ترياق الأمراض النفسية

الانتحار بالتقليد | انتبهوا.. القدر لا يمهلنا أحيانًا!

جلسَت مطأطئة الرأس، ودموعها لا تكاد تتوقف!
عيناها شاردتان، كأنهما رحلتا إلى مكان بعيد!
باغتتني قائلةً: «كان حزينًا محبَطًا منذ بدأ يتابع مسلسلًا تليفزيونيًا يحكي قصة انتحار فتاة، لكني لم أنتبه… إنه خطئي!»
إنه الانتحار بالتقليد… أجل!

اجتاحت المشاعر قلبي، وتساءلت والغصة في حلقي: كيف لأم أن تتحمل ذلك الألم الذي يعتصر قلبها، وقد فقدت وحيدها فجأة؟!

تعال معي -عزيزي القارئ- في رحلة قصيرة، نستكشف حقيقة الانتحار بالتقليد؛ لعلنا ننقذ أسرةً من تلك الفاجعة قبل حدوثها!

تأثير فيرتر.. اسم له حكاية! 

وجدتني أفكر في هذا الاسم، وما سببه من انتشار ظاهرة الانتحار بالتقليد بين شباب في عمر الزهور!

(فيرتر)، ذلك الشاب الرقيق بطل رواية “آلام فيرتر” للكاتب الألماني العظيم (جوته)، التي نشرت عام ١٩٧٤.

في تلك الرواية، وقع (فيرتر) في غرام امرأة، لكنها تزوجت غيره، فأصابه اليأس وشعر بالعجز عن الحياة، فقرر إنهاء حياته. 

جلس (فيرتر) على مكتبه وأمامه كتاب مفتوح، وأطلق الرَّصاص على رأسه، في تمام الساعة الحادية عشرة مساءً!

القصة لم تنتهِ عند هذا الحد!

ما حدث بعد ذلك أذهل الجميع…

في الأعوام التالية لصدور تلك الرواية، شهدت دولًا كثيرة حالات انتحارٍ عديدةٍ، أطلق شباب النار على أنفسهم بطريقة (فيرتر) نفسها. 

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

لقد قلدوه في كل شيء، مما دفع دولًا إلى حظر تداول تلك الرواية.

دور الإعلام في المجتمع.. تأثير باباجينو!

برهنت الدراسات على وجود علاقةٍ قويةٍ بين حالات انتحار المشاهير -التي تشهد تغطيةً إعلاميةً كبيرة- وزيادة حالات الانتحار في المجتمع. 

إنها ظاهرة “الانتحار بالتقليد”!

وقد أوصت تلك الدراسات بعدم الإفراط في تداول أخبار حالات الانتحار، والتوعية الدائمة بوجود مراكز نفسية متخصصة للتعامل مع أصحاب التفكير الانتحاري.

أطلق علماء الاجتماع على الأثر الإيجابي الذي تؤديه وسائل الإعلام تجاه من هم أكثر عرضة للانتحار “تأثير باباجينو”. 

يعزى الاسم إلى شخصيَّة المهرج (باباجينو) التي ظهرت في “أوبرا الناي السحري” التي عرضت في القرن الثامن عشر. 

لقد أوشك (باباجينو) على الانتحار لولا أنْ أثناه عن ذلك ثلاثة أطفال من شخصيات الأوبرا، طارحين عليه عدَّة بدائل.

أسباب التفكير بالانتحار

الانتحار كلمة قاسية على النفس، مدمية للقلب. تُرى، ما الذي يدفع شخصًا إلى إنهاء حياته بسهولة؟!

ما الذي يمكن أن يكون دائرًا في رأسه لحظة إنهائه حياته؟! 

ولماذا يستعجل النهاية؟!

يوجد أسباب متنوعة تدفع إلى التفكير في الانتحار، وتختلف من فئة عمرية إلى أخرى.

أولًا: الكبار

تحيطهم دومًا ضغوط العيش وكسب الرزق أو المخاوف من المرض، مثل:

  • ضغوط العمل الشديدة.
  • الإصابة بأحد الأمراض الخطرة.
  • تغير مفاجئ في نظام الحياة.
  • الشعور بالفشل.
  • اكتئاب ما بعد الولادة -في حالاته الشديدة.

ثانيًا: الشباب

نجد لديهم منغصات أخرى:

  • الشباب أكثر عرضة للضغط الدراسي بسبب آبائهم الذين يشعرونهم بعدم قدرتهم على تحقيق آمالهم، فيدخلون في حالات نفسية شديدة.
  • الشباب معرضون للتنمر بسبب مظهرهم أو وزنهم، وقد يدفع ذلك بعضهم إلى التفكير بالانتحار.
  • وكذلك أكثر الناس تأثرًا بوسائل التواصل الاجتماعي، لذا نجدهم أكثر عرضة للانتحار بالتقليد.

ثالثًا: الأطفال

لا تستعجب؛ فقد يفكر الأطفال في الانتحار عند تعرضهم لصدمات كبيرة، مثل:

  • التعرض لفقد أحد أفراد العائلة.
  • التعرض للتحرش أو الاعتداء الجنسي.
  • الإصابة بأمراض نفسية، مثل: الاكتئاب.
  • التعرض للتنمر.
  • الانتحار بالتقليد، بمحاكاتهم مشاهد الانتحار التي يشاهدونها في الكرتون أو المسلسلات.

السلوك الانتحاري

كل عام يضع ما يقارب ثمانمائة شخصٍ نهايةً لحياتهم، بمعدل حالة انتحار كل أربعين ثانية! 

وفي عام 2016، سُجل الانتحار ثاني أهم سبب للوفاة عالميًّا، بين من تتراوح أعمارهم بين خمس عشرة وتسع وعشرين سنة.

لكن، ما تفسير هذا السلوك؟!

نجد صاحب هذا السلوك يحاول تدمير حياته للتهرب من ظروف مؤلمة؛ فإما أن تراوده أفكار انتحارية بين الحين والآخر، وإما أن يحاول الانتحار لكنه يفشل، وإما أن تنجح محاولاته وتزهق روحه. 

أَترى ذلك السلوك منطقيًا؟!

أَسمعُ ردك: كلا!

هل من رابط بين الأمراض النفسية والانتحار؟

نعم، يوجد رابط قوي؛ إذ أثبتت الدراسات أن خمسة وتسعين بالمائة من الأشخاص الذين انتحروا كانوا يعانون أمراضًا نفسية. 

تعالَ معي نوضح بعض الأمراض النفسية المرتبطة بالانتحار، والأعراض المصاحبة لها:

الاكتئاب

هو اضطراب مزاجي يؤدي إلى الشعور بالحزن الشديد واليأس والغضب وفقدان الأمل، ويمنع الإنسان من ممارسة أنشطته اليومية طبيعيًّا. 

الفصام

اضطراب نفسي مزمن يعاني فيه المصاب تشوش الفكر، وقد تصاحبه الهلاوس والأوهام.

الاضطراب ثنائي القطب

خلل بالمخ يسبب تغيرات غير طبيعية بالحالة المزاجية، إذ يعاني المريض تحولات نفسية تتذبذب بين الإثارة الشديدة والاكتئاب.

يتضح مما سبق أن المريض النفسي صيد سهل للانتحار وأفكاره، وأنه في أمس الحاجة إلى الدعم النفسي من المحيطين به.

لا للانتحار!

فلنرفع بها أصواتنا جميعًا، كل في مكانه، ونجعلها شعارًا يجوب الأرجاء:

“لا للانتحار!” 

دموع أم انهمرت، مات قلبها حين فقدت فلذة كبدها…

“لا للانتحار!” 

صرخة أرملة ثكلى أفقدتها ضغوط الحياة أنيسها ورفيق دربها…

“لا للانتحار!” 

صرخة كل إنسان فقد عزيزًا دون سابق إنذار…

صيحة تستلزم العمل السريع، لعلنا نسهم في إنقاذ حياة فرد يقف على حافة الهاوية!

عزيزي القارئ… 

بعد ما سردناه في مقالنا اليوم، أهمس في أذنيك أن ادعم من حولك؛ تحدث إليهم، دعهم يفتحون قلوبهم، خذ بأيديهم إلى المختصين إن لاحظت عليهم اضطرابات واضحة.

إنها ثوانٍ معدودة تفصل بين الموت والحياة، ولربما تكون أنت طوق النجاة!

بقلم د/ وئام البنا

المصدر
What You Should Know About SuicideHow to Safely and Constructively Hold Conversations About Suicide OnlineII.4THE CONTAGION OF SUICIDAL BEHAVIORSuicide and suicidal thoughts
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى