة الأزمات لتجنب الانتكاسات.

وقد يقترح المعالج النفسي أنواعًا أخرى من العلاج، مثل: العلاج المعرفي السلوكي، أو الانضمام إلى إحدى مجموعات الدعم.

العلاج الدوائي

توجد العديد من مضادات الاكتئاب، وأشهرها مجموعة مثبطات إعادة امتصاص السيروتونين الانتقائية (SSRIs).

تعمل مجموعة (SSRIs) على منع عملية تكسير السيروتونين في الدماغ، مما يسمح له بالبقاء مدة أطول بين خلايا الدماغ.

يعمل السيروتونين ناقلًا كيميائيًّا، وبقاؤه مدة أطول بين خلايا المخ يساعد على تحسين المزاج وتنظيم النوم.

وتوجد أدوية أخرى لعلاج الاكتئاب، مثل:

  • مضادات الاكتئاب ثلاثية الحلقات (Tricyclic Antidepressants).
  • مثبطات إعادة امتصاص السيروتونين والنورأدرينالين (SNRIs).
  • مثبطات إنزيم المونو أمين أوكسيديز (MAOIs).

تغييرات حياتية

تغيير العادات اليومية إلى الأفضل لا يساعدك على علاج الاكتئاب أو الوقاية منه فحسب، بل يساعدك أيضًا على الحصول على حياة يومية رائعة.

ومن أهم العادات الصحية:

  1. طعام صحي متوازن.
  2. الابتعاد عن الأطعمة المعدلة وراثيًّا والوجبات السريعة.
  3. تجنب التدخين وشرب الكحوليات.
  4. ممارسة الرياضة.
  5. الحصول على قسطٍ كافٍ من النوم يوميًا.

قد يبدو الاكتئاب كلبًا أسود يستعد لاقتناص الفرصة والإجهاز عليك بينما تكون وحدك بلا ونيس…

 لكن الخبر السار أن بإمكانك مواجهة الاكتئاب، والتغلب عليه، والعودة إلى حياتك من جديد…

فالمقربون منك يتحرقون شوقًا إلى قضاء الوقت الممتع من جديد…

ولا يزال في هذا العالم العديد من الأشياء الرائعة بانتظارك لتنجزها!

فلا تتردد أبدًا في طلب المساعدة التي تستحقها…

وحين يقترب منك الكلب الأسود مجددًا…

ضم قبضة يدك…

واضربه بكل قوتك!

المصدر
DepressionThe Oxford Handbook of Depression and Comorbidity
اظهر المزيد

Hamas AbdelGhaffar

أهلًا بك، اسمي حماس وأدرس الطب البشري.. يتغير العالم بي وبك، بتلك الخطوات الصغيرة التي نبنيها معًا، فإن قرأت يومًا سطرًا لي وأضاف إليك، فهذا تمامًا ما أسعى إليه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى