مفاهيم ومدارك

الانتماء – Belonging

الانتماء…

كلمة واحدة ولكنها تحمل الكثير من المعاني العظيمة، فهي تصف جذورك التي تربطك بالأرض التي وُلدت وعشت تحت سمائها.

ولكن هل يقتصر الأمر فقط على شعورك بالانتماء للوطن؟!

 يتولد لدى الإنسان الشعور بالانتماء تجاه والديه وأهله وأصدقائه وعمله؛ فعلاقة الطفل بأمه هي أول شعور بالانتماء ينمو لديه.

هل هو غريزة فطرية تولد مع الإنسان أم صفة يكتسبها على مر  السنين؟

للإجابة عن هذه الأسئلة، ومعرفة المزيد عن مفهوم الانتماء، وكيف ننمي شعورنا به، وأهمية إحساس الانتماء لدى الإنسان؛ تابع معنا هذا المقال.

ما هو الانتماء – Belonging؟

ارتبط الشعور بالانتماء على مر العصور بالوطن، ولكن مفهوم الانتماء أشمل من ذلك. 

فالانتماء هو الحاجة البشرية لأن تكون مقبولًا كعضو أو جزء من كيان أكبر مثل وطنك أو عائلتك أو أصدقائك أو زملاء عملك أو حتى فريقك الرياضي.

لدى الإنسان دائمًا رغبة متأصلة في الشعور بالانتماء، وأن يكون جزءًا من شيء أكبر. 

وهو ما يدفعه إلى إقامة علاقات قوية ومستقرة مع الآخرين؛ فالحاجة إلى الانتماء هي الحاجة إلى إعطاء الدعم والمودة للآخرين، وتلقيها منهم.

كذلك يوجهك شعورك بالانتماء للعمل إلى الكد فيه، وتشعر وكأنك جزء لا يتجزأ من نجاح المنظومة التي تعمل بها، بل وتشعر بالمسؤولية تجاه ذلك النجاح.

أن تشعر بالانتماء هو رحلة قد تستغرق عمرك كله، ولكن لا تغفل أن لكل شخص اهتماماته واحتياجاته؛ ولهذا لا ينتمي الجميع إلى نفس الكيان.

متى يبدأ شعورك بالانتماء؟

إذا تمعنا النظر، سنجد أن كل جوانب حياتنا تدور حول الانتماء إلى شيء ما؛ فالشعور بالانتماء هو الطريقة التي ننظم بها حياتنا كبشر، فبدونه كنا سنحيا فرادى، ولن يكون لدينا عائلات أو مجتمعات أو حكومات منظمة. 

فهو شعور يولد معنا، وينمو في أثناء رحلتنا في الحياة. 

تعد علاقة الأم بوليدها أول إحساس بالانتماء يشعر به، ثم يكبر ويبدأ انتماءه لعائلته الصغيرة ثم لعائلته الكبيرة.

ثم يكبر قليلًا ويلتحق بالمدرسة، ويبدأ انتماؤه لمدرسته ومعلميه وأصدقائه، ثم يصير شابًا وينتمي لعمله ولوطنه، وهكذا.

قد يعاني العديد من البشر العزلة والوحدة، وقد يؤلمهم هذا نفسيًا، وقد نجد آخرون يكافحون من أجل العثور على الشعور بالانتماء.

وهو ما يقودنا إلى أهمية إحساس الانتماء لدى الإنسان، ولماذا يكافح من أجله. 

أهمية إحساس الانتماء لدى الإنسان

يقدم الشعور بالانتماء – Belonging للإنسان دعمًا اجتماعيًا كبيرًا. 

ويؤثر على صحته النفسية والجسدية؛ إذ تقيه الروابط الاجتماعية القوية المصاحبة للانتماء من القلق والتوتر.

عندما تشعر بأنك لست وحدك وأن لديك الدعم الكافي ممن حولك؛ فهذا يساعدك على التعامل بمرونة لمواجهة الأوقات الصعبة التي تواجهها.

كما يرتبط الشعور بالانتماء بتقدير الذات والثقة بالنفس والإحساس بأنك جزء من كيان أكبر، وهو ما يقودنا للشعور بالسعادة والتمتع بصحة أفضل.

ولذا فإن الإنسان الذي يشعر بالانتماء لما حوله؛ يعاني اكتئابًا ووحدة أقل من الآخرين.

تظهر أهمية إحساس الانتماء لدى الإنسان في الشعور:

  • بتقدير الذات والثقة بالنفس.
  • بأنه مقبول من الآخرين.
  • بالأمان؛ فهو ليس وحيدًا.
  • بالارتياح؛ إذ يجد من يشاركه اهتماماته.

بدون انتماء؛ يتزايد:

أهمية إحساس الانتماء لدى الإنسان

الانتماء رحلة تستغرق العمر كله

يتطلب الأمر مجهودًا كبيرًا منك؛ لتؤتى ثماره، واعلم أن هناك الكثير من الكيانات التي يمكنك الانتماء إليها، نذكر منها:

  • الوطن، وسنتحدث لاحقًا عن الانتماء للوطن.
  • العائلة.
  • الأصدقاء.
  • الفريق الرياضي.
  • مجموعة تشاركها نفس الاهتمامات.
  • العمل.

وهناك الكثير والكثير من المجموعات الهادفة التي يمكنك أن تنتمي إليها، وتوطد علاقتك بأفرادها، ولكن لا تنس أن الانتماء يعتمد على العطاء والأخذ -الاثنين معًا.

الانتماء للوطن

جُبلنا على حب الوطن؛ فكم من دماء طاهرة سالت للحفاظ على أراضيه، وكم من شاعر تغنى بحب وطنه وانتمائه إليه.

الانتماء للوطن

الانتماء للوطن غريزة طبيعية، وهو الأسمى -بعد العقيدة؛ فهو ذلك الإحساس الخفي الذي يربطك ببلادك مهما ابتعدت عنها.

هي تلك الجذور التي تربطك بالمكان الذي وُلدت وعشت فيه، وتشد عضدك وتقويك.

يجب علينا أن نعزز انتماءنا لأوطاننا، وأن نربي أبناءنا على ذلك، ويجب ألا تغفل وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة عن دورها في تعزيز ذلك الشعور.

ولكن لا تنس أن مفهوم الانتماء أكبر بكثير من تلك الشعارات الرنانة، فانتماؤك لوطنك ليس مجرد أقوال وأفعال، بل يجب أن يصاحبه عمل واجتهاد.

يشعرك هذا الانتماء بالقوة والثقة بالنفس، وينعكس إيجابًا على صحتك النفسية والجسدية.

ماذا لو شعرت بعدم الانتماء؟

من الصعب أن تشعر بالانتماء إلى كل المجموعات والكيانات التي ترغب، ولكن من المهم أن تنتمي في النهاية إلى مكان ما.

إذا شعرت بالوحدة والانعزال وعدم الانتماء؛ تحدث مع صديق مقرب أو طبيب مختص، ولكن لا تستسلم لهذا الشعور.

وهذا يدفعنا للتفكير: هل هناك خطوات يمكننا اتباعها للتمتع بقدر عال من الانتماء؟

كيف نعزز شعورنا بالانتماء؟

الشعور بالانتماء رحلة طويلة الأمد قد تستغرق سنوات عمرك بأكملها، إليك الخطوات التالية لتعزيز هذا الشعور لديك ولدى أطفالك:

  • ابذل جهدًا

اعلم أن الأمر يتطلب جهدًا منك؛ ابحث عن الأنشطة والاهتمامات التي يمكنك مشاركة الآخرين فيها.

وابذل قصارى جهدك لتكون جزءًا من المجموعة التي تنتمي إليها.

شجع وادعم أطفالك ليشاركوا الآخرين؛ فالأمر يبدأ من الصغر يا صديقي، عَلِّم أطفالك كيف يكونون جزءًا من كيان أكبر، وكن أنت القدوة لهم.

  • تقبل الآخرين

خلقنا الله مختلفين ليس في الشكل والعرق واللون فقط، بل تختلف أيضًا أفكارنا و آراؤنا واحتياجاتنا.

لا يتعين عليك تغيير أفكار الآخرين أو آرائهم لتندمج معهم؛ تقبل اختلافهم، ولا تحكم عليهم، وركز على أوجه التشابه بدلًا من التركيز على الاختلاف.

ولا تنس أن تعلّم أطفالك تقبل الآخرين، واحترام مشاعرهم.

  • ابقَ منفتحًا

جرِّب أنشطة جديدة، وتعرف على أناس جدد، وانخرط في مجموعات تشاركها نفس الاهتمامات؛ لا تبقَ وحيدًا.

لا تقل “لا” ولا تغلق الباب أمام فرص مشاركة الآخرين؛ كن اجتماعيًا.

كن مثالًا إيجابيًا لأبنائك؛ ساعدهم على إقامة علاقات قوية وصحية مع أصدقائهم وعلمهم كيفية الحفاظ عليها.

  • انتقِ كلماتك، وراقب طريقة تفكيرك

بعض الكلمات قد تجرح الآخرين، بل قد تكون في تأثيرها أقوى من السيف… وصدق الشاعر إذ يقول:

بعضُ الحُروف كضغط الزِّنَــاد تُصيبُ القلوب وتُدمي المُقَـلْ
وبعضُ الحُروف كشُربِ الدَّواء تُداوِي الجُروح وتشفي العِلَلْ

واعلم أن الجميع ينفض من حول الفظ وسليط اللسان؛ ليبقى في النهاية وحيدًا ومنعزلًا عن الآخرين.

وراقب طريقة تفكيرك؛ فلا يحتاج الجميع إلى إصلاح بقدر ما نحتاج إلى تقبل بعضنا بعضًا.

إن كنت شخصًا حساسًا؛ فعليك أن تتذكر أن الجميع يعاني، ولكل منا معركته التي يجاهد فيها دون أن يشعر الآخرون به.

وحساسيتك لا تعني أن تغلق بابك على نفسك؛ فأنت بذلك تقطع خيوط الانتماء لكل ما هو حولك، وستجد نفسك في النهاية وحيدًا.

إن كنت والدًا أو معلمًا أو صاحب عملٍ أو شخصًا مسؤولًا؛ فأدرِك المسؤولية التي تقع على عاتقك -مسؤولية تعزيز الشعور بالانتماء لدى الأشخاص القابعين تحت مظلتك.

فكن على قدر المسؤولية ولا تضيع الأمانة.

وحافظ على انتمائك لعائلتك ولوطنك ولأصدقائك؛ فنحن بلا انتماء لا نساوي شيئًا.

المصدر
Create a Sense of BelongingIs having a sense of belonging important?Belongingness: Essential Bridges that Support the Self
اظهر المزيد

د. أمل فوزي

أمل فوزي، صيدلانية، أعمل في الهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية. أعشق الكتابة، وأجيد البحث، أستمتع بكتابة المقالات الطبية بأسلوب سلس وبسيط، هدفي الارتقاء بمستوى المحتوى الطبي العربي، ونشر العلم من مصادره الموثوقة لينتفع به القارئ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق