ترياق الصحة الجنسيةترياق الطفل

التحرش الجنسي بالأطفال pedophilia | ذهاب الأخلاق وموت الضمائر

“إنما الأممُ الأخلاقُ ما بقيَتْ .. فإنْ هُم ذهبَتْ أخلاقُهم ذهبوا”.

ما أجملها من كلماتٍ نُظِّمَت في بيت شعر يحمل من المعاني العميقة والدرر النفيسة ما يحمل؛ فالأخلاق -ونقصد هنا المحمود منها- كلمة واحدة لأفعال وأقوال عدّة.

ومن أسمى الأخلاق وأنْفَسها خُلُقًَا المروءة والحياء، وقد قال خير سلف: “إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت”.

ولما كان ما كان من تبدُّل الزمان وتغُّير نفس الإنسان، باختلاط الثقافات وترك التقاليد والعادات،
سقطت المروءة والحياء عند الكثير من الناس، وكشَّرت الذئاب البشرية عن أنيابها، وأخرجت الأنفس أسوأ ما تحمل!

فها نحن نسمع اليوم عن مرض نفسي ومجتمعي، وفِعلٍ يندى له الجبين وتشمئز منه النفس السوية، ألا وهو التحرش الجنسي بالأطفال؛ فقد صارت حوادث التحرش الجنسي بالأطفال من الأمور التي اعتادتها أسماعنا في الآونة الأخيرة، وكثرت منها شكوى الأطفال وأولياء الأمور.

ومع انتشار هذا المرض النفسي والمشكلة المجتمعية المستعصية، كان لزامًا علينا التحدث عنها في هذا المقال،
وتقديم الحلول الجذرية لمثل هذه المشكلة.

فما هو التحرش الجنسي بالأطفال؟ وما أسبابه؟ وما تأثيره على الطفل؟  

هَلُمَّ بنا -عزيزي القارئ- نتابع معًا الإجابة على كل هذه التساؤلات، ونُلِمَّ بالموضوع من كل جوانبه.

ما هو التحرش الجنسي بالأطفال (pedophilia)؟

يُعَدُّ التحرش الجنسي بالأطفال -ويُسمَّى أيضًا بالبيدوفيليا- نوعًا من أنواع الشذوذ الجنسي، وهو اشتهاء الأطفال دون سن البلوغ جنسيًا، ويحصل فيه المتحرش على الإثارة الجنسية من التخيلات المتكررة أو الانخراط في سلوك جنسي مع طفل غيرِ بالغٍ -عمره 13 عامًا أو أدنى- على مدى ستة أشهر على الأقل.

قد يكون المتحرش ذكرًا أو أنثى، إلا أن نسبة الذكور من المتحرشين أكبر من الإناث، ويشتهي أحد الجنسين من الأطفال أو كليهما.

يظن الكثير أن التحرش الجنسي بالأطفال (Pedophilia) يكون دائمًا من قِبَل الغرباء، لكن ومع الأسف فنسبة التحرش الجنسي بالأطفال بين الأقارب -وربما الإخوة- في البيت الواحد أعلى بكثير من الغرباء. 

أسباب التحرش الجنسي بالأطفال 

ما زالت أسباب التحرش الجنسي بالأطفال غير معروفة لدى الطب النفسي، شأنه شأن غيره من أنواع الشذوذ الجنسي، ولكن نناقش عدة نظريات من الممكن أن تفسر هذا السلوك الغريب.

النظرية الأولى

تتضمن النظرية الأولى احتمالية تعرُّض المتحرش إلى اعتداءٍ أو استغلالٍ جنسي في أثناء الطفولة، على الرغم من أن العلم لم يثبت هذا بشكل جذري.

حيث تشير نماذج التعلم السلوكي إلى أن الطفل الذي يقع ضحيةً للتحرش الجنسي، أو اعتاد مراقبة مثل هذه السلوكيات الجنسية الشاذة، قد يتأثر نفسيًا بمثل هذه الأفعال ويسعى للحصول عليها بتطبيقها.

النظرية الثانية

قد يكون هناك نشاط جنسي معتاد يحدث داخل العائلة ويشتمل على التحرش الجنسي بالأطفال، ولم يَثْبُت ما إذا كان ينتقل إلى المتحرش وراثيًا أو فقط بالسلوك المكتسب.

النظرية الثالثة

قد يكون للتغيرات الفسيولوجية الهرمونية علاقة وطيدة بالتحرش الجنسي بالأطفال؛ فالتغير في مستوى الهرمونات -وخاصةً هرمونات الذكورة- قد يؤدي إلى مثل هذا السلوك العدواني.

وأثبتت الدراسات أن معدل الذكاء لدى المصابين باضطراب التحرش الجنسي بالأطفال أقل منه لدى الإنسان الطبيعي،
كما وُجِدَ أنهم يتعرضون لصدمات متكررة بالرأس في صغرهم عن غيرهم من المعتدلين جنسيًا.

وقد تدخل الصدمات النفسية من ضمن أسباب الإصابة بهذا الاضطراب كنتيجة لبعض الأحداث، مثل: الطلاق،
أو ترك العمل، أو حالات الوفاة لشخص عزيز، أو غيرها من الصدمات التي تؤدي إلى الاضطرابات النفسية.

هل الطفل ينسى التحرش؟

هل الطفل ينسى التحرش؟

مع الأسف، يظل الأمر عالقًا في ذهن الطفل، وغالبًا ما يصاب الأطفال المعرضون للتحرش بالاكتئاب والعزلة الاجتماعية، وفقدان الثقة في أنفسهم وفيمن يحيطون بهم.

وربما يلجأ الطفل الكبير في السن إلى الهروب أو اللجوء إلى تناول المخدرات والكحوليات، لذا فتوفير الأمان للطفل والبدء في العلاج الفوري يجنبنا كل هذه النتائج.

تشخيص التحرش الجنسي بالأطفال نفسيًا

يُعَدُّ تشخيص التحرش الجنسي بالأطفال بشكل صحيح أول خطوات العلاج السليم، لمعرفة ما إن كان فعلًا اضطرابًا نفسيا أم اعتداءً مع سبق الإصرار، وتُشَخَّص المشكلة النفسية كما يلي:

  • الميل إلى اشتهاء الأطفال -دون سن البلوغ، ذوي عمر 13 عامًا أو أقل- جنسيًا لمدة ستة أشهر كحد أدنى عن طريق التخيلات الجنسية، أو الممارسات الفعلية باللمس، أو الإيحاءات الكلامية.
  • تأثير هذه التخيلات والأفعال الجنسية على العلاقات الاجتماعية، وعلى أداء المهام المكلف بها الشخص في العمل أو المهام اليومية الطبيعية.
  • يُقَدَّر عمر المتحرش على الأقل ب16 عامًا، ويكبر الضحيةَ بخمسة أعوام كحد أدنى.

يوضَع في الاعتبار في أثناء التشخيص إن كان الشخص المتحرش ينجذب حصريًا للأطفال أم لا، وما إذا كانت الدوافع الجنسية تقتصر على أقاربه من الأطفال أم تمتد إلى الغرباء أيضًا.

قد تكون مراقبة الشخص المتحرش، أو الفيديوهات الإباحية المسجلة للطفل المُعتَدى عليه جنسيًا، عاملًا مساعدًا في تشخيص المشكلة النفسية لدى الشخص المتحرش.

ويمكن أيضًا قياس الرغبة الجنسية للأطفال لدى المتحرش عن طريق متابعة التغير النسبي لاستجابة الشخص للمحفزات الجنسية.

علاج التحرش الجنسي بالأطفال نفسيًا

غالبًا ما يتجنب الشخص الذي يعاني اضطراب التحرش الجنسي بالأطفال الذهاب إلى الطبيب النفسي للعلاج، إما خوفًا من الفضيحة، أو لأنه يتمادى في الحصول على متعته الجنسية عن طريق التحرش بالأطفال.

ولكن تُعَدُّ أولى خطوات العلاج هي معرفة الشخص المتحرش أن هناك قانونًا رادعًا لحالات التحرش، ومن ضمنها التحرش الجنسي بالأطفال، سواء بالحبس أو الغرامة أو كليهما.

وبمجرد تشخيصه على أن لديه اضطرابًا نفسيًا، سواء بأمر من المحكمة -بإحالته إلى الطب النفسي-
أو بتوجه الشخص المتحرش من تلقاء نفسه لتلقي العلاج، حينها يبدأ الطبيب النفسي في خطة العلاج.

يتضمن علاج التحرش الجنسي بالأطفال علاجًا نفسيًا وآخر عضويًا، وهما كالآتي:

العلاج النفسي

يُعَدُّ العلاج النفسي للتحرش الجنسي بالأطفال هو الخطوة الرئيسية والأكثر فعالية، ويشتمل على العلاج المعرفي السلوكي الذي يعتمد على تعليم الشخص السلوكيات الجنسية السليمة، ومواجهة التشوهات المعرفية لديه.

ويشتمل أيضًا على استمالة عواطف المريض بعرض كم معاناة الضحية من جرَّاء أفعاله، وكذلك المراقبة المستمرة لسلوكه من قِبَل أفراد أسرته، والتدريب على الاعتدال السلوكي لمنع الانتكاس مرة أخرى.

العلاج العضوي

يمكن استخدام بعض الأدوية لمواجهة اضطراب التحرش الجنسي بالأطفال بالإضافة إلى العلاج النفسي، وتتضمن ما يلي:

  • خلات الميدروكسي بروجستيرون وليبرولايد ومضادات الأندروجين لتقليل فرط النشاط الجنسي بتقليل كمية هرمون التستوستيرون في الدم.
  • الأدوية المضادة للاكتئاب -مثل باروكستين– حيث وُجِدَ أنها تقلل الدافع الجنسي، ولكنها لا تستهدف التخيلات الجنسية بشكل فعال.

كيف نتعامل مع الطفل الذي تعرض للتحرش؟

  • لا بُدَّ من احتواء الطفل نفسيًا وعاطفيًا، ومعرفة كافة تفاصيل الواقعة، وإشعاره بالأمان للوصول للجاني.
  • تقديم الدعم النفسي للطفل، وتعريفه بماهية التحرش، وكيفية التعامل مع المتحرش بالشكل الأمثل كي نتجنب مثل هذه الأحداث مرة أخرى.
  • مراقبة تغيُّر سلوكيات الطفل بعد التعرض لواقعة التحرش، ومساعدته على الاعتدال نفسيًا مرة أخرى.
  • الذهاب إلى الطبيب النفسي فورًا إذا بدت على الطفل علامات الاضطرابات النفسية كالاكتئاب أو الميول الانتحارية.
  • تعليم الطفل فنون الدفاع عن النفس، وتدريبه على زيادة الثقة بنفسه للتصدي لأي اعتداء عليه من أي نوع.
  • إعطاء الطفل المساحة الكافية من الحرية، وتشجيعه على حكاية كل ما يحدث له وما يشعر به لحل أي مشكلة في بدايتها والحيلولة دون تفاقمها.
المصدر
PedophiliaChild AbuseThink All Child Molesters are Pedophiles? Think Again.Causes of Pedophilia
اظهر المزيد

د. محمود المغربي

صيدلي إكلينيكي، عملت في المجال الطبي لسنوات اكتسبت خلالها الخبرة الكافية بالإضافة إلى الخلفية الطبية القوية كصيدلي إكلينيكي. أهدف إلى مساعدة الناس على تحقيق حياة صحية أفضل من خلال إعطائهم معلومات دقيقة تستند إلى مراجع طبية موثوقة، بأسلوب كتابة سهل تتحول فيه المعلومات الطبية الأكثر تعقيدًا إلى كلمات سلسة تتدفق بسهولة في ذهن القارئ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق