مفاهيم ومداركنظريات

التخاطر | عندما تخذلك الكلمة وتنصفك الفكرة!

تخيل معي لو سافرنا عبر آلة الزمن إلى المستقبل، ورأينا أحد الأشخاص مرتميًا على جانب الطريق في وقت متأخر من الليل، عالقًا بين الحشائش والمزروعات بينما انقلبت سيارته رأسًا على عقب…

في حين أنه ساكن في مكانه لا يقوى على الحركة، ينظر إلى هاتفه بجواره ولا تطاله يده؛ قد تبتئس لحاله وتظنه غير قادر على طلب المساعدة، فإذا بخدمة الطوارئ قد لبت نداء استغاثته، وإذا بأصدقائه قادمين لاصطحابه!

ترى، هل يمكن أن يكون هذا هو مستقبلنا حقًا عند تطوير طريقة التخاطر والتواصل بين عقل وآخر؟! 

هل سنستطيع يومًا إيصال أفكارنا عن بعد دون الحاجة للكلام؟! 

ربما! ولما لا؟! 

من المؤكد أنك سمعت أو قرأت مصطلح “التخاطر” من قبل، فربما حكى لك شخص ما قصة خرافية عن التخاطر أو شاهدت أحد أفلام الخيال العلمي. 

ولكننا سنستعرض سويًا بعض التجارب والأبحاث الحديثة والمصطلحات العلمية في هذا الشأن، ونتعرف أكثر إلى “علم التخاطر”.

بدايةً، علم النفس (Psychology) هو الدراسة العلمية للسلوك والإدراك، أما الباراسيكولوجي

(Para-psychology) فهو دراسة خوارق النفس والسلوك، وتسمى “الظواهر الخارقة” التي قد تتجاوز حدود الزمان والمكان والقوة.

ينقسم علم الباراسيكولوجي إلى فرعين رئيسين:

  •  الإدراك خارج الحواس (Extrasensory perception): وهو دراسة الاتصالات الظاهرية دون الأعضاء الحسية المعروفة.
  • التحريك العقلي أو التحريك الذهني (Psychokinesis): وهو دراسة الأحداث الجسدية التي تحدث دون تدخل من أي أعضاء حركية معروفة، وبمعنى آخر هو التلاعب بالأشياء بقوة العقل.

تتضمن عناصر الإدراك خارج الحواس والظواهر الخارقة للعادة:

  • التخاطر: أي التواصل بين شخصين في مكانين منفصلين تمامًا، وخارج نطاق الأعضاء الحسية لكل منهما.
  •  الاستبصار: أي المعرفة بالأشياء المخفية أو الأحداث التي تحدث خارج متناول الشخص المادي.
  •  الإدراك المسبق: أي المعرفة بالأحداث المستقبلية التي لا يمكن التنبؤ بها أو الاستدلال عليها من المعلومات المتاحة.

ما هو التخاطر؟

علم التخاطر: هو العلم المعني بدراسة وتفسير الانتقال المباشر للفكر من شخص (مرسل) إلى شخص آخر (مستقبل)،
دون استخدام وسائل الاتصال الحسية المعتادة، ومن ثم فهو من أشكال الإدراك خارج الحواس الخمس

في البداية، سُميّ الاتصال بين عقلين دون استخدام القنوات الحسية المعروفة “نقل الأفكار”، ثم أصبح يعرف لاحقًا باسم “التخاطر”. 

التخاطر الروحي

عادة ما يحدث التخاطر الروحي بين الأشخاص الذين بينهم عَلاقة مودة وحب، وقد شاع حدوث هذه الظاهرة بين الأزواج أو أفراد الأسرة الواحدة أو الأصدقاء المقربين.

وبعبارة أخرى: فإن العَلاقة بين الأشخاص المعنيين عاطفية، وليست جسدية أو وراثية.

ومثال على ذلك: تم رصد حالة أخت تعيش في (إيطاليا)، وذات يوم شعرت بآلام وأعراض لا يمكن تفسيرها جسديًا،
ثم علمت لاحقًا بتطابق ما شعرت به مع أعراض الولادة المبكرة لأختها التوأم التي تعيش في (فيلادلفيا).

كانت الأخت التي تعيش في إيطاليا على علم بحمل أختها، ولكن لم يكن لديها ولا أختها التوأم الحامل أي علم بوجود إشارات على وجود مشكلات في الحمل! 

التخاطر الروحي

بيولوجيا التخاطر

نظرًا لأن تلك الظواهر الخارقة لا يمكن رؤيتها أو قياسها، فيصعب على الجميع تصديقها أو الإيمان بوجودها،
ومع ذلك، فإن الأبحاث الحديثة لعلم التخاطر تستكشف الآليات البيولوجية المحتملة وراء مثل هذه الظواهر.

المرآة العصبية

 أظهرت العديد من الدراسات أنه يمكننا قراءة عقول الآخرين لأن لدينا خلايا عصبية تعمل بمثابة مرايا آلية،
فيمكننا استيعاب نوايا ومشاعر الآخرين تلقائيًا.

في عام 2007، وجد أستاذ علم النفس (جريجور دومز) وزملاؤه دليلًا على أن القدرة على تفسير الإشارات الاجتماعية الدقيقة يمكن تعزيزها بواسطة الأوكسيتوسين (وهو هرمون يزيد الثقة ويؤثر في السلوك الاجتماعي).

ولكن هل يمكن أن يحدث ذلك عندما تفصل المسافات الطويلة بين الناس؟! 

هذا ما سنعرفه لاحقًا.

التواصل غير المرئي

في عام 2005، وظف عالم الأحياء (روبرت شيلدريك) ومساعدته الباحثة (بام سمارت) 50 شخصًا من خلال موقع توظيف؛ للمشاركة في تجرِبتهم. 

شملت التجربة أيضًا أربعة أفراد مهمتهم إرسال بريد إلكتروني، وقبل دقيقة واحدة من الوقت المحدد مسبقًا،
كان على المشاركين تخمين من سيرسل البريد. 

أجريت التجربة 552 مرة، وجاءت 43% من التخمينات صحيحة، وكانت هذه النتيجة أكثر من النسبة المتوقعة جدًا،
فقد كان من المتوقع أن تأتي النتيجة 25% إذا كانت مجرد صدفة.

أما في عام 2008، أجرى الطبيب النفسي (جانيسان فينكاتاسوبرامانيان) وزملاؤه دراسة لتصوير المخ لشخص يزعم أن بإمكانه التخاطر، ثم مقارنة صور مخه مع شخص آخر لا يمكنه التخاطر.

استطاع الشخص المتخاطر تقديم وصفٍ مشابهٍ لصورة أعدت له من قبل، بينما لم يتمكن الشخص الآخر من ذلك.

أثبت هؤلاء الأطباء أنه عندما نجح الشخص المتخاطر في وصف الصورة، تم تنشيط “التلفيف المجاور للحصين الأيمن”، بينما لم ينشط في الشخص الآخر، وبدلًا من ذلك، تم تنشيط “التلفيف الأمامي السفلي الأيسر”.

ملحوظة: التَّلْفيفُ المُجَاوِرُ للحُصَين (Parahippocampal Gyrus) هو منطقة في المخ تقع في الجانب الإنسي من القشرة الصدغية القذالية السفلية، وتؤدّي دورًا هامًا في تشفير الذاكرة المكانية واسترجاعها،
والتعرف على المشاهد البيئية.

التخاطر الذهني

ارتبطت فكرة نقل الأفكار من عقل إلى آخر بمجالات الخيال العلمي وقصص الخوارق، وكلاهما خارج نطاق العلم والدراسات.

ولكن في عام 2014، أجريت بعض الأبحاث لإثبات إمكانية التخاطر الذهني والتواصل بين عقلين علميًا.

فقد أجرى عالم الأعصاب (كارلوس غراو) وزملاؤه من جامعة برشلونة تجربة ذكية، التقطوا فيها إشارات من أشخاص في الهند باستخدام مخطط كهربية المخ، ثم أرسلوها عبر الإنترنت كرسائل بريد إلكترونية إلى أشخاص آخرين في فرنسا قد تم تزويدهم بمحفزات مغناطيسية للدماغ.

علمًا بأن أجهزة التحفيز المغناطيسي -التي تستخدم لعلاج القلق والاكتئاب– قادرة على تحفيز النشاط العصبي في الدماغ كهربائيًا من خلال فروة الرأس.

دُرب الأشخاص في الهند على توليد إشارات من المخ تمثل إما واحدًا (1) أو صفرًا (0) باستخدام جهاز مراقبة الارتجاع البيولوجي.

كان الواحد يمثل تخيل الأشخاص تحريك أيديهم، والصفر يمثل تخيل الأشخاص تحريك أقدامهم، ثم بعد ذلك أرسلت الآحاد والأصفار من الهند إلى فرنسا.

ثم فكر الباحثون بترميز سلسلة من الآحاد والأصفار في كلمات مثل “hola” و “ciao”، كما في شفرة مورس العصبية، مما يدل على أن التواصل اللغوي البسيط كان ممكنًا.

للعلم: شفرة مورس (Morse code) هي شفرة حرفية من أجل إرسال المعلومات التلغرافية.

رصدت التجربة معدلات الخطأ في إرسال الآحاد والأصفار، التي تراوحت بين 1٪ إلى 11٪، ويمكن القول بوجه عام أن التخاطر عن بعد قد نجح.

الاستنتاجات

إن الأدلة العلمية على إمكانية تحقيق التخاطر عن بعد ما زالت ضعيفة وتفتقر إلى المزيد من البراهين الإثباتات.

كما أن التجارِب والدراسات قد أجريت على شريحة صغيرة جدًا من البشر، ولم تتكرر النتائج مرة أخرى كما يجب،
ولكن يعتقد كثير من العلماء أن تكرار أي تجربة من هذا القبيل غير ممكن من الناحية الإحصائية.

على الرغم من ذلك، فإن فرضيات التجارب السابقة تشير إلى أن:

  1. أدمغتنا قادرة على التقاط إشارات اجتماعية دقيقة.
  2. عقولنا قادرة أن تعكس تلقائيًا نوايا الآخرين وعواطفهم كالمرآة.
  3.  إذا كان البشر لديهم القدرة على التخاطر الروحي، فقد تتفاوت قدراتهم في ذلك.
  4. قد يشارك الحصين والمنطقة المجاورة للحصين داخل المخ في التخاطر؛ نظرًا لأنهما يشاركان في دمج الذكريات والجوانب الخفية للتواصل اللغوي (مثل إدراك سخرية الآخرين).
  5. طريقة “التخاطر عن بعد” يمكن أن تحدث، ولكن يبدو أن مازال هناك المزيد من التحديات والغموض،
    وأن احتمالية تطبيق ذلك الأمر ليس بالصورة التي تروجها أفلام الخيال العلمي.

ولكن مع استمرار التجارب والأبحاث، ربما سنشهد ولادة وسيلة اتصال جديدة، تكون بمثابة ثورة حقيقية تغير عالمنا بالطريقة التي فعلها التلغراف أو الهاتف أو المحمول. 

وفي يوم من الأيام، بدلًا من إرسال الرسائل النصية، أو التحدث، أو النظر إلى الكاميرا من أجل التواصل؛
قد يكفينا التفكير فقط في رسائلنا لكي تصل إلى من نريد، دون عناء الكتابة أو التحدث. 

وإذا أصبح ذلك ممكنًا، فينبغي أن نفكر أيضًا في أضرار التخاطر المحتملة: 

هل سنفقد خصوصية أفكارنا؟! 

هل سيهددنا خطر القرصنة وإدراج الأفكار الضارة إلى عقولنا؟!  

هل سيمْكننا حذف اتصالات معينة أو فصل أجزاء من المخ عن العمل؟!

وأخيرًا، على افتراض الجانب الإيجابي: 

إذا ثبت التواصل بين العقل والعقل عمليًا، فسيسهل علينا نقل الأفكار التي لا تستطيع الكلمات والنصوص وتعبيرات الوجه إيصالها بصورة صحيحة.

ويمكن أيضًا تغيير طريقة تعامل البشر مع بعضهم بعضًا إلى الأبد، من خلال ترسيخ عمق التواصل وإثرائه. 

ففي بعض الأحيان قد تخوننا الكلمات، أما الأفكار فلا!

المصدر
Telepathy Is RealThe Consequences of TelepathyMental Telepathy is RealThe Biology of TelepathyRelevance of para-psychology in psychiatric practice
اظهر المزيد

د. مي جمال

صيدلانية ومترجمة وكاتبة محتوى طبي. أحب البحث والتعلم، ولا أدخر جهداً لمشاركة وتبسيط ما تعلمت للآخرين. أعتز بالنفس البشرية، وأهوى البحث في أعماقها، ولا أجد أبلغ من الكلمات للتعبير عنها ومناقشة قضاياها، مساهمةً في نشر الوعي والارتقاء بحياة البشر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق