ترياق الروح
أخر الأخبار

التأمل والتوازن النفسي

“بعد عدة ساعات سأحضر الأولاد من المدرسة، وأحضّر الغداء، لا لم أنتهي من ترتيب الأوراق المتراكمة على المكتب بعد، ولم نحدد كيف سنشتري تلك السيارة ولا من أين سنوفر المال اللازم لشراء تلك الطابعة، هل تتذكرين بيت الأحلام؟ بحديقة واسعة ومطبخ منمق وجميل، وألوان ستائر زاهية.. ما هذه الرائحة؟ الطعام يحترق في الفرن!” 

مشهد مألوف، صحيح؟

حسناً إنه الوقت المناسب للحديث عن التأمل!

لن أخبرك بأنه الحل السحري لجميع مشاكلك، ولكنه طريقة فعالة لتخفيف الضغط اليومي، وتحسين قدرتك على التركيز، والتواصل مع جسدك وألمك بصورة أفضل. لذا فإن كنت تود معرفة كيفية التأمل، وتمارين التأمل المختلفة، وكذلك أنواعه، تابع معنا قراءة هذا المقال. 

عن معنى التأمل وتعريفه

قد تكون هناك صورة نمطية لممارسة تمارين التأمل قد تبادرت إلى ذهنك بمجرد ذكر هذا المصطلح.

وللعلم فهو ليس أمرا مستحدثا، بل إنه موجود في أغلب الثقافات والديانات منذ القدم.

قد يختلف الناس في طريقة أدائه، فأنواع التأمل كثيرة، ولكن الهدف منه واضح، وهو وصولك لحالة من الصفاء الذهني. 

وبالحديث عن التأمل، فهناك مصطلح يسمى “التأمل الواعي أو اليقظة الذهنية” وهو يهدف إلى صب كامل تركيزك على حضورك الآن بيقظة وانتباه، والكف عن الاستغراق في أفكار المستقبل، أو التفكير في أحداث الماضي لفترة قصيرة.

ويكون ذلك عن طريق التركيز على عملية التنفس، ومتابعة كل شهيق يدخل إلى رئتيك، وكل زفير يخرج منهما.

كذلك متابعة متى سينقطع تركيزك عن هذه العملية وينصرف إلى أي فكرة أخرى.

وبالتدريب على الأمر تزداد المدة التي تستطيع فيها التركيز في هذا التمرين دون قفز أي فكرة إلى عقلك لتقطعه. 

يبدو الأمر سهلاً؟ حسناً فلتفكر في عدد الأنفاس التي تظن أنك تستطيع أن تلتقطها بروية دون تشتت كما في الفكرة السابقة، عشرون نفساً؟ خمسون؟

إذاً فلتغلق عينيك الآن ولتُجرب الأمر.. إنها المفاجأة، لقد قفزت فكرةً أو صورة إلى عقلك ربما بعد عَدةٍ واحدة! 

نعم فالفكرة وراء التأمل الواعي تبدو سهلة، ولكنها تحتاج لممارسة وصبر لبعض الوقت.

لا تهدف اليقظة الذهنية للتخلص من مئات الأفكار التي تملأ رأسك، هي فقط مجرد وقت مستقطع؛ تركز فيه على التنفس.

فيعطيك فرصة لتنعم بلحظات من الهدوء، والتي ربما تساعدك على أخذ قرارات حكيمة، أو زيادة التركيز بعدها.

كيفية التأمل

الخطوات الثلاثة القادمة تخبرك بكيفية التأمل للوصول لليقظة الذهنية: 

  1. استعد للجلوس في وضعية مريحة لبضع دقائق، وكن مستعداً للدخول في الخطوة القادمة بعد قراءتك لها مباشرة.
  2. ركِّز على تنفسك؛ أين تشعر بالهواء في جسدك، في أنفك، أم في بطنك؟ أبقِ كامل تركيزك على الشهيق والزفير.
  3. تابِع تنفسك لدقيقتين؛ خُذ نفساً عميقاً ودعه يملأ بطنك، أمسكه لعدة ثوان، والآن أخرجه من فمك ببطء وروية.
    اشعُر ببطنك وهي تنكمش وتفرغ من الزفير.

والآن بعد عودتك، هل أدركت كم الأفكار التي تتدافع لذهنك حتى وأنت لا تفكر في أمر بعينه؟

كيف كانت صعوبة التمتع بذهن صافٍ خالٍ من أي فكرة حتى لدقيقتين فقط؟

قد يكون تركيزك قد انقطع الآن بالفعل بفكرة أنك “لا تملك وقتاً لهذا الأمر، ما هذا الذي تفعله؟” 

هذه الأفكار بالتحديد هي عكس التأمل الواعي أو اليقظة الذهنية، أن نعيش في أدمغتنا، ونظل محاصرين بأفكار الماضي والمستقبل، ويذهب “الآن” أمام أعيننا، فلا نستطيع التمتع باللحظة الحالية، وهذا هو حال أغلبنا. 

الغاية من التأمل

الهدف من التأمل، هو أن يساعدنا على إدراك أنفسنا بدرجة أكبر، والتمتع بـ “فسحة” أو راحة من ماكينة التفكير المستمرة، لبضع لحظات.

الهدف منه هو خلق روابط أقوى، وعلاقات صحية مع أنفسنا، والتي تعود بالتبعية على علاقتنا مع الآخرين.

أهمية التأمل 

تعطيك ممارسة التأمل الفرصة لإيقاف فيضان الأفكار الذي يُغرق عقلك يومياً، والذي قد يجعلك تعيش في ضغط نفسي مستمر.

وهذه بعض الفوائد التي قد تعود عليك من التأمل: 

  • يعطيك الفرصة لبناء مهارات جديدة لمواجهة الضغوط.
  • وقت مستقطع للتفكير في المواقف الصعبة من منظور مختلف.
  • تركيزك على الوقت الحاضر والاستمتاع به.
  • تقليل الأفكار السلبية.
  • زيادة الفرصة للأفكار الإبداعية.
  • زيادة وعيك بذاتك.

ولا يقتصر الأمر على هذه الفوائد النفسية، فهناك بعض الحالات المرضية التي قد ينصحك طبيبك فيها بتجربة التأمل، منها: 

  • القلق النفسي؛ فالتوتر والخوف الزائد الذي يعانيه مريض القلق النفسي يحتاج لبعض الطرق لتخفف من حدة الأمر عليه، ويُعد التأمل أحد هذه الطرق الفعالة. 
  • متلازمة القولون العصبي؛ والذي يتأثر فيها المريض بالضغط العصبي؛ فيعاني من آلام شديدة بالبطن، والعديد من الأعراض المزعجة الأخرى. 
  • اضطرابات النوم
  • صداع التوتر؛ وهو أحد أشهر أنواع الصداع التي تظهر في أوقات التوتر والضغط العصبي، فتضرب محيط الرأس بشدة، كما قد يمتد الألم المصاحب لصداع التوتر إلى عينيك ورقبتك أيضاً. 

وهناك بعض الدراسات التي أثبتت تأثير ممارسة التأمل في بعض الحالات المرضية الأخرى، لكن هذه الدراسات ليست طويلة المدى، أي لم تتم متابعة تأثيرها على نفس الأشخاص لمدة زمنية طويلة مع التحكم في بقية العوامل المؤثرة الأخرى، لذا فلم يجزم العلماء بفعاليتها بعد، ومن هذه الأمراض: 

  • السرطان.
  • الاكتئاب.
  • الأمراض القلبية.
  • ارتفاع ضغط الدم.

وبالطبع لا يكون التأمل علاجاً أو بديلاً لطرق العلاج الطبية الأخرى، ولكنه قد يحسن من العلاج إذا كان جزءاً منه. لذا تحدث مع طبيبك حول هذا الأمر ومدى فائدته لك. 

أنواع التأمل 

لا يقتصر التأمل على الحضور واليقظة الآنية فحسب، بل إن هناك أنواعاً عديدة للتأمل.

بعضها له جانب ديني، وبعضها ممتد من ثقافات قديمة، وبعضها يشمل تمارين وحركات رياضية تساعد على الاسترخاء.

وهذه بعض أنواع التأمل الشهيرة: 

تمارين اليوجا

والتي تُعد من أشهر وسائل الاسترخاء، ويُنصح بها لتقليل التوتر والضغط العصبي كثيراً.

كما أنها تناسب الكثير من الحالات المرضية، فعلى قدر بساطتها إلا أنها تساعد بحركات بسيطة على التواصل الجسدي الجيد، والاسترخاء، والتخلص من الضغوط اليومية، وتحريك العضلات وتقويتها. 

تُعد تمارين اليوجا للحوامل من أفضل التمارين الرياضية خلال فترة الحمل، إذ تمنح المرأة الحامل اللياقة البدنية المطلوبة، وتتناسب مع طاقتها وقوة جسدها حتى نهاية فترة الحمل. لذا فإن كُنتِ حاملاً فلا تترددي في البحث عن بعض تمارين اليوجا للحوامل والبدء بمتابعتها والمواظبة عليها. 

الصلاة والترانيم الدينية

فأغلب الديانات تشمل جزءاً من الشعائر الدينية التي تطوي التأمل في خصائصها؛ فالصلاة تتطلب الخشوع الذي يُعرف بالحاجة للحضور الذهني والتركيز على التواصل الروحي مع ربك والتخلص من جميع المُشتتات في هذه اللحظة. لذا فتُعد الصلاة طريقة مثالية للتأمل. 

التأمل أو التخيُّل الموجَّه

وفيه تستحضر صورةً لموقف أو مكان معين يُساعدك على الاسترخاء.

وفي هذه الطريقة تحاول الاندماج بأكبر قدر من حواسك في هذه الصورة المُتخيَّلة، كأن تستعين ببعض الروائح، أو الأصوات، أو الملمس. ويقوم الموجِّه أو المعلم بمساعدتك على هذا الأمر. 

كما أن هناك أنواعًا أخرى للتأمل تتأصل في بعض الحضارات القديمة كالحضارة الصينية، وتأملات البوذية، وغيرها من الأنواع الأخرى التي تشترك في نفس الهدف. 

الأمر بسيط، لكنه يستحق أن يكون جزءاً من ممارساتك اليومية، اختر الطريقة الأنسب لك، والمهم أن تصل للهدف، فما يهم هو الحاضر، فلا التفكير في الماضي سيغيره، ولا الاستغراق في أحلام المستقبل سيتحكم فيه، فقل لي متى ستعيش الآن؟ 

اظهر المزيد

د. آلاء عمر

آلاء عمر، صيدلانية، أم، وكاتبة محتوى طبي، أهدف إلى إيصال المعلومة الطبية للقارئ بسهولة وزيادة الوعي الطبي لدى الناس. مهتمة بمجال الصحة النفسية وما يخص الطفل والمرأة طبياً. مؤمنة بقدرة الإنسان على اكتساب الوعي والتغيير الإيجابي للإرتقاء بمستوى حياته للأفضل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق