ترياق الصحة الجنسيةترياق الطفل

التربية الجنسية للأطفال | الثقافة الجنسية ما بين العيب والحرام

يرتبط مفهوم الجنس في مجتمعاتنا الشرقية والعربية ببعض الدلالات السلبية كـ “الشهوة” و”العيب” و”الحرام”، أو “الأذى الذي لابد منه” وأشياء من هذا القبيل، ودائمًا هناك نوع من التعتيم عندما يتعلق الأمر بالجنس.

ظهر مؤخرًا بعض المناشدين بأهمية الثقافة الجنسية، وقد عده الكثير مجرد تقليد أعمى للغرب؛ إذ إن التربية الجنسية للأطفال والثقافة الجنسية عمومًا تلقى الكثير من الاهتمام في مدارس الغرب.

أَعجب كثيرًا ممن يقول بأنه تقليدٌ للغرب، وأتوجه إليهم بسؤال: كم من آيات قرآنية وأحاديث نبوية تحدثت عن أمور متعلقة بالجنس كشيء طبيعي تمامًا مثل باقي أمور الحياة؟

هناك الكثير بالطبع، لو كان أمرًا مخجلًا؛ أما كان أولى بديننا العفيف ألا يتطرق له، ببساطة؟!

وهناك أيضًا كثيرون يعتقدون أن التحدث عن الجنس والثقافة الجنسية قد يفتح عيون الأبناء على أمور هم في غنى عنها، وأنهم أنفسهم تزوجوا دون الحاجة إلى معرفة أي شيء من هذه الأمور! 

وهؤلاء أقول لهم: كم من  أخبار نسمعها يوميًا عن اعتداءات جنسية وتحرشات وضحايا التحرش واضطرابات الهوية الجنسية؟! وعن فتيات لديهن نفور من فكرة الزواج؟! وكم المعتقدات الخاطئة حول الجنس بين الشباب؟!

اقرأ أيضًا عن: اضطراب الهوية الجنسية.

وضع الرؤوس في الرمال لا يعني أن المشكلة ليست موجودة، والأولى بالآباء والأمهات أن يأخذوا بأيدي أبنائهم إلى بر  الأمان، وأن يضمنوا لهم صحة نفسية وجنسية آمنة.

فهيا بنا نسلط الضوء على هذا الأمر الشائك، ونتعرف على مفهوم الثقافة الجنسية، وأهمية التربية الجنسية للأطفال، وكيف تبدأ الحديث مع طفلك…

الجنس

هو غريزة طبيعية وفطرة فطرنا الله سبحانه عليها لضمان بقاء الجنس البشري، والذي يجب أن يكون داخل أطر شرعية.

وما ينبغي أن يتبادر إلى أذهاننا عند سماع هذه الكلمة هو الجزء المرتبط بالزواج والمتعة الحلال والمودة والسكن، وليس العيب والحرام والمقزز. 

أهمية التربية الجنسية للأطفال

أهمية التربية الجنسية للأطفال

قد يتجنب الكثير من الآباء والأمهات في مجتمعاتنا الحديث عن الجنس مع أبنائهم لعدة أسباب.

فقد يمنعهم حياؤهم من فتح تلك النقاشات، أو افتقارهم إلى المعلومات الصحيحة، أو عدم تمكنهم من إيصال المعلومة إلى أبنائهم.

يتعرض أبناؤك -أيها المربي الفاضل- لمعلومات حول الجنس من مصادر متعددة، مثل: المدرسة والأصدقاء ووسائل الإعلام، في سن مبكرة، فكن على يقين أن ابنك لديه الكثير من المعلومات عن الجنس أكثر مما تتوقع!

ومن هنا تأتي أهمية التربية الجنسية للأطفال ، إذ إن طفلك لديه فضول طبيعي حول الجنس، والبدء المبكر بمعلومات مناسبة وصحيحة لإشباع هذا الفضول هو الطريقة الأضمن لطفلك.

تساعد الثقافة الجنسية للأطفال على فهم أجسادهم والشعور بالإيجابية نحوها، والاعتزاز بهويتهم الجنسية، وكذلك احترام الجنس الآخر.

وتساعدهم أيضًا على معرفة كيفية التعامل مع أعضائهم التناسلية، بتعليمهم ما يخص أمور الطهارة والنظافة الشخصية وكيفية تحصين هذه الأعضاء من أي حرام؛ سواء من أنفسهم (العادة السرية أو الاستمناء)، أو من الآخرين (التحرش وغيره).

التربية الجنسية للأطفال حسب السن

تختلف التربية الجنسية للطفل حسب عمره، فلا يجوز تركه دون معرفة، وكذلك لا يجوز تقديم معلومة قبل أوانها، فيما يلي بعض الإرشادات التي قد تساعدك في تقديم المعرفة المطلوبة حسب المرحلة العمرية:

مرحلة ما قبل الولادة

قد تندهش عزيزي القارئ وتقول: أي تربية جنسية تبدأ قبل الولادة؟!

ما أقصده هو: “تخيروا لنطفكم”، ويتحقق ذلك باختيار شريك حياة سوي؛ لا يعاني صراعًا مع هويته أو ما شابه.

كذلك حسن اختيار اسم للمولود بما يتناسب مع جنسه، لأن اختيار اسم غير مناسب ربما يجعل الطفل كارهًا اسمه وهويته بالتبعية عندما يكبر، فانتبه.

من الولادة إلى عمر سنتين

يتعلق الأمر في هذه المرحلة فقط بالسماح لطفلك باستكشاف جسمه بالكامل، والبدء في الإشارة إلى الاختلافات البسيطة بين الأولاد والبنات.

عليك أن تضع حدودًا حول العُري، فالأطفال في هذه السن يفضلون أن يكونوا عراة طوال الوقت، وأيضًا لا تبدِ انزعاجًا من فضلات الطفل، فيتكون لديه اعتقاد أن “هذه المنطقة من جسدي مقززة!”

الهدف النهائي هو أن يكون طفلك متصالحًا مع جسده بالكامل دون خجل.

اقرأ أيضًا: لماذا لا يجب ممارسة الجنس أبدًا أمام الأطفال؟

من 2-5 سنوات

عقل الطفل في هذه المرحلة كالإسفنج، وعلى استعداد لامتصاص المعلومات حول أي شيء وكل شيء،
إذا لم يكن لديهم تفسير منطقي بالنسبة  إليهم، فسيستخدمون مخيلتهم.

يبدأ الطفل عادة في هذه المرحلة بسؤال “من أين أتيت؟”.

احذر أن تقدم لطفلك إجابات ساذجة، مثل: “لقد اشتريناك من محل بيع الأطفال” أو “لقد وجدناك أمام المسجد”!

اعرض المعلومة الصحيحة بأسلوب مبسط وبما يتناسب مع عقل الطفل.

أخبره أن الطفل ينمو داخل بطن الأم -ستكون أكثر تحديدًا فيما بعد فهم يريدون المفاهيم الأساسية فقط-،
وأن هناك حاجة إلى جزء من الرجل وجزء من المرأة لإنجاب طفل.

أره أمثلة حية على التكاثر وأفهمه أن جميع الكائنات الحية بحاجة إليه، فالثمار تحوي بذورًا، والكلاب لديها جراء،
والبشر لديهم أطفال.

أكد له مفهوم احترام خصوصية الآخرين.

فيجب أن يستأذن للدخول إذا وجد باب غرفتك مغلقًا، ولا يدخل قبل أن يسمح له، وكذلك احترم أنت خصوصيته بالمقابل.

إذا انتبهت لطفلك يلمس أعضاءه التناسلية، فاسأله إذا كان يشعر بألم في هذه المنطقة، ربما يعاني التهابًا ولا يستطيع التعبير عن ذلك، أو ربما يخجل من إخبارك.

وإذا لاحظت تكرار الأمر دون وجود سبب لذلك، فقاطعه بهدوء وشتت انتباهه، ولا تشعره أبدًا بالخجل من نفسه،
وفي وقت لاحق يمكنك مناقشة الأمر معه.

من 5-8 سنوات

يمكنك شرح تفاصيل أكثر عن أعضاء الجسم ومن ضمنها الأعضاء التناسلية، وكذلك كيفية تكوين الجنين بشيء من التفصيل؛ مستعينًا ببعض المجسمات أو الصور العلمية لتوضيح ذلك.

هذه المرحلة التي يستوعب فيها طفلك كل ما تقوله. لذلك لا تضيع على نفسك فرصة أن تكون المصدر الرئيس للمعلومات الصحيحة، فأنت بذلك ترسل لطفلك رسالة مفادها “يمكنك التحدث معي في أي شيء”

وإذا لم تفعل، فسيحصل عليها من مكان آخر.

علمه الاعتناء بجسده وأجزائه الخاصة، وأيضًا امتلاك مهارات الرفض، وعدم السماح لأي شخص أن يلمس أجزاءه الخاصة، وإذا حدث فلا بُدَّ من الصراخ والهروب من المكان وألا يتردد في إخبارك.

اقرأ أيضًا: التحرش الجنسي بالأطفال، ذهاب الأخلاق وموت الضمائر

أكد له مفهوم العلاقات السوية وضرورة وجود الحب في حياتنا؛ فهناك حب لأفراد العائلة والأقارب والأجداد وأيضًا للأصدقاء.

اعلم أن الطفل يتعلم بالتكرار، وأن التربية عمومًا تحتاج إلى المثابرة والصبر، وأن ما تزرعه اليوم يحتاج سنين كي تجني ثماره.

اقرأ أيضًا عن: أثر التربية في صورة الطفل على نفسه مستقبلًا.

من 9-12 سنة

قد تكون هذه فرصتك الأخيرة للتحدث بينما لا يزال طفلك على استعداد للاستماع إليك، فمع اقترابهم من سن المراهقة،
سيعتمدون أكثر على أصدقائهم للحصول على إجابات لتساؤلاتهم.

ستؤكد على كل ما سبق ولكن بتفصيل أكبر، وكذلك حدثهم عن التغيرات الجسدية والاجتماعية والعاطفية المتوقعة مع سن البلوغ.

تحتاج الفتيات إلى الاستعداد للدورة الشهرية، والأولاد إلى المزيد من التفاصيل عن الاحتلام، لا أن يتفاجئوا حينها!

أكد على سنن الطهارة وغض البصر وحفظ الفرج، وأهمية تحصين أنفسهم من أي محرمات قد يتعرضون لها.

يمكنك الاطّلاع على: إدمان العادة السرية، عندما لا تستطيع المقاومة.

المراهقة وما بعدها

إذا لم تبدأ في التحدث إلى أطفالك حول الثقافة الجنسية، فمن الأفضل أن تتحرك، لم يفت الأوان أبدًا للبدء،
ولكن سيكون الأمر أكثر صعوبة.

للمزيد يمكنك الاطلاع على هذا المقال: حوار صحي جنسي مع ابني البالغ.

الثقافة الجنسية للاستعداد للزواج

في هذه المرحلة يجب إعداد الفتيات والشباب لكل ما يخص الزواج وأحكام العلاقة الحميمية، والفرق بين رغبة الرجل والمرأة، وهدف كل منهما في العلاقة.

وإذا كان هناك ما يزعج أحد الطرفين من الآخر -خاصة النساء- فلا حرج من التحدث مع الزوج،
إذ إن الثقافة الجنسية ليست عيبًا؛ بل تجعلهم يتفادون الأخطاء والمشاكل بسبب الجهل بما يتعلق بالعلاقة الجنسية.

فالأصل أن يهتم كل طرف بالآخر وأن يلبي له احتياجاته ويحقق له السعادة.

اقرأ أيضا عن: أثر الأفلام الإباحية نفسيًا | كيف تُفلِت من المصيدة؟

كذلك عدم الانصياع وراء المعلومات المغلوطة، والتوقعات المبالغ فيها والتي تصدرها لنا الأفلام والمسلسلات كل يوم
عن شكل العلاقة بين الرجل والمرأة. 

إن الزواج هو مجموع كل من الحب والمسئولية والالتزام، وتقديم التنازلات والتضحيات -في بعض الأحيان- من الطرفين. 

الأسرة هي عماد المجتمع. إذا قامت على أسس ودعائم قوية صلح سائر المجتمع، وإذا فسدت اختل توازنه،
وظهر لنا كثير من المشاكل التي أصبحت اليوم لا تخفى على الجميع!

أبناؤنا أمانة أمام الله في أعناقنا، فلنكن خير حافظ لها!

المصدر
My Kid Needs to Know What? An Age By Age Guide to Sex Education – And What to Do! (by Cath Hakanson)When and How to Talk to Kids About SexSex education for children: Why parents should talk to their kids about sex
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق