مفاهيم ومداركنظريات

رحلة في عقل المغتصب والمتحرش

انتهت لتوها من إحدى المحاضرات المسائية، حيث خلت شوارع الجامعة من روادها، لتذهب وزميلها لشراء طعام من إحدى “كافتيريات” الجامعة…

تجاذبا أطراف الحديث…

ثم فجأة! دفع جسده نحوها وحاول أن يفرض نفسه عليها!

لكنها سرعان ما انتبهت، فدفعته عنها وهرولت إلى أن اختفت عن الأنظار…

حين عادت لبيتها، انهمرت في البكاء، ثم جلست تفكر…

“لماذا قرر زميلي التحرش بي؟!”…

يرى العديد من الحقوقيين أن الاغتصاب ليس فقط جريمة قبيحة؛ ولكنه أحد أهم أعراض مجتمع غير صحي، تخشى فيه النساء الرجال.

في عام 1975، أكدت الكاتبة النسوية “سوزان براون ميلر” أن الدافع وراء الاغتصاب ليس الشهوة، ولكن الدافع هو فرض السيطرة. 

تقول أيضًا: “إن جميع الرجال يشعرون برغبة جنسية، لكن ليس كل الرجال متحرشين ومغتصبين”، وتنظر إلى الاغتصاب على أنه سلوك غير طبيعي لا علاقة له بالجنس.

في هذا المقال، سنتعرض لأهم النظريات التي بحثت في دوافع الاغتصاب أو التحرش. لكن قبل أن ندخل في محاولة لفهم عقلية المتحرش الجنسي والمغتصب، دعونا نحدد بالضبط ما نتحدث عنه. 

بين التحرش الجنسي والاغتصاب

بين التحرش الجنسي والاغتصاب

التحرش الجنسي هو أي تلميح جنسي غير مرحَّب به، أو طلب خدمة جنسية، أو أي سلوك لفظي أو جسدي ذي طابع جنسي ينتج عنه إساءة للآخرين أو إهانة لهم.

يُستخدَم مصطلح “العنف الجنسي” للإشارة إلى الأفعال الجنسية التي يُستخدَم فيها العنف للحصول على الجنس.

ويُعرَّف الاغتصاب بأنه “الجماع الجنسي -أو الاتصال الجنسي- غير الطبيعي من قِبَل شخص مع شخصٍ آخر مجبرٍ على الخضوع بالقوة -ضد إرادته- أو بالتهديد الجسدي”.

وتُعَدُّ الموافقة حدًا أو خطًا فاصلًا بين الاغتصاب وغيره، إلا أنها لا تُحوِّل الجنس المنافي للآداب أو غير القانوني إلى جنس مقبول اجتماعيًا أو قانونيًا.

يُعَدُّ الدافع وراء الاغتصاب أو التحرش أمرًا معقدًا ومتشابكًا، واختلف الباحثون في علم النفس اختلافًا عظيمًا حول ما يدور في ذهن المغتصب أو المتحرش.

نظريات حول دوافع التحرشِ والاغتصاب

  • نظرية التطور

من وجهة نظرعلم النفس التطوري“، فإن أسباب التحرش والاغتصاب ترجع إلى أن الرجال لديهم بنية
جسدية أقوى، إذ ترجع أفعال الجنس والعنف أيضًا إلى هرمون التستوستيرون.

يدَّعي أنصار هذه النظرية أن هؤلاء الرجال كانوا قادرين على فرض رغباتهم الجنسية على النساء القادرات على
الإنجاب بشكل أكثر كفاءة، وبالتالي يكون لديهم نسل أكثر يحمل صفاتهم.

ربما كان الاغتصاب جزءًا من التطور لأنه كان طريقة للرجال للالتفاف حول حذر الإناث والحصول على الجنس،
ويزعم هؤلاء أن هذه الصفة التطورية نجت مع مرور الوقت لأنها ضمنت استمرارية الجنس البشري.

  • نظرية السلب

 تبنَّى بعض العلماء نظرية أن الاغتصاب جريمة ملكية، حيث يكون الجنس سلعة يسرقها مغتصب من امرأة،
حيث أن الجنس بالنسبة للبعض سلعة، وإذا كان كذلك فإن أخذه هو سرقة.

وعالم اليوم، تُغذِّيه ثقافة نادرًا ما تناقش الجنس على أنه أي شيء آخر غير كونه سلعة!

بعض الناس غير قادرين على الحديث عن الجوانب الداخلية للجنس. لذا، فليس بمستغرَب أن معظم الشباب لا يتحدثون
ولا يفهمون العلاقة الجنسية الحميمة السليمة.

وبدلاً من ذلك، يغرق الشباب في ثقافة تُضفِي طابعًا جنسيًا على السلع، إذ تبيع الشركات منتجاتها من خلال استغلال
الصفات الجنسية للنساء اللواتي يدعمن المنتج. 

والجنس بحد ذاته -بالنسبة إليهم- محض سلعة، إذ يمكن للرجال شراء الجنس بسهولة في ظل إباحة الدعارة وتقنينها،
كما يمكن للرجال الوصول لمواد إباحية مصورة في يسر شديد.

ولا يوجَد اختلاف جوهري بين ما يحفز المغتصبين، وبين ما يحفز الرجال الذين يقصدون نوادي البغاء.

هذا التأييد الثقافي والتسويق للجنس كسلعة يؤديان إلى زيادة الرغبة، والشعور بالحق في الجنس. 

ويعلم معظم الرجال أن الرغبة الجنسية مثل الجوع؛ إذا ألحَّت، فلا بُدَّ أن تشبعها!

ومن أعجب الدراسات ما انتهت إليه إحداها، حين وجدت أن تسعة وثلاثين بالمائة من المغتصبين المُدانين قد قُبِض
عليهم في أثناء عملية سطو! لقد كانوا بالفعل ينتهكون قوانين التعدي والملكية، فلماذا لا يسرقون شيئًا آخر؟

  • الاغتصاب كجريمة كراهية على أساس الجنس

تتبنى الحركات النسوية الاعتقاد بأن التحرش والاغتصاب ليسا سوى عرض واحد من أعراض أكبر مشكلة لمجتمع يهيمن عليه الذكور.

يدعي النسويون أن الاغتصاب لا شيء سوى عملية تخويف واعية، تبقي -بواسطتها- جميع النساء في حالة خوف دائم من الرجال.

وبناءً على هذا الادعاء، فالرجال يعتقدون بأن لهم الحق في تلبية احتياجاتهم الجنسية عند الطلب، إذ وُجِدَت المرأة لتلبية الاحتياجات الجنسية للرجال وفقط!

قد يحتوي الاعتداء الجنسي والاغتصاب على أدلة تعكس التحيز ضد الإناث، إذ عادة ما يصف الجاني ضحيته بصفات تحطُّ من قدرها، مثل: “العاهرة”!

وختامًا…

فأيًا كانت دوافع المتحرش أو المغتصب، فإننا لا نعني بأي حال من الأحوال تبرير سلوكه المشين أو حتميته.

المصدر
The Psychology of Sexual HarassmentWhat it really takes to stop sexual harassmentTheories of RapeWhen Men Attack: Why (and Which) Men Sexually Assault WomenFour Psychological Traits of Sexual Harassers
اظهر المزيد

د. محمود الرزاز

محمود الرزاز، صيدلي اكلينيكي، و أخصائي معلومات طبية، استمتع بالبحث عن الدليل العلمي، ومهتم بوصول المعلومات الطبية الحديثة للقاريء بلغة بسيطة و مفهومة، في ظل فوضى انتشار المعلومات غير الدقيقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق