مفاهيم ومدارك

التفاؤل غير الواقعي | عندما يصبح التفاؤل خطرًا!

يقول الشاعر إيليا أبو ماضي:

أيهذا الشاكي وما بك داء .. كُن جميلًا ترَ الوجود جميلًا!

لا شك أن التفاؤل صفة إيجابية تترك أثرها في النفس البشرية، ولعلك تتساءل -عزيزي القارئ- عن ماهية الخطر الناجم عن التفاؤل غير الواقعي.

نحن لسنا بصدد التقليل من قيمة التفاؤل؛ لكن سنلقي الضوء -في ذلك المقال- على ضرورة التفريق بين التفاؤل الممتدَح بديهيًا والتفاؤل غير الواقعي، فتابع معنا…

التفاؤل غير الواقعي من الناحية العلمية

أجرى عالِم النفس “ڤاينشتاين – Weinstein” عدة أبحاث عن التفاؤل غير الواقعي.

وكانت دراسته الأولى في عام 1980، حين شارك 200 طالب جامعي في تجربته لقياس مدى اختلاف فرصهم في مواجهة أحداث مستقبلية مقارنةً بزملائهم. 

أظهرت النتائج أن الأغلبية كانوا يعتقدون أن لديهم فرصة أكبر لعيش حياة أفضل عن أقرانهم في المستقبل.

ذاع صيت تلك الدراسة آنذاك، وتم تداول التفاؤل غير الواقعي في الأوساط العلمية، مع التأكيد على ضرورة الانتباه لذلك السلوك النفسي ومخاطر تبعياته. 

تعريف التفاؤل غير الواقعي

التفاؤل غير الواقعي: هو اعتقاد خاطئ وغير مبرَّر للشخص بأنه أقل عرضة للأحداث السلبية عن الآخرين. كما يعرَف التفاؤل غير الواقعي باسم علمي آخر، وهو “الانحياز للتفاؤل“.

ويمكن توضيح ذلك عبر التالي: عند وجود فرق بين توقع الشخص والنتيجة الحقيقية، إذا كانت التوقعات أفضل من الواقع؛ فإن التحيز يأخذ اتجاه التفاؤل.

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

مقياس التفاؤل غير الواقعي

يلجأ الباحثون عادة إلى طريقتين لإعداد مقياس التفاؤل غير الواقعي لدى العينة المختارة.

حيث يطلَب من الأشخاص في الطريقة الأولى تقدير احتمالات تعرُّضهم لحدث سلبي، مقارنةً بفرصتهم الفعلية في التعرض لذلك الحدث.

في حين تعتمد الطريقة الأخرى في القياس على استجابة الأفراد تجاه احتمالية التعرض لحدث سلبي، مقارنةً بآخرين من نفس العمر ونوع الجنس. 

تأثير التفاؤل غير الواقعي على المجتمع

توضيح الأضرار الناجمة عن الانحياز للتفاؤل ليست دعوة للتشاؤم؛ بل هي دعوة للتعقل في أثناء تدبير أمور حياتنا.

يعتمد الكثيرون على التفاؤل غير المبرَّر في حياتهم اليومية، بحجة أنه ليس كل مَن يُفرِط في الطعام يُصاب بالسمنة،
وليس كل مدخن يُبتلَى بالسرطان!

تجد أنهم يرددون عبارات، مثل: (بالتأكيد لن أكون من غير المحظوظين الذين يصابون بالأمراض المزمنة)، أو
(أعتقد أنني لن أصاب بضرر لأني أحب الحياة)!

علاوة على ذلك، يلجأ هؤلاء الأشخاص إلى إنكار أي أدلة علمية لتعميق انحيازهم غير المبرَّر للتفاؤل. 

التفاؤل غير الواقعي والإدمان

تشير الأبحاث إلى أن أكثر من نصف المدخنين يعتقدون أنهم قادرون على التدخين لبضع سنوات، قبل أن يقلعوا عن تلك العادة،
ويرجع ذلك إلى انحيازهم التام للتفاؤل تجاه عزيمتهم وإرادتهم في المستقبل.

يبرر المدمن لنفسه دومًا أنه لن يصيبه ضرر جرَّاء ما يفعله. فأيًا كان نوع الإدمان، يعتقد المدمن أنه لن يناله مكروه كغيره من المدمنين،
بل يزعم أنه ينعم بصحة أفضل من بعض الأصحاء!

يعَدُّ التفاؤل من أهم الصفات التي يجب توفُّرها عند الشخص للتخلص من الإدمان، وعادةً ما يلجأ المعالِجون إلى بث روح الأمل والتفاؤل في نفوس مرضاهم. 

ولكن كما يقال في المثل الشعبي: “كل شيء زاد عن حده، انقلب ضده”؛ فقد يؤدي التفاؤل غير الواقعي إلى رفض المدمن للعلاج.

الانحياز للتفاؤل في إدارة الأعمال

تخيل معي -عزيزي القارئ- أن يدير أحدهم شركة أو مصنعًا بتفاؤل مفرِط وغير منطقي؛ فيتجاهل التخطيط، وإدارة المهام، ومتابعة الأمور المالية.

يعتقد ذلك الشخص أنه سينجح في قيادة المؤسسة إلى بَرِّ الأمان بطبيعة الحال، فهل تظن أنه على صواب؟ 

عادة ما ينظر الشخص المتفائل إلى الأمور بإيجابية. لكن في عالم الأعمال، إعداد خطة بديلة حال الفشل أو الخسارة هو جزء من النجاح.

لذلك، الانحياز التام للتفاؤل وعدم توقع أي فشل هو أمر غير مفيد على الإطلاق. 

التفاؤل غير الواقعي وعلاقته بالسعادة

نتفق أن الانحياز للتفاؤل أمر مُضِر، ولكنه يظل تفاؤلًا؛ فاعتقاد الشخص الدائم أن شيئًا جيدًا سوف يحدث هو أمر إيجابي يزيد
من الشعور بالسعادة، حتى وإن كان مؤقتا. 

رغم ذلك، تؤكد بعض الدراسات أنه لا توجَد علاقة طردية بين الانحياز للتفاؤل والسعادة؛ فالإيجابية غير الواقعية لا تؤدي بالضرورة
إلى السعادة.

الانحياز للتفاؤل في وسائل التواصل الاجتماعي

انتشار استخدام وسائل التواصل الاجتماعي له بالغ الأثر في ارتفاع معدلات التفاؤل غير الواقعي، خاصة بين الشباب.

وعلى الرغم من كثرة الأخبار السلبية في منصات التواصل الاجتماعي، إلا أنها تُعتبَر مادة دسمة لأي شخص يعتقد أنه لن يصيبه مكروه كالآخرين!

أُجرِيَت إحدى الدراسات على عينة من مستخدمي فيسبوك عام 2015، وقد أشارت النتائج إلى أن الأشخاص المنحازون للتفاؤل يعتقدون أن النتائج النفسية والاجتماعية السلبية لاستخدام فيسبوك قد تحدث لغيرهم أكثر منهم.

تأثير التفاؤل غير الواقعي في أوقات الخطر

الانحياز للتفاؤل في أثناء انتشار الأوبئة 

يشكِّل الشخص المنحاز للتفاؤل غير المبرَّر خطرًا على المجتمع كله -وليس على نفسه فقط- في حالة تفشي وباء ما ينتقل بين البشر،
ذلك لأنه ينكر الأمر أو يتجاهله بناءً على نظرته التفاؤلية غير الواقعية.

يؤكد علماء النفس السلوكيين أن الانحياز للتفاؤل مقبول في الظروف الطبيعية، بل إنه قد يكون مفيدًا في بعض الأحيان إذا تم تقويمه.

فيزيد التفاؤل من الإيجابية الواقعية، ويقلل من اضطرابات القلق، مما يسهم في صحة نفسية وعقلية جيدة.

ولكن يختلف الأمر كثيرًا خلال انتشار الوباء؛ فعندها يتسبب الميل إلى الإيجابية غير الواقعية في التعرض لخطر الإصابة نتيجة الإهمال. 

تشير أبحاث -أجرِيَت خلال جائحة كورونا– أن الغالبية العظمى من البشر يعتقدون أنهم أقل عرضة لخطر الفيروس، بصرف النظر
عن أعمارهم ونوع جنسهم.

وهنا مكمن خطورة التفاؤل غير الواقعي، إذ يتعايش الجميع دون الالتزام بالإجراءات الاحترازية، معلِّلين ذلك بصعوبة انتقال العدوى لهم.

تعتقد أستاذة علم الأعصاب المعرفي “تالي شاروت – Tali Sharot” أن الخطر الناجم عن الانحياز التام للتفاؤل يزداد مع مرور الوقت خلال الجائحة، لأننا اعتدنا هذا التهديد؛ فعندما يعتاد الإنسان تهديدًا ما، فإنه يقلل من شأنه.  

الانحياز للتفاؤل قبل وبعد الكوارث الطبيعية

تعيش مجتمعاتنا العربية في مأمن من الكوارث الطبيعية التي نسمع عنها في مختلف قارات العالم ولله الحمد. 

وتشير استنتاجات الأبحاث التي أجرتها العالمة “هيلفيغ لرسن – Helweg-Larsen” -في تسعينات القرن الماضي- أن التجربة الشخصية للزلازل قد تكون لها آثار طويلة الأجل في الحد من الانحياز للتفاؤل.

التفاؤل غير الواقعي وعلاقته بحوادث المرور

تشير بعض الأبحاث إلى أن السائقين -وخاصة الشباب- متفائلون بشكل مفرط، وغير واقعيين عند الحكم على كفاءتهم في القيادة. 

ولا يوجَد ما يثبت أن الانحياز للتفاؤل يؤدي إلى الحوادث المرورية، لكن يظل توقع كل ما هو إيجابي واستبعاد ما هو سلبي سببًا
من أسباب تهور بعض السائقين على الطريق. 

في النهاية…

عزيزي القارئ، التفاؤل غير الواقعي اعتقاد خاطئ يختلف كثيرًا عن التفاؤل الحكيم؛ فعدم الواقعية قد يؤدي إلى قرارات خاطئة
في شتى أمور الحياة.

لذا تفاءل، ولكن -من فضلك- كن واقعيًا!

بقلم د/ محمد طارق الظريف

المصدر
Understanding the Optimism BiasUnrealistic optimism: east and west?Why optimism can be dangerous during a pandemicUnrealistic optimism about future life events.Optimistic bias and Facebook use: self-other discrepancies about potential risks and benefits of Facebook use
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى