مفاهيم ومدارك

الاهتمام الزائد بالآخرين | عندما يقتل الحب!

“أعلم جيدًا أن زوجتي تحبني بجنون، وتهتم بكل ما يتعلق بي، وكأنها شمعة تحترق لإسعادي!

ولكن الاهتمام الزائد بي يستنزفني ويخنقني في كثير من الأحيان؛ فهي تعاملني وكأنني طفل صغير ولا أستطيع الاهتمام بنفسي! 

تهاتفني كل نصف ساعة لتتأكد أنني بخير! 

أحببت اهتمامها في بداية زواجنا، ولكن الأمر لم يعد ممتعًا… 

فهل حقًا الاهتمام الزائد يقتل الحب؟!”

“أحب زوجي كثيرًا، بل أعشقه؛ فهو الهواء الذي أتنفسه، لا أتخيل حياتي بدونه، أهتم به وبكل ما يتعلق به… 

ولا أدَّخر جهدي لإسعاده، ولكن يبدو وكأنه ملَّ… 

فقد أصبح يعاملني ببرود رهيب، وهو ما أحزنني كثيرًا، وتأثرت علاقتنا! 

وعندما واجهته بالأمر، كان رده صادمًا! 

اتهمني بأنني السبب فيما آلت إليه الأمور، وقال إن خير الأمور الوسط، وإنه ينبغي لي عدم المبالغة في الاهتمام بمن حولي… 

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

ولكنها طبيعتي منذ الصغر؛ فأنا أحب الاهتمام بكل من حولي، فهل أنا مخطئة؟!”

سنتحدث في السطور القادمة عن الاهتمام الزائد بالناس، وهل الاهتمام الزائد يقتل الحب، وهل الاهتمام الزائد بالمرأة يقلل من قيمة الرجل؛ فتابع معنا هذا المقال.

الاهتمام الزائد 

من منا لا يحلم بأن يحظى باهتمام الآخرين؟!

يحتاج الإنسان إلى الشعور بالحب واهتمام الآخرين به، ويحتاج أيضًا إلى إظهار مشاعر الحب تجاه الآخرين ورعايتهم؛ فهذا جزء من طبيعتنا البشرية.

إذ يمنحنا الشعور بالحب والاهتمام شعورًا بالأمان وتقدير الذات، ويساعدنا على التواصل مع الآخرين، وتكوين علاقات اجتماعية قوية.

ولكن نجد بعض الأشخاص يظهرون الاهتمام الزائد بشخص، مثل: الزوج أو الزوجة أو الوالدين أو أحد الأصدقاء أو الناس عمومًا.

ويظن هؤلاء أن الاهتمام الزائد يمنحهم شعورًا بالكمال، وأنه تعبير عن حبهم ومشاعرهم تجاه هذا الشخص.

وعادة ما تُتهم المرأة بالاهتمام الزائد بالناس من حولها؛ نظرًا لطبيعتها الأنثوية والعاطفية، ولكن هذا لا ينفي وجود الاهتمام الزائد من جانب بعض الرجال بمن حولهم.

هل الاهتمام الزائد بالآخرين جيد أم سيئ؟

ينبغي لنا عدم المبالغة في اهتمامنا بمن حولنا؛ ليتسنى لهم التمتع بمساحة من الحرية الشخصية، ولكي لا نثقل كاهلنا بما لا نطيق.

هل الاهتمام الزائد بالآخرين جيد أم سيئ؟

تخيل معي… 

أنك تظهر الاهتمام الزائد بالصديق، وتنتبه لكل ما يتعلق به، وكل ما يفعله… هل تدرك ما يشعر به صديقك الآن؟! 

قد يكون الاهتمام الزائد بالصديق مصدرًا للتوتر والارتباك العاطفي لديه، وقد يشعر أنه يتعرض للاستنزاف العاطفي والنفسي.

يظن الأشخاص الذين يظهرون الاهتمام الزائد بشخص ما، أنهم مقصرون إذا لم يشعروا بالقلق أو الهوس بكل ما يتعلق بذلك الشخص.

تؤدي مشاعر القلق أو الهوس إلى الغرق في دوامة التوتر العصبي والاكتئاب؛ ولذا فإن اهتمامك الزائد بالآخرين قد يؤدي في النهاية إلى إصابتك بالقلق أو الاكتئاب.

هل الاهتمام الزائد يقتل الحب؟

يُعرَف الاهتمام الزائد بأنه ذلك الاهتمام الذي تظهره للآخرين، ويتجاوز فيه عقلك وقلبك الخطوط الحمراء، وهو ما يؤثر في علاقتك مع من تحبه وتهتم به.

وللإجابة عن سؤال “هل الاهتمام الزائد يقتل الحب؟”… 

هل الاهتمام الزائد يقتل الحب؟

نعم، مع الأسف… 

فالاهتمام الزائد يقتل الحب؛ إذ يجد الإنسان نفسه متورطًا في علاقة تستنزف طاقته جرَّاء ذلك الاهتمام الزائد والتعلق المفرط من قِبَل الطرف الآخر.

ولذا؛ ينبغي لنا عدم المبالغة في الاهتمام بالآخرين والانسياق وراء ذلك الهوس والتعلق المرضي بهم؛ كي لا نسبب لهم التوتر والشعور بالاستنزاف عندما لا تسير الأمور وفق أهوائنا.

هل الاهتمام الزائد بالمرأة يقلل من قيمة الرجل؟

يجب على الرجل أن يحب زوجته ويقدرها ويحترمها ويهتم بها، ولكن عليه ألا يبالغ في الاهتمام؛ فيصبح مهووسًا بها.

فالاهتمام الزائد من شأنه أن يدمر علاقتهما؛ إذ تشعر المرأة أنها مستنزفة نفسيًا وعاطفيًا في هذا الزواج.

واهتمام الرجل بزوجته لا يقلل أبدًا من قيمته -كما شاع في كثير من الأوساط-، بل يدل على حسن خلقه وحبه لها وذكائه لكسب ودها.

ولا يمكننا الجزم بأن الاهتمام الزائد المقترن بالتعلق المرضي والهوس من جانب الرجل للمرأة يقلل من قيمته؛ فقد يكون للأمر أبعاد نفسية لا نعلمها.

الوجه الآخر لـ “الاهتمام الزائد بشخص”

هل نستنتج مما سبق أن الشخص الذي يظهر الاهتمام الزائد بالناس شخص سيئ؟! 

بالطبع لا، ولكنه شخص أساء التصرف؛ فهو يرى أن اهتمامه بالآخرين يجب أن يصاحبه القلق عليهم، والهوس الشديد بكل ما يتعلق بهم؛ لإثبات حبه الشديد لهم وشغفه بهم.

وفي النهاية يؤدي القلق والتوتر إلى الإصابة بالعديد من المشكلات الصحية المرتبطة بالإجهاد، مثل:

  • الصداع.
  • آلام الظهر.
  • اضطرابات الجهاز الهضمي.
  • اضطرابات هرمونية.
  • ارتفاع ضغط الدم.

ولذا؛ فإن الشخص الذي يظهر الاهتمام الزائد بالآخرين، يؤذي نفسه أيضًا.

ومن ثم ينبغي لنا أن نقيِّم علاقاتنا مع الآخرين، ونرى هل نفرط في الاهتمام بهم أم لا؟

هل أفرط في الاهتمام بالآخرين؟

قد تساعدك الإجابة عن الأسئلة الآتية على تقييم نفسك. راقب ردود أفعالك واستدعِ مشاعرك وأنت تجيب عن هذه الأسئلة:

  • متى تشعر أن اهتمامك بشخص ما يحفز طاقتك ويقلل شعورك بالإجهاد؟ ولماذا؟
  • متى تشعر أن اهتمامك بشخص ما يستنزف طاقتك ويسبب لك التوتر؟
  • هل تهتم بمعرفة كل ما يخص شخصًا ما؟
  • هل تحب أن تسير علاقتك بمن تحب وفق توقعاتك؟
  • أي من هذه المشاعر يصف اهتمامك بالآخرين: الحب أم التعلق أم الترقب أم الشفقة؟ 

كيف أتخلى عن الاهتمام الزائد بالناس؟

سيساعدك التقييم السابق على معرفة متى يظهر الاهتمام الزائد بالآخرين، وهي الخطوة الأولى للعودة إلى المسار الصحيح.

سيمنحك التخلي عن الاهتمام الزائد شعورًا بالأمان والثقة والقوة التي تحتاجها لتهتم بمن حولك بشكل غير مبالغ فيه.

ويمكنك اللجوء إلى المعالج النفسي ليساعدك على التغلب على مشاعر القلق والتوتر والشعور باستنزاف طاقتك؛ جراء اهتمامك الزائد بالآخرين.

التنفس العميق

يساعد التنفس العميق على التخلص من القلق والتوتر واستنزاف المشاعر.

ويساعد أيضًا على التغلب على الاهتمام الزائد واستبداله بمزيد من التوازن والعاطفة الإيجابية.

تشمل الخطوات:

  • تعرف أولًا إلى الموقف الذي تود تغييره (تُظهِر فيه الاهتمام الزائد)، وتشعر فيه بالقلق أو التوتر أو الذنب أو التعلق المرضي أو غيرها من المشاعر السلبية.
  • تنفس بعمق، وحدد الموقف الإيجابي البديل، وتخيل نفسك تتصرف بالطريقة الإيجابية وتخيل الشعور الذي يغمرك حينها.
  • كرِِّر هذه التقنية عدة مرات لترسخها في ذهنك، وترسخ ذلك الشعور في قلبك. 

هل تشعر الآن بالحيرة؟! 

ولا تعلم كيف تهتم بمن تحب دون مبالغة؟! 

ينبغي لك أولًا أن تهتم بنفسك دون أنانية، ثم تحسن مهارات الاهتمام بالآخرين.

اهتم بنفسك أولًا

ينبغي لك أن تهتم بنفسك أولًا قبل اهتمامك بالآخرين. تشمل النصائح التي تساعدك على الاهتمام بنفسك:

  • تناول طعامًا صحيًا متوازنًا.
  • احصل على قسط كافٍ من النوم.
  • مارس الرياضة بانتظام.
  • كوِّن صداقات جديدة، وابنِ علاقات قوية مع الآخرين.
  • اقضِ المزيد من الوقت مع العائلة أو الأصدقاء.
  • مارس هواياتك المفضلة، والأنشطة التي تحبها.
  • جرِّب تقنيات استرخاء مختلفة، مثل: اليوجا والتاي تشي.

وتذكَّر، إنك تستحق أن تعطي لنفسك الوقت الكافي، وإن الاهتمام الزائد بالناس يحرمك الاهتمام بنفسك.

كيف أهتم بالآخرين دون مبالغة؟

الاهتمام بالآخرين هو بوابتك السحرية للولوج إلى قلوبهم، ولكن ينبغي لك ألا تتجاوز الخطوط الحمراء؛ لكي لا تؤذيهم بالاهتمام الزائد.

هناك بعض النصائح التي تساعدك على الاهتمام بالآخرين، ولكن تذكر ألا تفرط في الاهتمام، ونذكر من تلك النصائح:

  • ساعد من يحتاجك

لا تتأخر عن تقديم العون لمن يحتاج إلى المساعدة من العائلة والأصدقاء، وكذلك يمكنك مساعدة المحتاجين والمعدمين في مجتمعك.

قد يشعر بعض أفراد العائلة أو الأصدقاء بالإحراج من طلب العون من غيرهم؛ ولذا ابحث عن طريقة لطيفة ومثمرة لمساعدتهم ومشاركتهم همومهم دون إحراجهم؛ فهذه أفضل طريقة تظهر بها اهتمامك بهم.

  • اسأل الآخرين عن أحوالهم

يمكنك إظهار الاهتمام بالآخرين من خلال سؤالهم عن أحوالهم، وتجاذب أطراف الحديث معهم، والاطمئنان عليهم.

وهنا، عليك تحقيق المعادلة الصعبة؛ فلا تتجه دفة الحديث كله نحوك أو نحو الشخص الآخر، يجب عليك تحقيق التوازن.

وكذلك كن حذرًا؛ فلا تسأل الآخرين عن خصوصياتهم، فتبدو وكأنك شخصية متطفلة، عليك فقط الاطمئنان عليهم.

  • اعتذر متى لزم الأمر

ينطوي الاهتمام بالآخرين على معرفة كيف تؤثر أفعالنا فيهم. ولذا؛ عندما نخطئ في حق أحدهم، ينبغي لنا أن نعتذر عن أخطائنا ولا ننكرها.

إذا جرحت شخصًا ما، عليك أن تبتلع كبرياءك، وتقول شيئًا بسيطًا، مثل: “أنا آسف حقًا، وأنا نادم على جرح مشاعرك”، ويجب أن يكون اعتذارك صادقًا.

واعلم أن اهتمامك بالآخرين يتيح لك التفكير في مشاعرهم واحترامها.

  • أسدِ صنيعًا لأحبائك

ينبغي لك أن تبذل جهدًا لمساعدة الآخرين، وأداء الخدمات لهم، مثل: مساعدتك لجارك العجوز وشراء بعض احتياجاته من المتجر.

عليك أن تعتاد تقديم الخدمات لمن تهتم بأمرهم، ولكن يجب عليك تحقيق التوازن؛ فنجاح العلاقات الاجتماعية يعتمد على العطاء والمشاركة من كلا الجانبين.

  • شارك غيرك

تنبع مشاركة الآخرين من اهتمامك بهم، فأنت لن تشارك كتابك المفضل إلا مع من تهتم لأمره.

ابحث عن تلك الفرص التي يمكنك من خلالها مشاركة أشيائك المفضلة مع أحبائك، فهذا ينفي عنك صفة الأنانية، ويرسخ اهتمامك بالآخرين.

لا تعني المشاركة مشاركة الأشياء المادية فحسب؛ فيمكنك مشاركة خبراتك وأفكارك وآرائك لمساعدة الآخرين.

  • تذكر بعض التفاصيل

هناك طريقة أخرى يمكنك أن تظهر من خلالها الاهتمام بالآخرين، وهي الانتباه إلى التفاصيل الصغيرة التي يخبرونك بها في أثناء الحديث.

تخيل معي…

أن تسأل صديقك عن أحوال ابنه اليوم -وقد أخبرك بالأمس أن ابنه يعاني ارتفاعًا في درجة الحرارة-؛ سيشعر صديقك باهتمامك به، ويقدره كثيرًا.

  • ابعث الرسائل النصية

قد يظهر الاهتمام في تلك الرسالة النصية التي ترسلها إلى صديقك أو أحد أفراد عائلتك؛ للاطمئنان على أحواله.

وتحمل تلك الرسالة النصية “رسالة خفية” مفادها أنك موجود، وأنك تهتم به. 

لن تستطيع أبدًا إرسال الرسائل النصية يوميًا للجميع، ولن يكون الأمر صادقًا، ولكن يمكنك اختيار صديق واحد كل أسبوع تبعث له رسالة اطمئنان.

  • تطوَّع

يعد التطوع في الأعمال الخيرية من أسمى صور الاهتمام بالآخرين، وأنقاها، وهو من أكثر ما يشعر الإنسان بالسعادة والرضا والانتماء إلى مجتمعه.

فكِّر كيف يمكنك تحسين المجتمع من حولك، وإحداث فرق في المكان الذي تعيش فيه.

يمكنك عمل قائمة بأسماء المحتاجين والمعدمين، وحث غيرك على الوصول إليهم ومساعدتهم، ولاحظ كيف يؤثر تطوعك في هذا العمل الخيري في تحسن صحتك النفسية، وشعورك بتقدير الذات.

وانقلب السحر على الساحر! 

فقد يكون الاهتمام الزائد الذي تظهره للآخرين لتكسب ودهم وحبهم هو السلاح نفسه الذي يدمر علاقتك بهم.

ولذا توقف عن تدمير نفسك ومن تحب، واهتم بنفسك أولًا؛ فأنت تستحق الأفضل، ثم اهتم بالآخرين… 

واحذر الاهتمامَ الزائد المقترن بالهوس والقلق؛ فقد يحرم أحباءك التمتع بمساحة من الخصوصية، ويعرضهم للاستنزاف النفسي والعاطفي.

المصدر
Taking Good Care Of YourselfTaking Good Care Of YourselfWhen There’s So Much That Needs Our CareIs it Possible to Care Too Much? Understanding How to Care Without It Becoming a Source of Your StressHow to Be Caring
اظهر المزيد

د. أمل فوزي

أمل فوزي، صيدلانية، أعمل في الهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية. أعشق الكتابة، وأجيد البحث، أستمتع بكتابة المقالات الطبية بأسلوب سلس وبسيط، هدفي الارتقاء بمستوى المحتوى الطبي العربي، ونشر العلم من مصادره الموثوقة لينتفع به القارئ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى