مفاهيم ومدارك

التسويف | انهض وتوقف عن المماطلة.

لم أجد مقدمة أبدأ بها مقالي عن التسويف أفضل من حكايتي عن أحد الأصدقاء المقربين، ويعمل مدربًا للفنون القتالية.

فقد تدربت معه منذ الصغر -منذ عشرين عامًا تقريبًا- في إحدى محافظات الصعيد فترة من حياتي، ولديه من المهارات القتالية وفنون الدفاع عن النفس ما تعجز أمامه، وترفع له القبعة.

كان دائمًا يحلم أن ينشر ما لديه من فنون قتالية، ويرسم لنفسه الخطوات الفعلية لتحقيق هذا الحلم. ولمَّا كانت تأتيه الفرص الذهبية لتحقيقه، لم يكن ينتهزها مع الأسف؛ بل اعتاد التأجيل والمماطلة.

ضاعت منه الفرصة تلو الأخرى، وما زال قابعًا في مستنقع “سأفعل لاحقًا” حتى قارب العقد الرابع من عمره على الانتهاء، ولم يحقق شيئًا حتى الآن.

وأنت عزيزي القارئ، هل تقع في شراك فخ التسويف والمماطلة؟! هل ضاعت منك الفرصة تلو الأخرى بسبب التسويف فأصبحت حياتك فشلًا يعقبه فشل؟!

هل فقدت راحة البال بسبب تراكم المهمات عليك، ولا تعرف كيف تستعيد متعتك في الحياة مجددًا؟!

إذا كانت إجابتك “نعم”، فأنت في أمَسِّ الحاجة إلى هذا المقال، لمعرفة ماهية مشكلة التسويف وأسبابها، ووضع الحلول الجذرية لها، كي تتحول حياتك إلى الأفضل والنجاح الدائم.

ما هو التسويف؟

التسويف -أو المماطلة- هو تأجيل أداء الأعمال والمهام -وخاصةً الشاق منها- إلى وقت لاحق، دون عذر مقبول أو سبب معقول، رغم معرفة الشخص أن للتسويف أضرارًا، سواء عليه شخصيًا أو على جودة العمل نفسه.

ويقوم مبدأ التسويف على ثلاثة محاور أساسية، وهي:

  • الرغبة في الإشباع الفوري

وهي رغبة الشخص في الحصول على لذة وعائد فوري من إنجاز المهمة.

  • تَجَنُّب الألم

والمقصود هنا كل أنواع الألم، بدءًا من الشعور بالفشل والخوف، مرورًا بالإرهاق والإجهاد، ووصولًا للألم الجسدي الذي قد تسببه بعض المهام.

  • نقص الحوافز

فالحوافز أمر هام يدفعك لإنجاز العمل، وتختلف من عمل لآخر، ويُعَدُّ الخوف من الآثار المترتبة على عدم إنجاز العمل في وقته المناسب هو أشهر الحوافز الدافعة للعمل، ولكنه غالبًا -ومع الأسف- يأتي متأخرًا.

ويَدَّعِي الشخص المتسِّم بالتسويف أن أداءه أفضل تحت الضغط، بل يقنع نفسه بذلك. لكن أثبتت الأبحاث أن العمل في اللحظة الأخيرة يؤدي إلى قلة جودة العمل، بالإضافة إلى تعرُّض الشخص لمشكلات نفسية -وربما بدنية- تؤثر عليه لفترة من الزمن.

آلية التسويف

آلية التسويف

للتسويف آلية تحدث معنا جميعًا، ولكن تتفاوت في درجاتها بين شخص وآخر. ولفهم هذه الآلية، نضرب مثالًا بسيطًا.

تخيل معي أن لديك 10 أيام لتسليم مشروع في العمل، أو للمذاكرة من أجل الامتحان، ومعلوم أنهما من الأعمال التي تشعر معها بالضيق والملل (وهذا الشعور من أنواع الألم النفسي)، كما أن ليس لهما عائد فوري تشعر به؛ ففي الغالب تشعر بالنفور من هذه المهمة وتلجأ للتسويف.

وتهرب من هذه المهمة بفعل الأشياء التي يرى عقلك فيها مهربًا، ولها لذة وعائد فوري، مثل: تصفُّح مواقع التواصل الاجتماعي، أو متابعة نملة تخرج من جحرها ذاهبة للتسوق ثم تعود مرة أخرى، أو محاولة إيجاد حلول استراتيجية لحل أزمة سد النهضة.

يظل التسويف مستمرًا حتى تصل لنقطة من الضغط النفسي الذي يضطرك إلى البدء في العمل وإنجاز المهمة.

ويُفسَّر الأمر علميًا بأن هناك مقدارًا من الألم ناتجًا عن المهمة، ومقدارًا من الخوف -وهو المحفز الطبيعي الداخلي-
من عدم إنجاز المهمة في وقتها.

فمقدار الألم يظل ثابتًا، ومع مرور الوقت يزداد معه الخوف تدريجيًا، حتى تصل إلى نقطة يتساوى فيها مقدار الخوف مع مقدار الألم، أو يزيد عنه، وهنا يبدأ العمل وينتهي التسويف.

ثم تكتشف أنك خلال مدة بسيطة -قد تصل مع البعض لمجرد سويعات- استطعتَ إنجاز جزء كبير من العمل المؤجل،
وأن هذا العمل لم يكن بهذا المقدار من الألم كما كان في مخيلتك، ثم تندم على ما فاتك من وقت في التسويف والمماطلة.

أسباب التسويف

أسباب التسويف

عندما نتحدث عن أسباب التسويف، فيجب التطرق إلى أن إنجاز أي مهمة يحتاج إلى التحكم بالنفس لأدائها،
مع وجود الحافز لإخراج العمل بالجودة المطلوبة في الوقت المناسب.

وعند تواجد الأسباب المحبطة والمُعوِّقة -القادم ذكرها- لإتمام العمل، فإن الأمر يؤول إلى التسويف. 

ومن أسباب التسويف والمماطلة الأكثر شيوعًا ما يلي:

  • الأهداف المجردة

والمقصود بها الأهداف غير المقيدة بخطة تفصيلية زمنية لتنفيذها؛ فهي غالبًا ما تسبب التسويف.

فمثلًا: هدفٌ مثل الذهاب إلى الجيم لممارسة الرياضة هو هدف مجرد، ويصبح قابلًا للتنفيذ إذا كانت له خطة محددة،
كالذهاب إلى الجيم يوم الأحد، وممارسة الرياضة لمدة ساعة.

  • المكافآت المستقبلية بعيدة المدى

فطبع البشر يميل إلى الرغبة في الإشباع الفوري، والحصول على نتائج ملموسة على المدى القصير.

  • الانفصال عن الذات المستقبلية

فأغلب الناس ينظرون لمستقبلهم على أنه مستقبل أشخاص آخرين.

فمثلًا: إذا نصحك الطبيب بوقف التدخين لأنه في غضون 5 أعوام سيسبب لك أمراضًا خطيرة، حينها تنفصل عن ذاتك المستقبلية كأنها مستقبل شخص آخر، فتؤجل إيقاف التدخين.

  • التفاؤل بالمستقبل

هو أمر جيد إذا كان مبنيًا على خطة واضحة قابلة للتنفيذ فعليًا، ولكن تكمن المشكلة إذا كانت ثقة الشخص في قدراته لإنجاز المهمة في المستقبل زائدة عن اللازم. وبالتالي، فإنه يلجأ للتسويف.

  • التركيز على الخيارات المستقبلية

حيث يتجنب الشخص أحيانًا إجراءً في الوقت الحالي من  أجل اتباع مسار أكثر جاذبية -كما يزعم- في المستقبل.

فمثلًا: قد يتجنب الشخص البدء في ممارسة الرياضة بمفرده في المنزل، من أجل الانضمام إلى إحدى صالات الألعاب الرياضية -وفق خطة تفصيلية لاحقًا- ما يؤدي به إلى التسويف.

  • السعي للكمال

وهو من أشهر أسباب التسويف؛ فإما أن يؤدي الشخص المهمة على أكمل وجه بالشكل المثالي، أو لا يؤديها من الأساس.

  • التردد

وهو أيضًا من أشهر أسباب التسويف، حيث يلجأ الشخص إلى التسويف لعدم قدرته على اتخاذ قرارات صائبة في الوقت المناسب.

  • الشعور بالإرهاق

وهو ما يزعمه البعض إذا كانت المهمة ضخمة أو تراكمت عدة مهمات صغيرة معًا، ولكن الأمر في الحقيقة أبسط بكثير إذا بدأ الشخص في أداء المهمة.

  • النفور من المهمة

وغالبًا ما يكون بسبب إعطاء الأمر أكثر من حقه.

  • الكسل
  • الخوف من تقييم الناس أو ردود الفعل السلبية
  • قلة القدرة على ضبط النفس
  • عدم توافر الحوافز أو الطاقة الكافية لأداء المهمة

علاج التسويف والمماطلة

كما اتضح في هذا المقال، فإن التسويف من المشكلات الكبيرة التي تواجهنا جميعًا، ولكن بدرجات متفاوتة من شخص لآخر، ومن مهمة لأخرى.

فعليكَ أن تكون صادقًا مع نفسك وتحدد الأسباب التي تؤدي بك إلى تأجيل الأعمال؛ فعلاج المشكلة يبدأ من تحديد أسبابها الحقيقية.

وإليك -عزيزي القارئ- تقنيتين تساعدانك في علاج مشكلة التسويف والمماطلة:

  1. التقنية الأولى (تقنية العشر دقائق)

تعتمد هذه التقنية على كسر الحاجز النفسي لبدء العمل؛ فعليك أن تشرَع في العمل، ثم تضبط المنبه بجانبك لمدة عشر دقائق تعمل خلالها، ثم تأخذ قسطًا من الراحة مدة الخمس دقائق، ومن ثَمَ تعاود العمل مجددًا عشر دقائق أخرى، وهكذا.

  1. التقنية الثانية (قائمة المُشتِّتات) 

ضع ورقة بجانبك في أثناء العمل، وكلما جاء في رأسك ما يُشتِّتك عن العمل (مثل: تصفح مواقع التواصل الاجتماعي،
أو استكشاف المنزل من جديد، أو غيرها من المُشتِّتات)، اكتبه في هذه القائمة وأكمل عملك. وبعد الانتهاء من العمل،
ستلاحظ أنك لا ترغب في فعل هذه المشتتات، لأنها لم تكن سوى مهربٍ من أداء المهمة.

ونقدم لكم بعض النصائح الهامة للمساعدة في حل هذه المشكلة:

  • ضع خطة مُحكمة، مقيدة بوقت، قابلة للتنفيذ على أرض الواقع للمهمة المكلَّف بها.
  • قَسِّم العمل الضخم إلى أعمال صغيرة يمكنك تنفيذها بسهولة.
  • حدِّد نقاط الصعوبة في العمل، وجِدْ حلولًا لمواجهتها وتخطِّيها.
  • كافئ نفسك بعد الانتهاء من أي مهمة كنوع من الإشباع الفوري، كتناول مشروبك المفضل مثلًا.
  • حفِّز قوة إرادتك، وقلِّل من اندفاعك نحو الأشياء.
  • تفاءَل خيرًا -بعد وضع الخطة والبدء بتنفيذها- بأنك ستنجز العمل في وقته، وتجنَّبْ أن يصبح الأمر من أحلام اليقظة.

ختامًا عزيزي القارئ…

تذكَّر أنك وُهِبْتَ قدرات ومهارات عالية تفوق التوقعات، وتستطيع بها إنجاز الأعمال المُوكَلة إليك. تذكَّر أنك في الوقت الذي تشكك فيه في نفسك، هناك مَنْ يتهيب قدراتك.

وتذكَّر أيضًا أن التسويف يفسد أوقات الراحة كما يفسد العمل، وهو ظلم لنفسك في النهاية.

المصدر
Why People Procrastinate: The Psychology and Causes of ProcrastinationProcrastinationProcrastination: A Scientific Guide on How to Stop ProcrastinatingWhat Is Procrastination?
اظهر المزيد

د. محمود المغربي

صيدلي إكلينيكي، عملت في المجال الطبي لسنوات اكتسبت خلالها الخبرة الكافية بالإضافة إلى الخلفية الطبية القوية كصيدلي إكلينيكي. أهدف إلى مساعدة الناس على تحقيق حياة صحية أفضل من خلال إعطائهم معلومات دقيقة تستند إلى مراجع طبية موثوقة، بأسلوب كتابة سهل تتحول فيه المعلومات الطبية الأكثر تعقيدًا إلى كلمات سلسة تتدفق بسهولة في ذهن القارئ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق