عام

كيف أحقق التباعد الاجتماعي دون العزلة والابتعاد عن الناس؟

لي صديقة مقربة اسمها (مريم)، أحب الخروج معها والحديث المطول حول ما يدور في حياتنا؛ فهي قريبة من
روحي، لتعاملها السلس المريح، ووجود نقاط التقاء بيننا في أمور كثيرة.

مع بداية انتشار “الكورونا” في مصر، وفرض الحجر المنزلي من أجل تنفيذ فكرة التباعد الاجتماعي للسيطرة
على انتشار العدوى، انقطعت الاتصالات بيننا مؤقتًا.

وفي الآونة الأخيرة، انتهى وضع الحجر المنزلي، وبدأت فكرة التعايش مع الكورونا مع الالتزام بضوابط التباعد الاجتماعي والإجراءات الوقائية.

لكن (مريم) مازالت خائفة من الخروج وممارسة حياتها؛ فهي خائفة من شراء طلبات المنزل، وخائفة من مقابلة أصدقائها حتى مع الالتزام بإجراءات الوقاية.

ترى، ما هو التباعد الاجتماعي؟ وهل هناك فرق بين “التباعد الاجتماعي” و”العزلة الاجتماعية”؟ وما أثر الانعزال عن الناس نفسيًا؟

التباعد الاجتماعي… ما هو؟

هو إجراء احترازي ظهر مع انتشار الأمراض المعدية على مر التاريخ؛ للتقليل من انتشار العدوى بين أفراد المجتمع.

تشمل خطوات التباعد الاجتماعي: 

  1. التباعد الجسدي بينك وبين الآخرين بمسافة تبدأ من ٢ إلى ٣ متر.  
  2. الالتزام بالإجراءات الوقائية التالية: 
  • ارتداء الكمامة خارج المنزل. 
  • عدم لمس وجوهنا ونحن في الخارج. 
  • غسل اليدين قبل الخروج من المنزل وبعد العودة إليه، مع استخدام الكحول.

لكن مع انتشار حالة الذعر الناتجة عن خوف الناس من التقاط العدوى، ونداءات الإعلام بالالتزام بالتباعد الاجتماعي،
قد يختلط الأمر على بعض الناس ويجدون أنفسهم في مواجهة العزلة الاجتماعية.

الفرق بين التباعد الاجتماعي والانعزال عن الناس خط رفيع

الفرق بين التباعد الاجتماعي والانعزال عن الناس

من المؤكد أن التباعد الاجتماعي ظاهرة صحية للفرد وكذلك للمجتمع؛ للحماية من انتشار الوباء.

لكن الخوف المتملك من بعض الأفراد يجعلهم يرون باقي البشر على هيئة وباء متنقل، فضلًا عن تجنبهم الاتصال
بالأهل والأصدقاء لتجنب سماع أي أخبار متعلقة بالكورونا؛ مما يضطرهم إلى العزلة والوحدة.

تأثير العزلة والابتعاد عن الناس على الصحة النفسية

التزام كل فرد منا بيته بعيدًا عن التجمعات البشرية يحمينا من فيروس كورونا، لكن انقطاع التواصل الاجتماعي مع معارفك وأهلك وأصدقائك بشكل كامل لن يكون مفيدا لك؛ إذ إن للعزلة الاجتماعية أثرًا نفسيًّا وجسديًّا يظهر تدريجيًا.

لعلك لاحظت في بداية فرض الحجر المنزلي عدم التزام كثير من الناس به؛ فلم يمتنعوا عن التجمعات في البيوت
والشوارع والمقاهي، ومن المؤسف أيضًا تهاون الأهالي في السماح لأطفالهم باللعب في الشوارع على الرغم من
القرار الرسمي بإيقاف الدراسة للمكوث في البيوت.

إذًا ما تفسير ذلك؟!

لا أبرر ما فعلوه من عدم الالتزام بإجراءات الوقاية، لكن الإنسان بطبيعته اجتماعي. 

ومن أجل صحة نفسية وجسدية سليمة يحتاج إلى علاقات اجتماعية تهون عليه وتساعده على تخطي مشاكله،
فكيف الحال مع انتشار هذا الوباء العالمي؟!

من المؤكد أن القلق العام والذعر كان مسيطرًا على عقول الأفراد، والانعزال عن من حولهم زاد من الضغط العصبي
والتوتر والشعور بالضيق.

لعلك لاحظت -عزيزي القارئ- موجة زيادة الوزن في فترة العزل؛ كان ذلك نتيجة للجوء إلى الطعام كوسيلة مسموحة وسهلة للتقليل من آثار التوتر والخوف.

إليك أبرز الآثار السلبية للعزلة في الصحة النفسية

أما الآثار الجسدية للانعزال عن الناس

  • ضعف الجهاز المناعي؛ ومن ثم سهولة الإصابة بالأمراض.
  • الإصابة بأمراض القلب.
  • عدم الاهتمام بالمظهر العام.

كيف يتأثر جهازنا العصبي بالتواصل الاجتماعي؟

تناولنا فيما سبق أثر العزلة في الصحة النفسية والجسدية، إليك أيضًا كيفية استقبال الجهاز العصبي للتعاملات الاجتماعية:

التواصل البصري مع شخص ما، الإشارة إليه من بعيد، سماع صوت شخص عزيز عليك، إلقاء التحية عليه بشغف؛
يُثير الخلايا العصبية المرآتية (Mirror Neurons) -وهي خلايا عصبية معنية بمشاعر الآخرين. 

فمثلًا إذا رأيت شخصًا يضحك تلقائيًا تضحك معه، ومن ثم ترسل هذه الخلايا العصبية إشارات عصبية لتثبط نظام
الاستجابة للضغط العصبي.

أشياء بسيطة في العلاقات الاجتماعية تمدك بالسعادة والراحة النفسية، وتجعلك قادرًا على مواجهة القلق العام في هذه الفترة العصيبة.

احذر عزيزي القارئ، جهازك العصبي قادر على التكيف بمرور الوقت مع الوضع المفروض عليه،
سواء كان الاجتماع بالناس أو الانعزال عن الناس.

لكن النتائج المترتبة على العزلة قد تضرنا جميعًا، وبدلًا من المرور من أزمة الكورونا بسلام، تظهر لدينا مشاكل
نفسية وصحية ناتجة عن الخلط بين مفهوم التباعد الاجتماعي والعزلة.

خطوات لتحقيق التباعد الاجتماعي والتواصل الاجتماعي في آنٍ واحد

١. تواصل مع أهلك وأصدقائك عبر الإنترنت:

هذا ما ظهر واضحًا في ذروة أزمة الكورونا كوسيلة لتحقيق التباعد الاجتماعي دون الانعزال، حتى العمل من البيت
أصبح أمرًا ضروريًا وانتشر عالميًا؛ حتى لا تقف عجلة الإنتاج.

نصائح للتواصل اجتماعيًا من البيت:

١. التواصل مع أقاربك وأهلك من خلال مكالمات الهاتف أو الفيديو عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي المختلفة.

٢. مشاهدة فيلم مع صديقك في نفس الوقت، بينما كل منكما في بيته، ومناقشة أحداث الفيلم من خلال الدردشة
عبر تطبيقات المواقع الاجتماعية.

٣. تحديد ألعاب جماعية مع أفراد أسرتك لقضاء سهرة سعيدة بدلًا من الجلوس بمفردك في غرفتك.

٤. لعب ألعاب الفيديو عبر الإنترنت مع أصدقائك وأقاربك.

بجانب هذه النصائح، احرص على الحديث في مواضيع إيجابية تبعث الأمل والسرور في القلوب وتحد من التوتر العام.

٢. مارس هوايتك المفضلة مع الالتزام بالإجراءات الوقائية:

تنفس الهواء النظيف في الصباح مع ممارسة رياضة تحبها يرفع من معدلات هرمونات السعادة، ألا وهي:
السيروتونين والإندورفين؛ مما يقيك من التوتر والاكتئاب فضلًا عن تقوية جهازك المناعي. 

لكن حتى لا تخل بالإجراءات الوقائية، حافظ على المسافة المناسبة بينك وبين الآخرين، مع الحرص على تطهير يديك بالكحول عند ملامسة أي أسطح.

٣. حضور المناسبات مع الالتزام بالتباعد الاجتماعي:

قبل الذهاب إلى أي تجمع اعرف أولًا كم عدد الحضور؛ لمعرفة: هل ستستطيع تطبيق التباعد الاجتماعي، أم لا؟

إذا ذهبت إلى هذه التجمعات ارتدِ الكمامة واكتفِ فقط بالسلام الشفهي على من حولك، مع التطهير المستمر ليديك.

إذا وجدت علامات على الأرض تسهل عليك تطبيق التباعد الاجتماعي، التزم بها.

٤. خذ حذرك عند استخدام وسائل المواصلات:

لا بد أن تمر بخطوة ركوب وسائل المواصلات للذهاب إلى مشاويرك.

من أهم النصائح للحفاظ على التباعد الجسدي في أثناء ركوب وسائل المواصلات:

  • الجلوس في أبعد مكان عن الناس والسائق قدر الإمكان مع ارتداء الكمامة.
  • تجنب ملامسة أي شيء حتى لو كان وجهك.
  • استخدام الكحول قبل ركوب وسيلة المواصلات وبعده.
  • تجنب التجمعات البشرية عند محطات الأتوبيسات أو القطارات -أي اختر مكانًا يتيح لك البعد عن الآخرين بمترين على الأقل.

التباعد الاجتماعي خطوة لا بد منها للنجاة من هذا الوباء حتى يأتي فرج الله بالخلاص منه. لكن لا تنجرف إلى
العزلة وتستسلم لها بحجة الخوف على صحتك لتجد نفسك فريسة للعزلة والوحدة؛ ومن ثم تصاب بأمراض نفسية.

خير الأمور الوسط، تعايش مع أزمة الكورونا واتبع الإجراءات الوقائية، وتوكل على الله.

المصدر
Social vs. Physical Distancing: Why It MattersWhat’s the difference between physical distancing and social distancing?Social Distancing
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق