مفاهيم ومدارك

الامتثال الاجتماعي – Conformity | لا تَكُنْ إمَّعة !

– إنه كتاب جيد؛ لقد أعجبني واستمتعت بقراءته.

= نعم بالفعل، إنه من أفضل الكتب التي قرأتها.

هذا ما أخبرت أصدقائي به، ولكني لم أستمتع بالكتاب؛ لقد كان مملًا حقًا، ولكنني غيرت رأيي ليوافق رأي الأغلبية.

لقد كنت أعرف الإجابة الصحيحة، ولكن مجموعتي الدراسية اتفقت على إجابة أخرى، ووجدتُني أكتب مثلهم الإجابة الخاطئة في ورقة الامتحان. 

فلماذا أحاول جاهدًا أن أكون مثل الآخرين؟!

هذا ما يُعرَف بـالامتثال في علم النفس الاجتماعي. سنتحدث في السطور القادمة عن الامتثال الاجتماعي، وهل يختلف عن النفوذ الاجتماعي أم لا، كما سنتعرف على تجربة سولومون آش؛ فتابع معنا هذا المقال.

ما هو الامتثال في علم النفس الاجتماعي؟

يُعَدُّ الامتثال أحد صور التأثير الاجتماعي أو النفوذ الاجتماعي، إذ يستجيب الفرد لسلوك مجموعة من الأشخاص.

يُعرَف الامتثال الاجتماعي بأنه تغيير الفرد لسلوكه وآرائه وقناعاته الشخصية ليوافق رأي الآخرين؛ رغبة منه في الانسجام معهم.

قد ينتج الامتثال الاجتماعي عن ضغط اجتماعي بشكل صريح، أو عن تأثيرات خفية في اللاوعي.

يمكن تعريفه أيضًا بأنه الخضوع لضغط المجموعة، وهو ما قد نفعله في بعض الأحيان، مثل ذهابك مع أصدقائك لمشاهدة فيلم في السينما، ورغم أنه لم يعجبك مطلقًا، فقد تظاهرت أنه يعجبك مثل أصدقائك، حتى لا تصبح غريبًا بينهم.

قد يتخذ ضغط المجموعة أشكالًا كثيرة، مثل: التنمر، أو الإقناع، أو الانتقاد، أو السخرية.

اقرأ أيضا: ضغط الأقران – Peer pressure.

لماذا نميل إلى الامتثال الاجتماعي؟

بقدر رغبتنا في أن نرى أنفسنا كأشخاص مميَّزين، إلا أننا في الواقع نميل إلى التوافق مع الآخرين؛ فنجد أنفسنا نحاكي الآخرين في تصرفاتهم وسلوكهم.

قد يوفر الامتثال الاجتماعي (Conformity) شعورًا بالانتماء، كما قد يشجع البعض على الالتزام بالمعايير الأخلاقية.

ولكنه أيضًا قد يُظهِر أسوأ ما في الفرد من دوافع شريرة عندما ينخرط مع مجموعة سيئة تشجعه على ارتكاب الفظائع، وتبررها له.

قد يميل البعض إلى الامتثال الاجتماعي حتى لا يظهر بمظهر الأحمق عندما لا يكون واثقًا من صحة رأيه، إذ يتفق الجميع على رأي واحد، بينما يخالفهم الرأي. 

أسباب الامتثال في علم النفس الاجتماعي

في عام 1955، حدد (دويتش) و(جيرارد) سببين أساسيين للامتثال الاجتماعي، وهما:

  • التأثير الاجتماعي المعلوماتي

ينشأ هذا التأثير الاجتماعي عندما يغيِّر الإنسان سلوكه ليكون على صواب. وهنا، يمتثل الأفراد الأقل علمًا ودراية إلى مَنْ هم أكثر علمًا.

أسباب الامتثال في علم النفس الاجتماعي

مثال لذلك: قد تمتثل لآراء زميلك المتفوق دراسيًا في المدرسة، لظنك أنه أذكى من الجميع.

  • التأثير الاجتماعي المعياري

ينشأ هذا التأثير رغبة في تفادي العقوبات، أو إثارة الإعجاب ونيل المكافآت.

مثال لذلك:

  • اتباعك للقواعد التي وضعها المعلم في الفصل على الرغم من عدم موافقتك لها.
  • التصرف بطريقة معينة لتنال إعجاب الآخرين.

أنواع الامتثال الاجتماعي (Conformity)

في عام 1958، حدد (كلمان) ثلاثة أنواع من الامتثال في علم النفس الاجتماعي، وهي:

أنواع الامتثال الاجتماعي
  • الإذعان “قبول المجموعة”

يحدث هذا النوع عندما يستجيب الإنسان إلى التأثير الاجتماعي لمجموعة ما، لرغبته في تحقيق رد فعل إيجابي لدى هذه المجموعة.

أي أن الفرد هنا يمتثل للمجموعة علنًا، ولكنه يخالفها سرًا، وهذا ما فسرته تجربة آش للامتثال.

تُعَدُّ الاستجابة إلى النفوذ الاجتماعي هنا مؤقتة، إذ يتوقف الامتثال عندما يغيب ضغط المجموعة. 

  • الاستيعاب “القبول الحقيقي لمعايير المجموعة”

وهنا، يستجيب الفرد لهذا التأثير الاجتماعي لأنه يوافق قناعاته وقيمه الخاصة.

قد يتطلع الكثير مِنَّا إلى مَنْ هم أكثر مِنَّا علمًا وخبرة، لنتعلم منهم وننهل من خبرتهم.

ويمتثل الفرد هنا للمجموعة سرًا وعلنًا، إذ يغيِّر سلوكه علنًا ليتوافق مع سلوك المجموعة، ويوافقها أيضًا في قناعاته الداخلية.

ويكون -هنا التغيير- في السلوك دائمًا، ولذا يُعَدُّ الاستيعاب أعمق أنواع الامتثال الاجتماعي.

يحدث ذلك عادة عندما تكون المجموعة “الأغلبية” على قدرٍ عالٍ من العلم والمعرفة، بعكس الفرد “الأقلية” الذي لا يستطيع مجاراتها.

  • الهوية “جزء من المجموعة”

يحدث هذا النوع عندما يستجيب الفرد للتأثير الاجتماعي، لرغبته في إنشاء علاقة محددة ومُرضِية له -على الصعيد الشخصي- مع مجموعة أخرى.

وهنا، يرى نفسه كفرد من المجموعة، ويبدأ في تغيير سلوكه ليتماشى مع سلوكهم.

وفي عام 1969، أُضِيف نوع رابع، وهو:

  • التزلُّف

يمتثل الفرد للآخرين من خلال إثارة إعجابهم، وذلك لتقبله المجموعة.

لا يشعر الفرد -هنا- بالتهديد أو يخشى الشعور بالحرج؛ إنما تحركه الرغبة في الحصول على المكافآت.

أي أنه لا يخضع لأي ضغوط من هذه المجموعة.

تجربة سولومون آش

تُعَدُّ تجربة آش للامتثال من أشهر التجارب التي أُجرِيَت لتوضح كيف يغيِّر الامتثال الاجتماعي سلوك الفرد.

تعتمد تجربة سولومون آش على بطاقتين؛ واحدة بها ثلاثة خطوط مختلفة الطول، والأخرى بها خط واحد يطابق أحد الخطوط في البطاقة الأخرى.

وطلب سولومون آش من المشاركين في التجربة اختيار الخط المطابق للخط في البطاقة الثانية، وكانت النتيجة كالآتي:

  • عندما سُئِل المشاركون بشكل فردي، كانت الإجابات كلها صحيحة.
  • عندما سُئِل المشاركون في مجموعة تتضمن عددًا من المشتركين في التجربة -الذين أجابوا بطريقة خاطئة عن عمد “جزء من التجربة”- أجاب ما يقرب من 75% من المشاركين إجابة خاطئة امتثالًا للمجموعة. 

الامتثال الاجتماعي جيد أم سيئ؟

لا يمكننا وصف الامتثال الاجتماعي بأنه جيد أو سيئ فقط.

لو حدث التأثير الاجتماعي بسبب الخوف، أو القلق على المكانة الاجتماعية، أو كانت الاستجابة لسلوك سيء وله عواقب خطيرة، فإن الامتثال الاجتماعي هنا سيئ.

بينما يمكننا وصف الامتثال الاجتماعي بأنه إيجابي عندما:

  • يتغير سلوك الفرد للأفضل.
  • يؤدي إلى زيادة الانسجام الاجتماعي على الصعيد الشخصي والمجتمعي.

هل يستجيب الجميع إلى الامتثال الاجتماعي؟

نعم، يستجيب الجميع إلى الامتثال الاجتماعي ولكن بدرجات متفاوتة، إذ يتفاعل كل مِنَّا مع المجتمع الذي ينتمي إليه بطريقته الخاصة.

ويظهر هذا في اتباعنا للمعايير الاجتماعية والأخلاقية التي تظهر في سلوكنا وأفعالنا.

ولذا، على الرغم من سعينا لنكون متميزين، إلا أن الامتثال الاجتماعي هو أحد الحقائق التي لا يمكن إنكارها.

تأثير الامتثال الاجتماعي على السلوك

نتعلم الكثير من المهارات الاجتماعية في صغرنا من خلال مراقبة سلوك الآخرين ومحاكاته.

ومع تقدمنا في العمر، يتزايد النفوذ الاجتماعي الواقع علينا لنتبع المعايير الخاصة بالمجتمع من حولنا، لنكون متوافقين معه. 

كما قد تدفعك رغبتك في الانضمام لمجموعة ما لتكون جزءًا منها؛ فقد تستجيب لضغوط هذه المجموعة، وتتبنى أفكارها وسلوك أفرادها.

فلتتخيل معي الوضع إن كانت هذه المجموعة لها دور فعال في المجتمع، ولها الكثير من الأنشطة الهادفة، كيف سينعكس هذا على سلوكك؟

بالطبع، ستتغير للأفضل.

ولكن ماذا إن كانت هذه المجموعة سيئة الخُلُق، وتمارس التنمر والسخرية وانتقاد الآخرين، والكثير من الأفعال غير المقبولة، تخيل كيف سينعكس هذا على سلوكك؟

لن أخبرك كيف سيكون الأمر، سأدعه لمخيلتك…

ختامًا…

حان الوقت لتسأل نفسك: “هل أتبع الحشد أَمْ أستمر في الطريق الذي حددته لنفسي؟”.

للأسف يا صديقي، لا يمكنني إعطاؤك إجابة محددة؛ فليست هناك قاعدة محددة، وهناك دائمًا استثناءات. 

ولكن إن كان التزامك بمعايير المجموعة -التي تنتمي إليها- قد يساعد في حل مشكلة معينة، أو يساهم في إنجاز كبير؛ فلا تتردد في أن تحذو حذوهم.

ولكن لا تكن إمعة، إن أحسن الناس أحسنت وإن أساؤوا أسأت!

المصدر
What is Conformity?How Does Conformity Influence Behavior?ConformityThe Asch Conformity Experiments
اظهر المزيد

د. أمل فوزي

أمل فوزي، صيدلانية، أعمل في الهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية. أعشق الكتابة، وأجيد البحث، أستمتع بكتابة المقالات الطبية بأسلوب سلس وبسيط، هدفي الارتقاء بمستوى المحتوى الطبي العربي، ونشر العلم من مصادره الموثوقة لينتفع به القارئ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق