ترياق الأمراض النفسية

البارانويا ونظرية المؤامرة

يتحدث أبي دائماً عن مؤامرات تُحاك ضده، يرى نفسه عبقرياً، ويعتقد أن هناك جهاز إرسال لاسلكي في دماغه ينقل أفكاره للشخص الذي يريد تدمير حياته، يرى أن الأشخاص المارّين بالشارع جواسيس، وأن لوحات السيارات بها كاميرات خفية لمراقبته.

يخبرني بأن هناك من يلاحقني وأنا في طريقي إلى المنزل، كنت أخاف كثيراً في أثناء طفولتي، إذ كنت أشعر أن هناك من يلاحقني بالفعل.

دائماً ما كنت أسمع والدتي تتشاجر معه، وأنها يئست من هذه التصرفات، ولابد من زيارة الطبيب لوضع حد لهذه الحياة المرهقة.

لكنه كان يرفض بشدة، ويرى أنها حاقدة على عبقريته وأفكاره الفذة، ويتهمها بأنها قد تكون أحد الجواسيس، فالجميع يخطط لإيذائه.

هذه قصة لشخص يعاني من اضطراب نفسي يعرف بالبارانويا، فما هو مرض البارانويا؟ وما العوامل التي يمكن أن تتسبب في تكوين شخصية البارانويا؟ وكيفية التعامل مع مريض البارانويا؟

هذا ما سنتحدث عنه في هذا المقال، فهيا معاً نسبر أغوار هذا المرض الشائك. 

ما هو مرض البارانويا؟

يُطلَق على البارانويا جنون العظمة أو جنون الارتياب، أو الاضطراب الزوراني، وهو أحد الاضطرابات النفسية التي يخلق فيه الشخص عالماً داخل عقله بأنه محط اهتمام الآخرين، أو يتوهم أشياء وتصرفات لا يوجد دليل على صحتها.

قد يكون مرض البارانويا واحداً من أعراض بعض الحالات بما في ذلك اضطراب الشخصية الارتيابية، واضطراب الوهم، وكذلك مرض الفصام.

أشكال البارانويا 

البارانويا

تأخذ البارانويا أشكالاً متعددة، منها:

توهُّم العظمة: 

فتجد المصاب به يبالغ في وصف نفسه بما يخالف الواقع؛ فيدّعي أنه أذكى وأقوى البشر، أو أن لديه قوىً خارقة، أو أموالاً طائلة، أوعلاقات ليس لها وجود حقيقي.

توهم المرض: 

إذ يتكون لدى الشخص اعتقاد راسخ بأنه مصاب بمرض خطير، بالرغم من طمأنة الأطباء له باستمرار.

البارانويا والجنس الآخر: 

فيعتقد المريض أن أحد أفراد الجنس الآخر ذو الشهرة الواسعة يحبه ويراسله، ويعتقد بأنه هو المقصود بكل تلك القصائد التي يكتبها ذاك الشاعر المشهور.

الوهم السوداوي: 

فيظن المريض أنه المتسبب الرئيسي في ما يحدث للمحيطين به من مصائب، وأن كل الكوارث التي تحدث في الكون هو سببها، فيشعر بالذنب الشديد والذي قد يؤدي به إلى الانتحار

أعراض البارانويا

يعاني المصاب بالبارانويا من تلك الأعراض:

  • دائم الشعور بالاضطهاد والخيانة ممن حوله.
  • فاقد الثقة بالجميع.
  • يشعر بأن الجميع يتآمر ضده (من وجهة نظره).
  • يُسيء تأويل كل كلمة ويبحث فيما بين الكلمات عن النوايا السيئة. 
  • لا يتحمل أي نقد على الرغم من أنه ينتقد الجميع بشكل لاذع وعدواني.
  • جدلي ولا يقبل المساومة. 
  • لا يستطيع النسيان أو المسامحة.
  • يشعر دائما بأنه على صواب وأن الجميع مخطئون.
  • يجد صعوبة في تكوين علاقات اجتماعية بسبب شكِّه.
  • يشعر بالقلق والخوف باستمرار.
  • يُكنّ عداءً تجاه الآخرين بسبب انعدام الثقة.
  • محاولات التودد والتقرب منه تقلقه وتؤكد له شكوكه.

أسباب البارانويا

من الصعب تحديد أسباب تكوُّن شخصية البارانويا، ولكن هناك بعض العوامل التي من الممكن أن تساهم في إصابة الشخص بهذا الاضطراب.

الجينات

قد تلعب الجينات دوراً في إصابة الشخص بالبارانويا، فهناك بعض العائلات التي تظهر بها اضطرابات ذهانية، أو أعراض فصامية دون غيرها والسبب غير معروف.

الطفولة غير السوية

ربما نَشأتَ في جو أسري ممتلئ بالمشاحنات والإيذاء اللفظي أو البدني، التي ربما تؤثر على احترامك لذاتك وطريقة تفكيرك كشخص بالغ فيما بعد.

فيتكون لديك اعتقاد راسخ بأن هذا العالم مكان غير آمن وتفقد الثقة بمن حولك.

البيئة الخارجية

قد تلعب البيئة دوراً فعالاً في تكوين شخصيتك، فنشأتُك في بيئة حضرية أو في مجتمع تشعر فيه بالعزلة عن جيرانك والأشخاص من حولك، تختلف عن نشأتك في بيئة ريفية بها قدر كبير من التواصل مع الآخرين.

كذلك يلعب الإعلام دوراً في تكوين أفكارك؛ فالأخبار المتلاحقة عن الإرهاب والعنف وما يمكن أن يحدث في أي بقعة من الكوكب، كل هذا يمكن أن يولِّد لديك مشاكل ارتيابية، تودي بك إلى البارانويا.

الصحة النفسية

قد نمر جميعاً في فترة من فترات حياتنا ببعض القلق والاكتئاب أو فقدان الثقة بالنفس، وبمعرفة كيفية التعامل مع تلك المشاعر وطلب المساعدة -إذا دعت الضرورة-، نستطيع التغلب عليها والمضي قدماً.

أما إذا كنت تعاني من هذه الاضطرابات كثيراً، فربما تكون على حافة الهاوية؛ فتميل إلى تفسير الأشياء بطريقة سلبية.

وتصبح دائم الضجر والاستياء، وترى الأشياء على غير حقيقتها، وتلك سمات شخصية البارانويا.

الأمراض الجسدية

قد يكون مرض البارانويا أحد أعراض بعض الأمراض الجسدية؛ مثل مرض هنتنغتون، ومرض باركنسون، وألزهايمر، وكذلك السكتات الدماغية.

يمكن أن يؤدي فقدان السمع أيضاً إلى تولد أفكار مرتبطة بجنون العظمة عند البعض.

المخدرات

يمكن أن تغير بعض أنواع المخدرات من الإشارات العصبية داخل الدماغ مما يسبب البارانويا، مثل الكوكايين والقنب أو ما يعرف بالماريجوانا، والمنشطات -التي قد يستخدمها الرياضيون-، والكحوليات.

الإجهاد

قد يزيد تعرض الشخص لفترات طويلة من الإجهاد والضغط العصبي -كأسرى الحرب أو المعتقلين داخل السجون- من احتمالية إصابته بجنون العظمة.

الوضع الاجتماعي

يؤثر الوضع الاجتماعي والاقتصادي المنخفض، أو حتى بعض الاختلافات العرقية، على جميع جوانب حياتك من تعليم ورعاية صحية وغيرها، فربما تصبح ساخطاً على هذا الوضع، فتتولد لديك مشاعر البارانويا.

الأرق 

ربما تصاب بالأرق وتنقص ساعات نومك إذا كنت طالباً وترغب باجتياز اختبارات آخر العام الدراسي بتفوق، أو كنت موظفاً ولديك بعض المهام التي ستؤثر على مسيرتك المهنية.

لكن ماذا لو أصبحت تلك العادة تلازمك طوال الوقت؟

تثير قلة النوم مشاعر القلق وتُغير الحالة المزاجية، وتزداد معها مشاعر الخوف التي قد تتطور إلى هلاوس، مما قد يؤدي إلى إساءة فهم الآخرين، وربما يعتقد الشخص أن الناس ضده ويتآمرون عليه.

لذا تأكد أنك تنال القسط الكافي من النوم لصحتك النفسية والجسدية، فلبدنك عليك حق.

الصدمة 

يمكن أن يؤدي مرور الفرد بأحداث صادمة، إلى تغير تصوره تجاه الحياة، وخلق أفكارٍ قد تدفعه في نهاية المطاف إلى البارانويا.

كيفية التعامل مع مريض البارانويا؟

أنت الآن أمام شخص لديه يقين راسخ بكل ما يعتقده، فإذا حاولت إقناعه بغير ذلك ستجد مقاومة ورفضًا شديدين، وقد تنفِّره منك.

وربما يكون رد فعله الداخلي وما يجول برأسه في تلك اللحظة، “لماذا لا تفهمني؟ أنا دائما وحيد ولا أجد من يساندني!” 

فتتصاعد معاركه الداخلية لإثبات تلك الحقائق التي يعرفها، ولتحقيق العدالة والانتقام كما يرى، فلا يزيده ذلك إلا انغماساً في الوهم لذا:

  • حاول أن تفهم ما يشعر به، هل هو خائف أو مرتبك أو يشعر بالضيق؟ وعليك أن تدرك أن مشاعره حقيقية جداً، حتى لو كنت تعرف أن تلك المعتقدات لا أساس لها.
  • أخبره بأنك تفهم ما يشعر به دون أن تتفق أو تختلف معه على أسباب هذه المشاعر.
  • حاول طمأنة هذا الشخص باستمرار، أخبره بأن كل شيء سيكون ما يرام، وليس هناك ما يدعو للقلق، وأنك موجود إن احتاجَ مساعدة.
  • احترم رغبته ولا تتخذ القرارات عنه، حتى لو كنت تعرف ما هو الأفضل له.
  • كن واضحاً جداً ومختصراً في حديثك معه، ووضح له ما ستفعله ثم التزم بما قلت، فلا تترك مجالاً لسوء التفسير.
  • ضع في اعتبارك أنه ربما يجد أساسًأ لمعتقداته تلك، حتى إذا شعرت بأن أفكاره ليست مبررة.

فالعديد من الأفكار الارتيابية قد تكون نابعة من موقف حقيقي، ثم تضخمت داخل عقله وبني عليها اعتقاداته. 

  • وكذلك حاول أن تتحدث معه عندما تجده هادئاً بأنه لا بأس من طلب المساعدة من طبيب مختص.

إذا كنت تعتني بشخص مصاب بالبارانويا فهذا يستنزف صحتك بشكل كبير، فرؤيتك لمن تحب وهو يعاني أمر مخيف ومحزن، وقد يكون من الصعب عليك معرفة كيفية مساعدته، خاصة إذا كنت لا توافق على ما يعتقده هذا الشخص.

فاعلم أنك لن تستطيع تخطي هذه المعركة وحدك، وعليك أن تطلب العون من المختصين، حتى تتعلم كيفية التعامل معه بشكل فعال وكذلك تتعلم إقناعه بتلقي العلاج؛ فالعلاج هو السبيل الوحيد للتخلص من هذه المعاناة.

المصدر
ParanoiaParanoia7 Tips for Coping with a Paranoid PartnerParanoia, What can friends and family do to help?
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق