ترياق الحدث

التلعثم وحرب الانتخابات الأمريكية

  • أأ… أأأ…
  • اصمُت، أنتَ لا تدري ما تقولُه!

تلكَ كانت كلماتُ الرئيسِ الأمريكي (دونالد ترامب) إلى المرشحِ المنافسِ له (جو بايدن) على رئاسةِ الولاياتِ المتحدةِ الأمريكية! 

اشتباكٌ وتراشقٌ بالكلماتِ منذ الدقيقةِ الأولى! 

مناظرةٌ غريبةُ الأطوار؛ رئيسُ دولة يتنمرُ على طريقةِ حديثِ منافسه المتلعثمِ بأسلوبٍ وقح!

والآخَر يهاجمهُ بكلماتٍ تبدو مبهَمةً وغيرَ متصلةٍ ببعضها!

إليكم تِرياق “التلعثمُ والانتخاباتُ الأمريكيَّة”…

التلعثم وفقدان القدرة على الحديث بطلاقة

(جورج السادس) ملك بريطانيا العظمى المتلعثم! 

قصة تبدو خيالية ولكنها حقيقية… 

الملك الصغير الذي عانى “التلعثم” في أثناء الحديث أو ما يعرف بـ “التأتأة”.

وفي أوج الحرب العالمية الثانية، كان عليه أن يلقي خطابًا رسميًّا وحتميًّا للأمة البريطانية، بعد تخلي أخيه الأكبر عن العرش!

كيف يمكن ذلك؟!

كيف يمكن لملك متلعثم أن يتحدث إلى العامة بطلاقة؟!

وكيف يمكن للعالم أن يشاهد مناظرة بين مرشحين رئيسين لرئاسة أكبر دولة في العالم، وأحدهما يتلعثم عند الارتباك؟!

دعونا في بداية الأمر، نعرف: ما هو التلعثم (stuttering)؟

التلعثم مشكلة في النطق وإظهار مخارج الحروف، ويعرف أيضا بـ “التأتأة”، أو “الكلام المتقطع”.

وأشهر علاماته:

  • كلمات وأصوات ومقاطع مكررة بشكل نمطي.
  • تأخر في خروج مقاطع الصوت.
  • بطء معدل الحديث.

طبقًا لـ (الهيئة الوطنية للصمم ومشاكل التحدث)، يصيب التلعثم من ٥-١٠% من الأطفال عند مرحلة عمرية معينة، غالبًا ما بين سنتين إلى ست سنوات.

معظم الأطفال تنتهي معاناتهم مع التلعثم بمجرد البلوغ، لكن يبقى ما يقارب ٢٥% يعاني التلعثم مع سن البلوغ!

نسبة ليست بالهينة مطلقًا، أليس كذلك؟

تابع معي -عزيزي القارئ-؛ لتعرف الأنواع الرئيسة للتلعثم. 

أنواع التلعثم وعدم القدرة على التعبير بالكلمات

هناك ثلاثة أنواع محددة للتلعثم، وهي: 

  • تطورية: أكثر شيوعًا لدى الأطفال الأقل من خمس سنوات وبالأخص الذكور، يحدث عندما تتطور لديهم القدرة على الحديث وتعلم اللغة، وتنتهي تلقائيًّا مع البلوغ.
  • عصبية: إشارات عصبية غير طبيعية بين العقل والأعصاب وعضلات الفك؛ تتسبب في التلعثم.
  • نفسية: يحدث هذا النوع نتيجة لمشكلة في المركز المسؤول عن التركيز والمنطق في الدماغ.

وبعد أن تعرفنا إلى أنواع التلعثم، لنتطرق سريعًا إلى أعراضه الأشهر…

أعراض التلعثم أو التأتأة

يخاف المتلعثم البدء بالحديث نتيجة القلق والتوتر؛ لكي لا تظهر الأعراض التالية: 

  • تغييرات جسدية، مثل: تشنج عضلات الوجه، تخشب الشفاه، تحريك الرموش بشكل لا إرداي ومستمر، توتر في باقي الوجه والنصف العلوي من الجسم.
  • الإحباط من مجرد محاولة التكلم والتواصل مع الآخرين.
  • التردد والتوقف قبل بدء أي محادثة حتى مع أصدقائه المقربين.
  • توتر وتحشرج في مخارج الحروف والصوت.
  • إصدار أصوات مزعجة وطويلة، مثل: أنا أدعى أحممممممممممد.
  • إعادة ترتيب الكلمات البسيطة بعد نطقها ثانية.

تلك كانت الأعراض الأشهر لمريض التلعثم، لكن من أين جاءت؟

أسباب التلعثم وطرق علاجه

هناك أسباب عدة تسهم في حدوث التلعثم، أشهرها:

  • تاريخ عائلي حافل بالتلعثم.
  • الأمراض النفسية والعصبية.
  • إصابات الرأس، مثل الجلطة الدماغية؛ من الممكن أن تسبب “التلعثم العصبي”.
  • الصدمات العاطفية الشديدة من الممكن أن تسبب “التلعثم النفسي”.

علاج التلعثم

ليس كل الأطفال المتلعثمين في حاجة إلى علاج، فالأمر قد يعالج ذاتيًّا بمجرد البلوغ، لكن في حالة استمرار الوضع، لا بد من تشخيص المرض على يد طبيب مختص، والبدء في خطة العلاج النفسي، وهي:

  • إلقاء الخطاب والحديث: تدريب الطفل على إلقاء الخطاب والحديث يقلل التقاطع بين الجمل ويحسن ثقته بنفسه؛ فتتحسن صحته النفسية وقدرته على التواصل الاجتماعي.

يعتمد طبيب التخاطب في التدريب على السيطرة على مخارج الحروف ومقاطع الصوت، وتشجيع الطفل على مراقبة جودة كلماته وتطورها، ومراقبة طريقة تنفسه في أثناء الحديث وكفاءة حنجرته.

  • التسجيل الصوتي: أن يبدأ المتلعثم بقراءة كتاب ما تحت تأثير صوت خارجي، ويُسجل صوته على أسطوانة خاصة به ليستمع إليها لاحقًا، وكانت النتيجة مبهرة!

.

  • لا داعي للعلاج بالأدوية: لا يوجد حتى الآن دواء رسمي وفعال لعلاج التلعثم.
  • العلاج التقليدي عبر الإنترنت (أونلاين): في ظل أزمة الكورونا العالمية، ابحث عن طبيب تخاطب عبر الإنترنت. 

هل يعد التلعثم مرضًا نفسيًّا؟ وما هي الآثار النفسية السلبية للتلعثم؟

لا يمكن عد التلعثم مرضًا نفسيًّا يحتاج إلى علاج، الأمر أبسط من هذا بكثير، هو مجرد بطء وتأخر في النطق ومخارج الحروف ومقاطع الصوت.

من الممكن أن يكون السبب وراثيًّا أو نتيجة لتاريخ العائلة، لكنه ليس مرضًا عقليًّا نشبهه بالفصام أو الاضطراب الوجداني ثنائي القطب، بل على العكس تمامًا، وهو ليس دلالة على ضعف مستوى الذكاء، وليس مرضًا يسببه القلق أو التوتر الشديد. 

تخيل لو يصبح القلق سببًا للتلعثم؛ لصرنا كلنا متلعثمين متأتئين!

أشهر الأعراض النفسية للمصاب بالتلعثم:

  • الخوف والشعور بالعار.
  • الغضب والشعور بالذنب.
  • الارتباك وتشتت الذهن.
  • القلق ونوبات الهلع.
  • الإحراج والشعور بالحنق.
  • الانعزالية والبعد عن التواصل الاجتماعي.
  • رهاب الأماكن العامة والتحدث المباشر.

هل يقف الأمر إذًا على العلاج من دون حلول وقائية فعالة!

إليك خمس نصائح مهمة من ترياقي للوقاية من التلعثم

  • تحدث ببطء ووضوح: حديثك بشكل متزن وواضح وبسيط يقلل من مشاعر القلق والتوتر النفسي المصاحبة للتلعثم. 

درب نفسك على التحدث يوميًّا بمعدل بطيء نسبيًّا، في البداية أمام المرآة أو الهاتف المحمول، ومع الوقت ابدأ بزيادة وتيرة الكلمات تدريجيًّا حتى تصل إلى درجة الطلاقة في الحديث.

  • تجنب الكلمات المحرجة: إذا كانت هناك بعض الكلمات المقلقة بالنسبة إليك، حاول تجميعها في ورقة خاصة وتفادي استخدامها إلى أن تصل فيها إلى درجة الإتقان.
  • تركيز ذهني كامل: ذهنك الحاضر وتركيزك المكتمل يعدان ركيزتين أساسيتين للتخلص من القلق والتوتر.
  • العلاج السلوكي المعرفي: وهو مسؤولية طبيب التخاطب في تغيير فكر المتلعثم عن المشكلة وتوضيح أبعادها وطرق علاجها.
  • الدعم المعنوي: سواء كان من الأهل أو العلاج النفسي الجماعي. فالتشجيع والدعم المعنوي يسهمان في تحسين الصحة النفسية للمتلعثم، ويساعدان على سرعة شفائه من مشكلة التلعثم.

ختامًا…

التلعثم ليس مرضًا نفسيًّا، بل هو مشكلة تحتاج إلى دعم وعلاج نفسي وتأهيلي بسيط، لتستعيد زمام السيطرة على كلماتك.

تذكر أن كلمات الملك (جورج السادس) كانت هي مفتاح النجاح والبقاء أمام الطغيان، عندما لم يتبقَّ لهم أي شيء… 

وانتصروا في النهاية! 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق