مفاهيم ومدارك

التفاؤل والتشاؤم | أيهما أفضل لصحتك النفسية؟

يمكن للطريقة التي ننظر بها إلى العالم أن تقول الكثير عن صحتنا العقلية والجسدية، كما يمكن أن تؤثر على الأشخاص الذين نتفاعل معهم، والقرارات التي نتخذها، والخبرات التي لدينا.

تخيل أنك قسمت كل سكان العالم إلى مجموعتين، ووضعت كل المتفائلين في جانب، وكل المتشائمين في الجانب الآخر.

ستكون المحادثة بين المتفائلين حول الخطط الرائعة للمستقبل، وكيف يمكن للأمور أن تتحسن، بينما سيجد المتشائمون ما يتناوله المتفائلون نقاشًا محبطًا. 

وبالنسبة إلى المتفائلين، يبدو المتشائمون مستائين جدًا من كل شيء، ودائمًا ما يحرصون جدًا على إفساد الخطط بعبارات سلبية.

لكن بالنسبة إلى المتشائمين، فإن المتفائلين بعيدون عن الواقع، ولسان حالهم يقول: “كيف لهم ألا يرووا هذا العالم البغيض والقاسي الذي نعيش فيه؟! إنهم يخدعون أنفسهم!”.

في هذا المقال، سنعرض تعريف التفاؤل والتشاؤم، وكيف يؤثران على صحة الفرد النفسية؟ ثم نكتشف أيهما أفضل لصحتك…

التفاؤل مقابل التشاؤم

التفاؤل مقابل التشاؤم

ربما تكون قد سمعت كيف أن رؤية نصف الكوب فارغًا يعني أنك أكثر تشاؤمًا، ونصف الكوب الممتلئ يعني أنك متفائل.

لكن ماذا تعني هذه المصطلحات حقًا، وما معنى أن تكون واقعيًا؟

التفاؤل والتشاؤم سمتان تتيحان التنبؤ بالصحة النفسية ومستوى فعالية الذات للفرد، وتشير الأبحاث إلى أن البشر -عادة- مجبرون على أن يكونوا أكثر تفاؤلًا.

يرتبط التقدير الكبير للذات، والنظر إلى الجوانب الإيجابية لموقف معين، وكذلك التفاؤل والأمل -بمستقبل مشرق- بالنشاط الفسيولوجي في النصف الأيسر من الدماغ.

تعريف التفاؤل والتشاؤم

التفاؤل (Optimism) هو وجهة نظر عامة تجعل الشخص ينظر إلى العالم بشكل إيجابي، حيث النظر إلى الجانب الأفضل للأحداث، وتوقُّع أفضل النتائج.

ويمثل قدرتنا على رؤية الخير والشعور به في أنفسنا، وفي الآخرين من حولنا.

والتفاؤل -في علم النفس- يعني توقُّع أفضل نتيجة ممكنة من أي موقف معين، والإيمان بأن الظروف المستقبلية ستؤول للأفضل.

أما التشاؤم (Pessimism)، فهو مشتقٌّ من الكلمة اللاتينية (Pessimus)، وتعني “الأسوأ”. وهو الميل إلى التفكير السلبي، والتركيز على الجوانب السلبية لموقف ما، أو توقُّع نتيجة سلبية مستقبلًا.

والتشاؤم الفلسفي هو السعي إلى مواجهة الحقائق المأساويَّة في العالم، وهدم الآمال والتوقعات غير العقلانية.

ومن ذلك، نفهم أن الفرق بين التفاؤل والتشاؤم يكمن في الطريقة التي ينظر بها الشخص للعالَم، والتفاعل مع الأحداث، وتوقُّع نتائجها.

بين التفاؤل والتشاؤم

بين التفاؤل والتشاؤم

“المتشائم يرى الصعوبة في كل فرصة، أما المتفائل فيرى الفرصة في كل صعوبة”.

                                                                                         ونستون تشرشل

يرى المتفائل أن أسباب الفشل -أو التجارب السلبية- مؤقتة وليست دائمة، وهذا يتيح له رؤية إمكانية التغيير بسهولة أكبر.

بينما يرى المتشائم الجوانب السلبية أو غير المواتية للموقف، ويركز عليها بدلًا من التركيز على ما يحدث على أرض الواقع.

سلوكات المتفائل والمتشائم

المتفائل

يؤمن المتفائل بجمال العالَم، ويعتقد أن الغد هو يوم أفضل، ويختار التركيز على الأشياء الإيجابية في الحياة.

يمكن أن تكون اللحظة التالية جيدة أو سيئة، لكنه يرى في تلك اللحظة فرصة لتحقيق شيء جيد. 

يميل المتفائل -دائمًا- إلى إظهار الثقة؛ فهو قادر على تحمُّل الأعباء، والاستمرار في مواجهة الأزمات، وشعاره: “لكل مشكلة حل”.

المتشائم

يؤمن المتشائم بالنتائج السلبية في الحياة، والاعتقاد بأن العوامل الخارجية -مثل القدر أو البيئة- ستجعل الأمور مستحيلة.

يميل المتشائم -أيضًا- إلى التركيز على الماضي، واستخدام تجاربه للتنبؤ بالأحداث المستقبلية. 

ويواجه المتشائم صعوبة في الاعتقاد بأنه قادر على التغلب على التحديات، إذ لا يمتلك ثقة كبيرة بنفسه.

هل يمكن أن يؤثر سلوك مثل التفاؤل أو التشاؤم على صحتك؟ تعال لتعرف الإجابة في سطور الفقرة القادمة…

تأثير التفاؤل والتشاؤم على صحة الفرد

فوائد التفاؤل

تُفاجِئنا إحدى الدراسات المثيرة بنتائجها التي تؤكد أن الأشخاص الأكثر تفاؤلًا أقل عرضة -بمرتين- لأمراض القلب، مقارنة بنظرائهم المتشائمين.

أُجرِيَت الدراسة على أكثر من خمسة آلاف شخص بالغ، وانتهت إلى أن المتفائلين كانوا يميلون إلى اتباع نظام غذائي صحي، وممارسة الرياضة بانتظام أكثر من نظرائهم المتشائمين. 

كما تشير الدراسات السابقة إلى أن مرضى السرطان -ذَوو النظرة الإيجابية- يحققون نتائج طبية أفضل، ومن المرجح أن يتحمل المتفائلون مزيدًا من الضغط، بسبب ميلهم إلى رؤية الاحتمالات والفرص. 

إيجابيات التشاؤم

تشير الأبحاث التي أجراها علماء النفس -في كلية “ويليسلي” بالولايات المتحدة- إلى أن التشاؤم قد يجهزنا بشكل أفضل للتعامل مع التوتر، وهو ما يُطلَق عليه “التشاؤم الدفاعي“، ويعني وضع توقعات منخفضة لحدث مثير للقلق.

والسبب في ذلك أن المتشائم يفكر في جميع المشاكل المحتمَلة، ويستعد بشكل أفضل من أجل تفاديها في المستقبل.

وبحسب دراسة حديثة، فإن المتشائمين أكثر عرضة -بنسبة 10٪- للحصول على صحة نفسية أفضل، مقارنةً بالمتفائلين.

يقول الباحثون أن المتشائم قد يكون أكثر ميلًا للتفكير في الخطأ الذي يمكن أن يحدث، وبالتالي سيتخذ تدابير وقائية، في حين أن المتفائل قد لا يعطي قدرًا كبيرًا من الاهتمام. 

أراك الآن في حيرة وشك تتساءل: “إذًا، أي الفريقين أحق بالاتباع؟”…

التفاؤل والتشاؤم ، أيهما أفضل لصحتك؟

التشاؤم يجهزك للأسوأ، ويقلل من توتُّر التوقعات، ويحميك من خيبة الأمل، لكن قد يجعلك تضحك قليلًا، وقد يدفعك للتركيز على المشكلة دون الحلول.

بينما يجعلك التفاؤل أكثر ابتهاجًا، ويدفعك لتُركِّز على حلول جديدة، لكنه يعطيك شعورًا زائفًا بالأمان، وقد يعرضك لخيبات أمل.

إذًا، ما الحل؟!

يبدو أن المفتاح يأتي من التوازن بين هذا وذاك. بين أن تختار التفاؤل في الحياة، وأن تظل كذلك مستعدًا للمشاكل.

ابتغ الأفضل وخطط للأسوأ

يتيح لك الأمل في الأفضل والتخطيط للأسوأ الاستمتاع بالعديد من فوائد التفاؤل، دون ترك سلاح الاستعداد للأسوأ.

للحصول على الفوائد التي يجب أن يقدمها التفكير المتشائم، فكِّر في الأشياء التي يمكن أن تسوء، وحاول إيجاد خطط احتياطية وحالات طارئة للتعامل مع ما هو غير متوقَّع. بعد ذلك، ركِّز على الجانب الإيجابي، مع مراعاة خيارات خطة النسخ الاحتياطي هذه.

  • تذكَّر ما هو مهم

ينتج التوتر عندما نشعر أن متطلبات الموقف تتجاوز مواردنا للتعامل معها. لذا، خصِّص وقتًا لتقييم نقاط قوتك ومواردك.

ذلك أدنى أن يقلل توترك، ويساعدك على الشعور بالقوة في أثناء تقدُّمك في الحياة، كما سيساعدك حقًا على مواجهة أزمات المستقبل.

  • تذكَّر أن كل ما تواجهه سوف يمُرُّ

تُعلِّمنا أبحاث علم النفس أن الانتكاسات الكبرى لا تجعل الناس يشعرون بالتعاسة طالما يتوقع الناس ذلك.

فبعد بضعة أسابيع -أو أشهر، في بعض الحالات- يعود الأشخاص الذين عانوا أزمة كبيرة إلى مستواهم المعتاد من السعادة (أو التعاسة).

كيف تصبح أكثر تفاؤلًا؟

عزيزي القارئ، إذا كنت متشائمًا، فمن الممكن أن تتعلم كيف تصبح متفائلًا عن طريق تدريب نفسك على تغيير سلوكك، وإليك أهم النصائح لتصبح أكثر تفاؤلًا:

  • غيِّر منظورك

في المرة القادمة التي تشعر فيها بالإحباط تجاه شيء ما، حاول النظر إلى الجانب المشرق.

يمكن أن يساعدك التحول من عقلية لوم الذات في التخلي عن الماضي، والتركيز على المستقبل.

فإذا رأيت عازف بيانو يعزف مقطوعة موسيقية رائعة، لا تقل: “أنا حقًا سيء في العزف على البيانو”، ولكن قل: “هذا الشخص عازف بيانو موهوب حقًا”.

  • ركِّز على الحلول

إذا وجدت نفسك تعاني مشكلة تُشعِرك بالضعف، حاول التركيز على كيفية تحسينها.

اسأل نفسك: “هل يمكنني فعل شيء لإصلاح هذا؟ ماذا بإمكاني أن أفعل؟”. فكِّر في الحلول بدلًا من التفكير في المشكلة، وابحث عن الأشياء التي تجعلك سعيدًا.

  • أحِط نفسك بالتفاؤل 

يلعب الأشخاص المحيطون بنا دورًا رئيسًا في كيفية تصرفاتنا وتفكيرنا وشعورنا؛ فكلما زاد ارتباطك بالأشخاص المتفائلين، زادت احتمالية أن تصبح أنت متفائلًا.

ويُعَدُّ تحوُّلك إلى التفاؤل دليلًا على الرضا عن العلاقة، وقد يمنحك قدرة أكبر على حل الخلافات بشكل بنَّاء.

وتذكَّر دائمًا أن السعادة هي الرضا، والرضا نتاج توقعاتك في الواقع. ولضمان الرضا، ليس أمامك إلا اثنتان: إما تغيير الواقع، أو تغيير التوقعات.

وإذا لم يكن من الواقع بُدٌّ، فلا بُدَّ أن تغيِّر توقعاتك، ثم اُرجُ الأفضل.

المصدر
7 Ways to Increase Optimism and Reduce Anxiety Every DayPessimism vs OptimismIs It Safer to Be Pessimistic?
اظهر المزيد

د. محمود الرزاز

محمود الرزاز، صيدلي اكلينيكي، و أخصائي معلومات طبية، استمتع بالبحث عن الدليل العلمي، ومهتم بوصول المعلومات الطبية الحديثة للقاريء بلغة بسيطة و مفهومة، في ظل فوضى انتشار المعلومات غير الدقيقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق