ترياق الأمراض النفسيةترياق المرأة

التعلق المرضي | يا من هواه أعزَّه وأذلَّني!

تُعَدُّ مدة الحمل هي البداية لتكوين رابط عاطفي بين الأم وجنينها؛ فتجد الأم تتحدث مع ذاك الصغير حتى قبل أن تراه،
وتحدثه عن مدى حبها له، وانتظارها لرؤيته بفارغ الصبر.

ومع حلول الثلث الأخير من الحمل، يستطيع هذا الجنين تمييز صوت أمه ويستجيب له على الفور؛
فتبدأ نبضات قلبه بالارتفاع، مما يعني “أنا منتبه إلى صوتك يا أمي”.

يُولَد هذا الطفل ويظل ملتصقًا بأمه لا يريد سواها؛ فهي كل عالمه، كلما ابتعدت عنه بكى يطلبها،
فإذا عادت إليه يهدأ على الفور؛ فقد عادت إليه دنياه!

ثم يصبح هذا التعلق هو المحرك للتطور المعرفي والعاطفي والاجتماعي لهذا الطفل فيما بعد،
ويمكن أن تؤثر الطريقة التي تستجيب لها الأم -أو مقدمو الرعاية عمومًا- في التصور الذي يتبناه هذا الطفل عن العلاقات طوال حياته.

ِفمن الطبيعي أن يتعلم الطفل التواصل مع الآخرين في الإطار الطبيعي والصحي، ويدرك كذلك مفهوم الروابط العاطفية بينه وبين الآخرين.

ولكن أحيانًا -ولا تعجب- يتعلم هذا الصغير النضال في العلاقات عندما يواجه سوء معاملة من أقرب الناس له، ويمكن أن يكون لذلك تأثير دائم على تكوين علاقات مستقرة بالآخرين، ومن هنا يتضح لنا مفهوم التعلق المرضي.

اقرأ أيضًا: أثر التربية في صورة الطفل على نفسه مستقبلًا.

التعلق المرضي

يشعر الجميع بنوع من التعلق ببعض الأشخاص أو الأشياء أو الأماكن، وهذا أمر طبيعي؛ فإذا كان لديك شيء تحبه، فمن المنطقي أنك تشعر بضيق من فكرة فقده.

ولكن عندما يبدأ هذا التعلق بإعاقة حياتك أو حياة الآخرين، أو يسبب ضغطًا وشعورًا بعدم الأمان أو القلق، أو الخوف بأي شكل من الأشكال، حينها يصبح تعلقك بهذا الشيء مرضيًا.

علامات تشير إلى كونك مصابًا بمرض التعلق (Unhealthy Attachment).

إليك بعض الإشارات التي قد تنبهك إذا كنت تعاني التعلق المرضي:

  • تعتمد مشاعرك على حضور واهتمام الطرف الآخر

من الطبيعي جدًا أن تستمتع بقضاء الوقت مع مَنْ تحب، وتشعر بالرضا والسعادة في وجوده،
وتشعر أيضًا ببعض الضيق عند غيابه أو انشغاله عنك. ولكن من غير الطبيعي السماح لذلك بتعكير مزاجك بالكامل لبقية يومك!

في العلاقات الصحية، تستمتع مع مَنْ تحب، ولكنك أيضًا تستمع بمفردك، عليك التمسك بشخصيتك وبفكرة أنك شخص لديه مسؤوليات وحياة مستقلة، مع أو دون هذا الشخص.

لا تعتمد العلاقات على الحب فحسب؛ بل تتطلب أيضًا الدعم والتفاهم، فكثرة التضييق واللوم تؤذي فعلًا،
كما أنها إشارة إلى أنك مصاب بالتعلق المرضي بهذا الشخص.

  • تشعر أنه لا يمكنك العيش دون هذا الشخص

إذا كنت تشعر بدوامة لا تنتهي من الأفكار والمشاعر السلبية -تتضمن أحيانًا أفكارًا انتحارية-
من فكرة فقدان هذا الشخص، فمن الراجح أن تكون مصابًا بمرض التعلق (unhealthy attachment).

قد تجد أُمًا مرتبطة بأحد أبنائها حد الجنون، لا تتخيل أن يأتي يوم ويترك المنزل ليبدأ بتكوين أسرة،
مجرد الفكرة تقودها للجنون!

وكثيرًا ما نسمع عن استشارات زوجية ومشاكل أسرية تصل أحيانًا للانفصال بسبب تعلق أم بابنها أو العكس،
وربما تتعلق الزوجة بأحد والديها بشكل يؤثر على حياتها الزوجية وإطارها الطبيعي.

اقرأ أيضًا عن: الأطفال بعد الانفصال، بين الإحباط والاعتياد.

  • تضع احتياجاتهم في المقام الأول

إذا وجدت نفسك تقدم تضحيات دون الحصول على أي شيء في المقابل، وتولي أولوية لاحتياجات ومتطلبات هذا
الشخص على احتياجاتك، وربما تفعل أشياء لم يطلب منك إطلاقًا القيام بها، فقط لمحاولة إرضاء الطرف الآخر ولو
على حساب نفسك وسلامتك، عندها تصبح العلاقة غير متوازنة.

يجب أن تتضمن العلاقات الصحية المساومة والتضحية، وأيضًا صنع القرار من كلا الطرفين؛ بدلًا من طرف واحد.

وتعاملك بهذه الطريقة يرجح أنك متعلق مرضيًا بهذا الشخص، وَزِد على ذلك أنك لن تخرج من دائرة الشعور بالاستياء والندم حتى تخور قواك.

  • تلعب دور مخبر الشرطة طوال الوقت

أصبح من السهل على البشر، في عصر الإنترنت ووجود وسائل التواصل الاجتماعي، التحقق من صفحات بعضهم البعض، والتفاعل مع منشورات الأصدقاء، ومعرفة تحركاتهم بسهولة.

فإذا وجدت نفسك تفحص باستمرار موقع شخص ما، وتحديثات حالته، ومنشوراته، والأشخاص الذين تركوا التعليقات عليها، وما إذا كان متصلًا بالإنترنت، وما إلى ذلك؛ فهذا مؤشر خطير.

تصبح وكأنك تلعب دور مخبر الشرطة الذي يريد رصد كل حركة، فهذا دليل على وجود أزمة ثقة.

إذ يأخذ الأمر شكلًا من أشكال البارانويا، الذي قد يمتد إلى تفحصك منشوراته في السنوات السابقة ومحاولة تحليل تفاعلات الآخرين.

وتدخل بنفسك نفقًا مظلمًا من الشك والاتهام دون وجود أدلة، فهذه إشارة قوية على احتمال إصابتك بالتعلق المرضي بهذا الشخص.

اقرأ أيضًا عن: الغيرة المرضية.. ومن الحب ما قتل.

  • تتجاهل إيذاءه لك
تتجاهل إيذاءه لك

كثيرًا ما نسمع عن فتاة تربطها علاقة عاطفية بشخص ما، وهذا الشخص يقوم بإيذائها دومًا؛ فتارة يبتزها نفسيًا،
وتارة يتعدى عليها بالضرب، وربما يصل الأمر لأن يستغلها جنسيًا.

وإذا تحدثت معها، تجيبك: “أنا أعلم أنه يرفض فكرة الزواج ولم يعدني به، وأعلم أن هذه العلاقة لا تجلب لي إلا المتاعب، لكني لا أستطيع تركه”! 

ونلاحظ أيضًا هذا السلوك بين المتزوجات، وقد يلتمسن الأعذار ويخلقن المبررات لتلك الأفعال المشينة، وربما يتهمن أنفسهن بالخطأ!

هذه الفتاة وغيرها -وهم كُثُر بالمناسبة- مصابات بالتأكيد بالتعلق المرضي. 

اقرأ أيضًا عن: العنف الأسري، عندما تتحول الأسرة من ملاذ آمن إلى جحيم!

  • تحتاج إلى الطمأنة المستمرة

هل أنت دائم الاستفسار عن شعور شخص ما تجاهك، وما إذا كان يحبك حقًا، وتكرر عليه نفس السؤال بصيغ مختلفة؟

هل تجد صعوبة في تصديق أن شخصًا ما يقدرك؟ وتبحث باستمرار عن الطمأنة التي قد تُترجَم في شكل عناق أو
قبلات أو إمساك باليدين بشكل مفرط؟ ولا تستطيع منع نفسك من التفكير بأن شيئًا ما سيهدم العلاقة على وشك الحدوث؟!

يُعَدُّ ذلك الافتقار للأمان علامة على معاناتك من مرض التعلق الناجم على انعدام ثقتك بنفسك، وأنك بحاجة إلى فهم قيمتك الذاتية.

اقرأ أيضًا عن: الحاجز النفسي في الحوار المفتوح بين الزوجين.

أنواع أخرى من التعلق المرضي

أنواع أخرى من التعلق المرضي

لا يقتصر التعلق المرضي على العلاقات بين الأشخاص فقط، ولكن يمكن لأي فرد أن يتعلق بأي شيء كمنزل أو حيوان أليف.

ربما تجد شخصًا بالغًا مرتبطًا بدمية طفولته ولا يستطيع الاستغناء عنها، وربما لا يمكنه حتى النوم بدونها!

قد يتعلق آخر بالمال؛ فيركز هدفه على جمعه، ويصبح الأمر أشبه بالهوس. فإذا كان ارتباطك بأي شيء يعيق حياتك ويؤثر عليك سلبًا؛ فغالب الأمر أنك مصاب بالتعلق المرضي.

علاج التعلق المرضي

أعلم تمامًا أن ارتباطك غير الصحي بشخص أو شيء ما -أو حتى عادة سيئة- يسبب لك الكثير من الإحباط والتخبط والارتباك.

تعلم بداخلك أن استمرارك بفعل هذا السلوك ليس جيدًا لك، وترغب كثيرًا بالتحرر من ذلك كله، ولكن ربما لا تعرف الطريق لذلك.

فيما يلي بعض الأفكار التي يمكن أن تساعدك في رحلة التخلي عن هذا التعلق المرضي:

  • اعترف بالمشكلة وافهم السبب

بداية حل أي مشكلة لديك هو الاعتراف لنفسك بوجود مشكلة أصلًا، ولكن دون توجيه أي لوم لذاتك؛
فلن يجدي ذلك نفعًا.

وبدلًا من ذلك، حاول أن تفهم الرغبة وراء ما تقوم به؛ كلنا لدينا أسباب لفعل أي شيء، حتى الأشياء التي نكره القيام بها أو نحاول التخلي عنها.

اسأل نفسك هل يحقق لك التعلق المرضي ما تريده؟ هل يجلب لك السعادة والشعور بالأمان؟
أَمْ تعيش في قلق وتوتر وعدم رضا عن نفسك، ولا تقدر على عيش حياة تريدها!

إذا وجدت أن رغباتك لَمْ تُحقَق بهذه الطريقة في التعامل، واستوعبت تلك الحقيقة تمامًا،
فعندئذٍ ربما يتضح لك جليًا أنك لا تريد ذلك، وتكون حينها مستعدًا للتخلي عن هذا السلوك.

اقرأ أيضًا عن: العلاقات السابقة وأثرها على العلاقات الحالية

  • اشغل وقتك بما يفيد
اشغل وقتك بما يفيد

عليك أن تشغل نفسك وتحاول أن تملأ هذا الفراغ الداخلي، مارس هواياتك المفضلة، وتواصل مع أصدقائك وأفراد عائلتك، واشترك في أنشطة خدمية وتطوعية في أقرب مكان لك.

حاول أن تصنع لنفسك جوًا هادئًا يساعدك على الاسترخاء، ويقلل مشاعر القلق والمشاعر السلبية الأخرى المصاحبة للتعلق المرضي.

تستطيع ممارسة تمارين التنفس العميق واليوجا؛ فهي مفيدة جدًا للاسترخاء، يمكنك الاستعانة بالعديد من المصادر والفيديوهات التوضيحية لهذه التمارين.

  • استشر طبيبًا نفسيًا

يمكنك طلب العون من طبيب مختص، حتى يساعدك على إدراك الدافع وراء قيامك بمثل هذا السلوك،
والذي قد يكون راجعًا لطفولتك، أو بسبب مرورك بعلاقات مؤذية سابقة.

فأنت بالطبع لا تريد أن تصبح الطرف المؤذي في علاقاتك الحالية!

كما أنه سيساعدك على توجيه مشاعرك في الاتجاه الصحيح، حتى لا تؤثر عليك سلبًا، ولكي تتمكن من المضي قُدُمًا في حياتك.

اقرأ أيضًا: متى تحتاج إلى طبيب نفسي؟

النفس البشرية تواقة للحب، وتسعى للبحث عنه دومًا. ولكن تذكر أنه من الهام أن تكون أيضًا مستعدًا لتلقي هذا الحب.

ويتحقق ذلك من خلال فهمك لعواطفك وأفعالك قبل مشاركتها مع الآخرين، حتى لا تقع فريسة سهلة للتعلق المرضي والتبعية؛ فهذان الشيئان لهما القدرة على تعكير صفو الحب، ويجعلانك تتصرف بطريقة تختلف كثيرًا عن طبيعتك.

وتذكر دومًا أن الحب دون تعلق هو أنقى أنواع الحب، لأنه لا يرتبط بما يمكن أن يمنحه لك الآخرون لأنك فارغ!
بل يرتبط بما يمكنك تقديمه للآخرين لأنك ممتلئ بالفعل. 

المصدر
How Do You Know When You’re Emotionally Attached To Someone?5-signs-of-unhealthy-attachment-in-relationships
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق