ترياق الأمراض النفسية
أخر الأخبار

كيفية التعامل مع الذكريات المؤلمة

لم يكن ذاك اختياري..
حينما داهمني الخوف مرة، وأصاب قلبي بسهمه الأليم، لم يكن ذاك اختياري.
عندما خيم الحزن بروحي، وعششت غربانه في ضلوعي، لم يكن ذاك اختياري.

ربما يا صديقي العزيز، سقطت مثلي أسيرًا لذكرى مؤلمة تثقل كاهلك.

وربما تخشى انفراد الذكريات بك متى أرخى الليل سدوله؛ إذ تسكن الأصوات من حولك، ولا يُسمع في الكون سوى أنينك.

في هذا المقال، سأحدثك عن التعامل مع الذكريات المؤلمة. وأدعوك لأن تقاسمني حزنك، وتفتح لي قلبك، وتشاركني أفكارك؛ علنا نعرف كيف نسكت ضجيج عقولنا، ونطفئ لهيب قلوبنا.

كيف تتكون الذكريات؟

كيف تتكون الذكريات المؤلمة ؟

ما هي الذاكرة؟

ذاكرتك هي متحفك الخاص؛ تمتلئ بذكرياتك وصور من تجاربك السابقة والحالية. وهي قدرتك على اكتساب، وتخزين، واسترجاع المعلومات التي تقابلها في حياتك اليومية. ولها دور مهم في التعامل مع الذكريات المؤلمة.

كيف تتحول الصور والمواقف إلى ذكريات؟ 

يقوم دماغك بتشفير المدخلات الحسية مثل الصوت والصورة والرائحة، وتحويلها إلى شحنات تنتقل بين خلاياك العصبية في مسار معين.

وتخزن تلك المعلومات في ذاكرتك قصيرة المدى التي تحتفظ بالمعلومات الجديدة لثوان معدودة. 

إذا كانت المعلومة أو الذكرى مهمة، وتشغل حيزًا كبيرًا من انتباهك، ستنتقل من الذاكرة قصيرة المدى، لتُخزّن في مناطق معينة من الدماغ، كالذاكرة طويلة المدى. 

حينما تستقر تلك الذكريات في رأسك، تتمكن من استرجاعها كلما أردت ذلك، أو كلما مررت بمكان يحفز تلك الذكرى في رأسك. 

يمكنك أن تتخيل المسارات التي تصنعها المعلومات الجديدة كطريق ممهد بين نقطتين.
كلما قصدت ذلك الطريق وكثر زواره، ظلت معالمه واضحة. 

ولكن إذا صار مهجورًا، فمن الممكن أن تطمس الرمال معالم ذلك الطريق.
وكذلك الذاكرة؛ إذ تعتمد على تكرار المعلومات، ورغبتك في استرجاعها، للحفاظ على ما تعلمته. 

المخ والتعامل مع الذكريات المؤلمة

حينما تتعرض لموقف مخيف، ينتبه عقلك للمدخلات الحسية كالأصوات والصور، ويعمل على تكوين ذكريات بخصوص تلك المدخلات، حتى يتمكن من إبعادك عن مصدر الخطر إذا تعرضت لنفس المؤثرات مرة أخرى.

عندما يداهمك خطر محتمل، ينشط جزء من دماغك يسمى باللوزة المخية، فتشعر بالخوف. وتحفز اللوزة المخية بعض مناطق المخ المسئولة عن الهروب بهدف حمايتك.

وتتعاون اللوزة المخية مع مناطق أخرى مثل القشرة المخية؛ التي تعمل على إخماد الإحساس بالخطر إذا كان التهديد الذي تعرضت له غير حقيقي.

دعني أضرب لك مثالًا: 

لو جلست وحدك في المنزل وسمعت صرير الباب فجأة، قد تثب من مقعدك خوفًا؛ فذلك الصوت يعني وجود خطر محتمل، أهو لص؟

ولكن إذا رأيت النافذة مفتوحة، تهب منها الريح فتحرك الباب فستهدأ، لأنك أدركت أن ذلك الصوت لا يمثل خطرًا حقيقيًا، وإنما صوت طبيعي.

في بعض الحالات المرضية مثل: حالات القلق واضطراب ما بعد الصدمة، يصيب العطب ذلك التناغم بين اللوزة المخية والقشرة المخية، فتستمر في إرسال إشارات الخوف والهلع رغم غياب مصدر الخطر.

كيفية التخلص من الذكريات السلبية

كيفية التخلص من الذكريات السلبية

ربما تسأل نفسك الآن: إذًا كيف أمحو الذكريات السيئة؟ 

لا يزال السعي وراء علاج أو دواء فعال يساعدك على التعامل مع الذكريات المؤلمة مستمرًا.

ويطل العلماء -بين الحين والآخر- بتجارب على الفئران تهدف لمحو ذكريات معينة متعلقة بالخوف والقلق. 

ولكن إليك بعض الطرق والنصائح التي قد تخفف وطأة الأمر عليك، وتعينك على التعامل مع الذكريات المؤلمة. 

حدد المحفزات

يعتمد استرجاع المشاعر والذكريات الأليمة على وجود محفز يدفعك للتذكر. ويمكننا تقسيم تلك المحفزات إلى فئتين:

  • محفزات يمكن تجنبها: مثل الروائح والأماكن المرتبطة بالذكريات المؤلمة.
  • محفزات لا يمكن تجنبها: مثل الأصوات العالية المفاجئة؛ إذ تثير تلك هلع بعض المصابين باضطراب ما بعد الصدمة.

يرفع إدراكك لوجود تلك المحفزات من قدرتك على إخماد الشعور بالخوف. إذ يعتاد عقلك على غياب الخطر رغم وجود المحفزات.

تحدث مع معالجك النفسي

تحدث مع معالجك النفسي

قد تفيدك بعض جلسات العلاج النفسي، الفردي أو الجماعي، في التعامل مع الذكريات المؤلمة.

وقد يشجعك معالجك النفسي على سرد تلك الذكريات الأليمة مرة أو اثنتين أسبوعيًا، أو يطلب منك كتابتها في مذكراتك. 

يهدف ذلك لتخفيف الألم النفسي المصاحب للذكرى المؤلمة؛ فحينما تسترجع ذكرى معينة بإرادتك الحرة، فإنك تملك فرصة تعديلها وتخفيف قسوة تفاصيلها. 

في كل مرة تراودك ذكرى حزينة، عدل التفاصيل قليلًا، وحاول تذكر بعض التفاصيل السعيدة، أو الأقل حزنًا.
سيتذكر عقلك النسخة المعدلة من القصة في المرات التالية، وهكذا.

العلاج بالتعرض والعلاج الدوائي

من الممكن أن يقترح المعالج النفسي جلسات العلاج بالتعرض لمرضى اضطراب ما بعد الصدمة.
إذ يواجههم المعالج النفسي بمخاوفهم وكوابيسهم تدريجيًا في بيئة آمنة.

أما إذا كنت تعاني من بعض الاضطرابات النفسية الأخرى مثل الاكتئاب، فقد يصف طبيبك بعض مضادات الاكتئاب لتخفيف حدة الأعراض، ومساعدتك على تجاوز الأمر.

قمع الذاكرة

تعتمد تلك النظرية على فكرة تشتيت عقلك عن الذكريات المؤلمة.
فإذا داهمتك ذكرى لا تود مواجهتها، شتت عقلك بالتفكير في معضلة ما، أو حل مشكلة معقدة. 

يعتقد بعض الباحثين أن هذه الطريقة تمحو -عمدًا- الذكريات المؤلمة، تمامًا كما تطمس الرمال طريقا مهجورا. 

ولكن كبت مشاعرك قد لا يكون الخيار الأمثل في التعامل مع الذكريات المؤلمة، إذ يأتي بنتائج عكسية، فكن حريصًا عند اتباعك لذلك الأسلوب.

ويمكنك -عوضًا عن ذلك- أن تحاول التركيز على الذكريات السعيدة، وربطها بالذكريات السيئة.
فلو تذكرت مثلًا موقفًا محرجًا، حاول أن تتذكر موقفًا مشابهًا تصرفت فيه بشكل أفضل.

أبقِ ذهنك حاضرًا

عش اللحظة الحالية، ولا تترك عقلك يسبح ضد تيار الزمن؛ فلا جدوى من النظر إلى الماضي، ولا فائدة ترجى من ترقب المستقبل بقلق. 

امنح نفسك الفرصة لتكوين ذكريات جديدة مريحة، وركز في تفاصيل يومك، واجعل حواسك منتبهة لما يدور حولك.
سيُبقي ذلك ذهنك حاضرًا.

انظر للذكريات بإيجابية

مهما كانت ذكرياتك مؤلمة، ومهما كانت تجاربك قاسية، لا تدعها تصرف عقلك عن الدرس المستفاد من تلك التجربة. 

تجعلك المواقف القاسية أكثر قوة وحكمة في مواجهة مصاعب الحياة.

عبر عن مشاعرك

لا تُبق مشاعرك وأحزانك دفينة، بل عبر عنها بأي وسيلة كالكتابة أو الرسم أو التحدث مع أحد أصدقائك المقربين. 

ستتمكن من التعامل مع الذكريات المؤلمة بشكل أفضل، لو تمكنت من إطلاق سراح ألمك.

التزم بنمط حياة صحي

يعزز نمط الحياة الصحي سلامك النفسي وقدرتك على التعامل مع الذكريات المؤلمة، لذا:

  • احرص على ممارسة رياضة خفيفة بانتظام.
  • تناول طعامًا صحيًا، وابتعد عن الوجبات السريعة.
  • حافظ على عدد ساعات نوم كافية.
  • تطوع في إحدى الأنشطة الاجتماعية.

أما بعد، يا صديقي العزيز، لعلك الآن تحس بشيء من القوة، وترى بريقًا من الأمل ينير لك الطريق.

ولعلك تدرك أن بيدك مفاتيح خلاصك من هذا الألم. 

لا ينقصك سوى أن تنفض عن نفسك غبار الزمن، وتدير ظهرك لكل ما يؤلمك ويقض مضجعك.
هون على نفسك، وأخبرني بالله عليك، أما آن لجرحك أن يندمل؟

المصدر
How human memory worksHow are memories formed?How memories form and how we lose themHow the brain purges bad memoryHow to forget a bad memoryHow erase bad memoriesBad memories? 8 ways to detox yourselfIs it possible to make yourself forget something?Erasing bad memories
اظهر المزيد

د. لميس ضياء

صيدلانية إكلينيكية، قضيت شطرًا من عمري بحثًا عن العلم، وأنوي قضاء الشطر الآخر في تبسيط ما تعلمته وتقديمه بلغة سهلة مستساغة للجميع. تستهويني النفس البشرية وأسعى دومًا لسبر أغوارها، وفك طلاسمها، وفهم ما قد يؤرقها من اضطرابات واعتلالات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق