ترياق الحياة الصحيةمفاهيم ومدارك

التعافي بعد الصدمة النفسية

أصيب (أحمد) بصدمة نفسية شديدة إثر تعرضه لحادث سيارة كاد أن يودي بحياته. 

وقد أثرت هذه الصدمة فيه بشدة، وانتابته أعراض نفسية وجسدية صعبة، مثل: القلق، والاكتئاب، والكوابيس، واضطرابات النوم، وغيرها. 

حاول أصدقاؤه تخفيف الصدمة النفسية التي تعرض لها بشتى الطُرق؛ فذهبوا به إلى طبيب نفسي، ووفروا له الإسعافات النفسية الأولية التي يحتاجها، ودعموه ووقفوا بجانبه، حتى استطاع التعافي نهائيًا من هذه الصدمة.

في هذا المقال، سنخبركم كل ما تحتاجون معرفته عن كيفية التعافي بعد الصدمة النفسية، فتابعوا معنا القراءة.

لكن، دعونا أولًا نتعرف إلى مراحل الصدمة النفسية، وأنواعها، وأسبابها…

الصدمة النفسية

تُعرَف الصدمة النفسية بأنها “استجابة عصبية للحوادث المؤلمة التي يتعرض لها الشخص، وغالبًا ما تكون هذه الحوادث مهدِّدة لحياته وسلامته بشكل كبير”. 

أمثلة على بعض الحوادث التي قد تسبب صدمة نفسية:

  • الكوارث الطبيعية.
  • جرائم العنف، مثل: القتل، أو السطو المسلح. 
  • حوادث الطُرق شديدة الخطورة.
  • الاعتداء الجنسي. 
  • الاعتداء الجسدي.
  • فقدان شخص عزيز.
  • الحروب والحوادث الإرهابية. 

ليس بالضرورة أن يكون الشخص ضحية لهذه الحوادث، ولكن مجرد حضوره وقت حدوثها -أو مشاهدتها- قد يسبب له صدمة نفسية.

الأعراض المصاحبة للصدمة النفسية

يشعر الشخص بعد تعرضه لصدمة نفسية بمجموعة من الأعراض النفسية والجسدية، وتشمل تلك الأعراض النفسية:

  • الإنكار.
  • الخوف الشديد.
  • الغضب.
  • القلق.
  • الاكتئاب.
  • الحزن الشديد.
  • الشعور بالذنب.
  • فقدان الأمل.
  • التشوش.
  • صعوبة التركيز.
  • اضطراب النوم.
  • رؤية الكوابيس. 

أما الأعراض الجسدية، فتشمل:

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

  • الصداع. 
  • التعرق الشديد.
  • تسارع ضربات القلب.
  • مشكلات هضمية.
  • الشعور بالإعياء.
  • الدوار.
  • الغثيان أو القيء.

يمكن أن تخف هذه الأعراض وحدها بمرور الوقت، ويمكن للشخص حينها التعافي بعد الصدمة النفسية، دون الحاجة إلى تدخل طبي.

يجب أن تتوفر للشخص سُبل الدعم والرعاية المناسبة من المحيطين به، من أجل تخفيف الصدمة النفسية. 

لكن في بعض الأحيان، قد تكون هناك حاجة إلى العلاج النفسي بعد الحوادث المؤلمة.

تزداد تلك الحاجة خاصة إذا استمرت أعراض الصدمة لفترة طويلة، وأعاقت الحياة الطبيعية للشخص، وأثرت فيها سلبًا، فيتحتم عليه حينها التوجه إلى المتخصصين لطلب العلاج النفسي. 

والآن، بعد أن تعرفنا إلى المسببات المحتملة للصدمة النفسية وأعراضها، هيا بنا لنلقي نظرة على مراحلها المختلفة.

مراحل الصدمة النفسية 

توجَد أربع مراحل للصدمة النفسية:

1- مرحلة تأثير الصدمة (أو مرحلة الطوارئ)

هذه المرحلة تلي التعرض للصدمة مباشرة، وفيها يكافح الشخص من أجل التكيف مع المشاعر الصادمة التي تعرض لها. وتجد الشخص المصدوم في هذه المرحلة:

  • شديد التوتر والقلق. 
  • شديدُ اليقظة والانتباه. 
  • شديد الشعور بالذنب.

2- مرحلة الإنكار

ليس بالضرورة أن يمُرَّ كل مَن تعرض لصدمة نفسية بهذه المرحلة؛ فبعض الأشخاص قد لا يمُرون بها على الإطلاق.

في هذه المرحلة، يحاول الشخص المصدوم تجنب المشاعر المؤلمة التي انتابته جرَّاء الحادث، إما بوعي، أو بدون وعي، وقد يلجأ بعضهم إلى تعاطي المواد المخدرة في هذه المرحلة.

3- مرحلة التعافي بعد الصدمة النفسية على المدى القصير

في هذه المرحلة، يحاول الشخص العودة إلى حياته الطبيعية، والتعايش مع المشاعر المؤلمة والمشكلات التي يمُرُّ بها جرَّاء الصدمة، وغالبًا ما يحتاج إلى الدعم المادي والمعنوي من المحيطين به.  

قد تستمر الكوابيس والأفكار المؤلمة عن الحادث في مراودة الشخص في هذه المرحلة أيضًا.

4- مرحلة التعافي بعد الصدمة النفسية على المدى الطويل 

في هذه المرحلة، يمكن للشخص التعافي تمامًا من أثر الصدمة النفسية، ومتابعة حياته بشكل طبيعي.

لكن هذا الشخص سيظل بحاجة إلى الدعم والرعاية من الأهل والأصدقاء، وربما احتاج إلى زيارة المتخصصين من وقت إلى آخر للاطمئنان على صحته النفسية. 

لكي يتخطى الشخص المراحل الأربعة السابق ذكرها بعد تعرضه لحادث مؤلم، يجب عليه أن يتعلم كيفية التعامل مع الصدمة النفسية بشكل صحيح. 

ولكن دعونا نناقش -قبل ذلك- أنواع الصدمات النفسية وعلاجها…

أنواع الصدمات النفسية وعلاجها

توجَد عدة أنواع من الصدمات النفسية، منها:

  • الصدمة الحادة: وتنتج من تعرض الشخص لحادث واحد (مؤلم وخطير).
  • الصدمة المزمنة: تحدث هذه الصدمة نتيجة التعرض المستمر -والمتكرر لفترة طويلة- لبعض الأحداث المؤلمة، مثل: الاستغلال الجسدي أو الجنسي للأطفال، التنمر، العنف المنزلي. 
  • الصدمةُ المركبة: وتنتج من التعرض لأحداث مؤلمة متعددة. 
  • الصدمة الثانوية: أو الصدمة غير المباشرة، وفيها يصاب الشخص بأعراض الصدمة، نتيجة لاتصاله الوثيق بشخص آخر تعرض لحادث مؤلم. 

والآن، هيا بنا لنتعرف إلى سُبل التعافي بعد الصدمة النفسية.

كيفية التعامل مع الصدمة النفسية

هل يمكن التعافي بعد الصدمة النفسية دون مساعدة طبيب؟ الإجابة: نعم.

فكما ذكرنا سابقًا، ليس بالضرورة أن يخضع الشخص إلى العلاج النفسي بعد الحوادث الصعبة التي مَرَّ بها، ولكن عليه أن يفهم مشاعره في تلك الفترة، ويحاول التعامل معها بفاعلية، حتى لا تسوء حالته، ويستطيع العودة إلى حياته الطبيعية بعد ذلك. 

إليك -عزيزي القارئ- بعض النصائح التي قد تساعدك على تخفيف الصدمة النفسية التي تعرضت لها:

  • تجنَّب الانعزال عن الآخرين

في تلك الفترة، قد تشعر بالحزن الشديد، وفي الرغبة بأن تظل وحيدًا وبعيدًا عن الآخرين. لكن تذكَّر أن هذا الانعزال قد يزيد الطين بلة، ويجعل مشاعرك تزداد سوءًا!

أما البقاء بقرب مَن تحب والتواصل مع الآخرين، فسيساعدك على التعافي بعد الصدمة النفسية، والتغلب على المشاعر المؤلمة التي تشعر بها.

يمكنك فعل الآتي:

  • الاشتراك في مجموعات الدعم النفسي.
  • الاشتراك في الأنشطة الاجتماعية والعمل التطوعي.
  • التواصل مع الأصدقاء القدامى.
  • تكوين صداقات جديدة مع مَن تجمعك بهم اهتمامات مشترَكة، ويمكنك فعل ذلك عن طريق الأنشطة الاجتماعية التي اشتركت بها، أو عن طريق الصداقة الإلكترونية.  
  • مارِس الرياضة بانتظام

الأنشطة البدنية تساعد الجسم على التخلص من التوتر والقلق. تعمل الرياضة أيضًا على زيادة إفراز هرمون الإندورفين، والذي يساعد على تقليل التوتر، وتحسين المزاج. 

يمكنك ممارسة التمارين الرياضية في الأماكن المفتوحة، أو بالقرب من المساحات الخضراء، لأن رؤية هذه الأماكن تساعد على تحسين المزاج وتهدئة الأعصاب. 

  • اهتم بصحتك

تذكَّر دائمًا أن الصحة الجسدية والصحة النفسية أمران مترابطان؛ فإذا كنت تتمتع بصحة جسدية جيدة، سيُسهِّل ذلك عليك مهمة إدارة قلقك والسيطرة عليه. 

اهتم بصحتك عن طريق:

  • تناول الغذاء الصحي المتوازن. 
  • تجنب المنبهات والمشروبات المحتوية على الكافيين.
  • الحرص على أخذ القسط الكافي من النوم. 
  • ممارسة بعض الأنشطة التي تساعد على الهدوء، مثل: تمارين التنفس العميق، أو اليوجا

لكن، ماذا لو فعلت كل ذلك وما زالت الصدمة التي تعرضتَ لها تقف عائقًا أمام مواصلة حياتك، ولم تختف أعراضها مع الوقت؟!

في تلك الحالة، يجب أن تسرع بالتوجه إلى الطبيب النفسي. سيتبع معك الطبيب بعض الطُرق العلاجية، ومن أهمها: العلاج المعرفي السلوكي لاضطراب ما بعد الصدمة.

العلاج المعرفي السلوكي لاضطراب ما بعد الصدمة

ابتُكِر هذا النوع من العلاج بواسطة طبيبة النفس “باتريشيا ريسيك” -خصيصًا- لعلاج اضطراب ما بعد الصدمة.

يتكون العلاج المعرفي السلوكي من أربعة أجزاء:

1- مساعدة المريض على تمييز أعراض ما بعد الصدمة التي يمُرُّ بها، وإقناعه بأهمية الخضوع للعلاج من أجل التخلص منها. 

2- زيادة وعي المريض حول الأحاسيس والمعتقدات التي يحملها عن نفسه، وعن الحدث المؤلم الذي تعرض له؛ فإدراك وجود هذه المشاعر والمعتقدات -وإخراجها من أعماق النفس إلى السطح- أول خطوة فعالة من خطوات العلاج.

3- تعليم المريض مهارات التعامل مع مشاعره بعد الصدمة، وكيفية التغلب على السيئ منها. 

4- تغيير معتقدات المريض -عن العالم وعن نفسه- التي اكتسبها بعد تعرضه للصدمة؛ سيساعده ذلك على العودة إلى حياته الطبيعية، لأن عدم تغيير هذه المعتقدات يعني أنه ما زال عالقًا في الحادث، ولن يستطيع ممارسة ما اعتاد عليه قبل لحظة وقوعه. 

في النهاية…

عزيزي القارئ، تذكَّر أنه عند تعرض أحد أحبائك لصدمة نفسية ما، فإن دعمك له سيؤدي دورًا عظيمًا في مساعدته على التعافي.

فاشدد أزر مَن تحب، ولا تدَّخِر وقتًا أو جهدًا في دعمه معنويًا وماديًا، حتى يتخطى أزمته، ويعود إلى حياته الطبيعية. 

المصدر
What is trauma? What to knowTrauma - reaction and recoveryEmotional and Psychological TraumaCognitive Processing Therapy for PTSD
اظهر المزيد

د. سارة شبل

سارة شبل، طبيبة أسنان وكاتبة محتوى طبي، شغوفة بالبحث والكتابة منذ الصغر، أسعى إلى تبسيط العلوم الطبية وأتوق إلى إثراء المحتوى العلمي العربي، لكي يتمكن يومًا ما من منافسة نظيره الأجنبي بقوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى