مفاهيم ومدارك

الانتكاسة النفسية | عندما تعود إلى نقطة الصفر!

لم يكن أحد في بيتنا يعلم أعراض الانتكاسة النفسية التي أصابت أخي وصديق طفولتي!

كل ما أتذكره أنه أصيب ذات مرة باكتئاب شديد بعد وفاة أمي العزيزة، ثم بدأ يتعالج عند طبيب نفسي.

أخذت الأعراض بالاختفاء شيئًا فشيئًا…

لكن -فجأةً- عاد أخي لمزاجه المتعكر، وعزلته الموحشة، ونومه المضطرب، وآلامه الجسدية غير المبررة!

وفي جلسة المراجعة التالية، أخبره الطبيب أنه قد تعرض لانتكاسة نفسية…

مرحبًا بك -عزيزي القارئ- مرة أخرى في ترياق جديد، وحديث اليوم يدور عن الانتكاسة النفسية وأسبابها وأعراضها وعلاجها.

لا تذهب بعيدًا، رحلتنا أوشكت على الانطلاق!

ما هي الانتكاسة النفسية؟

يعاني كثيرٌ من الناس حول العالم الأمراض النفسية المختلفة، مثل: الاكتئاب وانفصام الشخصية، ويخضع غالبيتهم -أصحاب الأعراض الظاهرة- إلى العلاج تحت إشراف أطباء نفسيين مختصين.

يمر هؤلاء المرضى في أثناء فترة علاجهم بفترات جيدة تختفي بها الأعراض ويشعرون بتحسن كبير، ويأملون في العودة تدريجيًا إلى حياتهم الاعتيادية وممارسة أشغالهم اليومية.

لكن ربما يعانون فترات سيئة تعود فيها الأعراض بقوة وتهاجم جسد المريض مرة أخرى، وهنا تسمى فترة الانتكاسة

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

وقد يحتاج المريض لقضاء هذه الفترة في المشفى؛ حتى لا يصاب بآثار مرضية خطيرة.

يُعد التوقف عن تناول الأدوية أحد أشهر الأسباب للإصابة بالانتكاسات، ومع ذلك، فهذا لا يعني أن الشخص الملتزم بأدويته لا يُصاب بتاتًا بها!

ينبغي التنويه أن أعراض الانتكاسة تختلف حسب الاضطرابات النفسية، إضافة إلى الاختلاف في حدتها بين مريض وآخر.

أعراض الانتكاسة النفسية

تحدث بعض الانتكاسات النفسية سريعًا، ولكن -غالبًا- ما تتدرج في ظهورها على مدى بعيد.

إضافة إلى ذلك، قد تكون بعض الأعراض باهتة أي يصعب رؤيتها وتشخيصها، والبعض الآخر واضحة.

وحتى نتجنب الوقوع في أزمات نفسية وتبعات خطيرة، ينبغي لنا أن نعرف أعراض الانتكاسة النفسية حتى نتداركها ونطلب المساعدة الطبية العاجلة في الوقت المناسب، وهي:

  • اضطرابات في النوم، مثل: النوم مدة طويلة أو الأرق.
  • الشعور بالتوتر، وبداية صراعات نفسية داخلية.
  • الانعزال الاجتماعي، ومن أهم صوره: عدم مشاركة العائلة في النشاطات التي كان -سابقًا- يشارك بها، وتغيبه عن عمله أو جامعته أو مدرسته.
  • إهمال النظافة الشخصية وعدم الاهتمام بالذات.
  • ربما يصاب الشخص بجنون العظمة.
  • الهلوسة وسماع أصوات غريبة.
  • الحديث بكلمات متناقضة أو غير مفهومة.
  • المعتقدات والأوهام الخاطئة.
  • التهور وارتكاب سلوكات غير حميدة، مثل: التدخين وشرب الكحوليات.

وينبغي الإشارة أنه كلما أسرعنا باكتشاف هذه العلامات، كانت القابلية للعلاج أسرع والخروج من الأزمة أو الانتكاسة أقل ضررًا.

وربما يدفعنا الحديث عن أعراض الانتكاسة النفسية إلى أسباب حدوثها وطريقة علاجها، تابع معنا لتعرف أكثر.

أسباب الانتكاسة وعلاجها

إذا تمعنا النظر في الحديث عن أشهر الأسباب المؤدية للانتكاسة النفسية، نجدها كالآتي:

  1. الامتناع عن بعض الأدوية أو تناول أخرى:

يؤدي الامتناع عن تناول بعض الأدوية التي يصفها الطبيب النفسي للمريض دورًا رئيسًا في الإصابة بانتكاسات نفسية؛ إذ تؤثر بشكل مباشر في حالته النفسية.

إضافة إلى السبب السابق، فإن تناول بعض الأدوية يمكن أن تسبب بشكل رئيسي حدوث انتكاسة نفسية للشخص!

ولهذا يجب على المُصاب بأي مرض نفسي وما زال يخضع للعلاج إخبار طبيبه النفسي إذا حدث أي تغير في أدويته؛ حتى يطمئن على عدم تسبب الأدوية الجديدة في حدوث انتكاسة أخرى.

  1. إدمان الكحول والمخدرات:

يسبب إدمان الكحول والمخدرات إصابة الشخص بتبعات نفسية خطيرة، ومن أشهرها: الاكتئــــاب.

وربما يسبب دخول الشخص في حالة من الاكتئاب إلى انتكاسة علاجية، تتبعها أزمات نفسية أو جسدية متتابعة.

  1. الضغط النفسي:

ينبغي للشخص الذي يخضع للعلاج النفسي الابتعاد عن أي مؤثر خارجي من شأنه التأثير سلبًا في علاجه.

إذ قد يخضع البعض لضغوط نفسية حياتية، مثل: الزواج أو الطلاق أو فقدان وظيفة ما، فتؤثر بشكل مباشر في حالته النفسية.

  1. المنازعات في العلاقات الزوجية:

يحلم أي إنسان في هذه الحياة بحياة زوجية سعيدة بعيدة عن المشكلات، ولكن أغلب العلاقات الزوجية تتخللها مشكلات عديدة وصراعات متكررة، والتي من شأنها أن تسبب انتكاسة نفسية!

  1. الموت:

يُعد الموت -كذلك- من أشهر الأسباب التي تسبب انتكاسات نفسية؛ إذ إن فقدان الأحبة مرير، يوجع القلوب ويؤلم النفس، ومن شأنه التسبب باكتئاب حاد ثم انتكاسة نفسية.

تتعدد أسباب الانتكاسات النفسية، ولا تقتصر على ما ذُكر فقط، فأي تحدٍ كبير في حياة الشخص يعد مهددًا حقيقيًا لصحة الإنسان النفسية؛ إذ يصبح محور تفكيره، ويصب عليه جل تركيزه، ويستهلك الكثير من الطاقة البشرية في مواجهته، وإذا لم يقابَل بصلابة وثقة بالنفس وتعامل بهدوء، فقد يسبب انتكاسة نفسية بشكل سريع!

وهنا ننتقل للحديث عن علاج الانتكاسة النفسية وكيف تُواجه بالطريقة الأمثل…

علاج الانتكاسة النفسية

يخضع الأشخاص الذين يتعرضون لانتكاسة نفسية إلى العلاج لدى طبيب نفسي مختص، ويكون العلاج على شكل خطوات يتبعها الطبيب كالآتي:

  1. تقرير الأعراض الظاهرة وتحديد المميز منها (حسب وجهة نظر الطبيب):

يعلم الطبيب -سابقًا- بأعراض الانتكاسة النفسية لكل مرض على حدة، ومن هنا يمكن أن يحدد التغيرات الخاصة بالأفكار والسلوك وحالة المريض العاطفية من خلال عدة أسئلة، مثل:

  • الأعراض التي تصاحبك أكثر شدة من الطبيعية؟
  • هل يوجد أي تغير مفاجئ على عادتك الطبيعية في النوم؟
  • تشعر بالإحباط وفقدان الشغف في ممارسة الأنشطة التي اعتدت عليها؟

ثم يحدد الطبيب مدى حدة هذه الأعراض ومدى تكرارها خلال مدة زمنية معينة.

  1. التحدث بشكل عميق عن فترة الانتكاسة:

يتحدث الشخص مع الطبيب النفسي بشكل عميق عمّا يشعر في داخله، ويتناقشون كثيرًا في الأعراض الظاهرة على الشخص أو حتى أفكاره الداخلية، ولكن ما الهدف من هذه المناقشة؟

تساعد هذه المناقشة الطبيب النفسي على وضع وإيجاد خطة علاجية دقيقة ومناسبة للشخص؛ بحيث تضمن التحكم بالأعراض قدر الإمكان.

  1. تتبع الأدوية التي يتناولها حاليًا وتركها سابقًا (في أثناء فترة علاجه):

كما شرحنا سابقًا، فتناول بعض الأدوية أو الإقلاع عن أخرى من شأنها التسبب بشكل مباشر في التسبب بانتكاسة نفسية.

  1. جسِّد الموقف وناقش حلوله!

ينبغي للطبيب النفسي مناقشة أي أحداث حياتية يُتوقع أنها سوف تواجه المريض، والتحدث بشكل واسع حول الحلول المتاحة وطريقة التعامل.

  1. المرحلة الأخيرة | التعافي بعد الانتكاسة النفسية:

تُعد مرحلة التعافي تحديًا هامًا جدًا بعد الانتكاسة، إذ تتطلب الصبر والدعم المعنوي والعناية التامة.

وإذا ما واجهت بعض التحديات أو العوائق ذلك الشخص في هذه الفترة الحرجة، يجب عليه استشارة الطبيب المختص سريعًا لتجنب الدخول في متاهة أخرى خطيرة!

وختامًا

يقول أرسطو: “يجب أن نركز جليًا لمشاهدة الضوء وسط هذه العتمة الكاملة.”

هكذا يجب أن نتعامل في علاج الأمراض النفسية المختلفة، إذ ينبغي للشخص التركيز في أثناء فترة علاجه لتجنب الإصابة بالانتكاسة النفسية!

وإذا ما أصيب، فإن التعامل الجيد وتدارك الأعراض قبل تفاقمها تساعد الطبيب والمريض على الخروج من الأزمة بأقل الأضرار الممكنة.

ها نحن نصل -عزيزي القارئ- إلى نهاية مقالنا بالحديث عن الانتكاسة النفسية بتفاصيلها الشاملة، ترقبنا في مقال آخر عبر موقع ترياقي، إلى اللقاء…  

المصدر
What does relapse in mental illness mean?Understanding Mental Health Relapse
اظهر المزيد

Younis Elijla

"أنت دخلت جحيم الطب، ولن تستطيع فعل شيء سوى الدراسة ثم الدراسة ثم الدراسة"، كلمات سمعتها كثيرًا، ولكن لم أؤمن بها في يوم من الأيام، إذ يسعى الإنسان حثيثًا إلى إثبات وجوده وجودته من خلال هوايات أخرى، أنا يونس عبد الحكيم العجلة، طالب في كلية الطب البشري في الجامعة الإسلامية غزة – فلسطين، وكاتب محتوى ومترجم طبي، أطمح دائمًا لنقل علوم المعرفة الطبية من مصادرها الموثوقة وتبسيطها باللغة العربية؛ حتى تُفهم من قبل كافة الناس بشكل سليم، إضافة إلى الرقي بمستوى المحتوى الطبي العربي بطريقة حضارية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى