ترياق الأسرة

التفرقة في المعاملة بين الأولاد وأثرها النفسي

إن إنشاء أسرة مترابطة وقوية وسوية لهو تحدٍّ كبير، ربما يكون صعبًا لكنه غير مستحيل.

 تسألني كيف السبيل؟ 

 السبيل يا صديقي في الحب الذي يجمع بين كل أطرافها.

 لكن! 

كيف يجد الحب طريقه -يا صديقي العزيز- في أسرةٍ تصب اهتمامها على شخصٍ دون غيره؟! 

كيف يجد الحب طريقه لقلب طفلٍ ظن طيلة حياته أنه منبوذ؟! 

كيف يجد الحب طريقه لقلب بنتٍ ظنت أنها أقل من أخيها؟!

كيف يجد الحب طريقه لقلب شاب يشعر طيلة الوقت بالظلم والقهر من أحد أبويه والغيرة والحقد على أخيه؟!

في هذا المقال، نتحدث عن التفرقة في المعاملة بين الأولاد وأثرها النفسي عليهم.

التفرقة في المعاملة… جريمة

في كل مرة يُسأل فيها أحد الأبوين عن إذا ما كانوا يفضلون أحد أبنائهم عن الآخر تكون الإجابة: “قطعًا لا، فكلهم سواسية ومحبتهم في القلب واحدة”. وإن سألنا الأبناء أنفسهم سنجد في كثير من الأحيان إجابات أخرى. 

إن التفرقة بين الأبناء في المعاملة من أكثر المشاكل الأسرية انتشارًا في مختلف المجتمعات. وتعد جريمة شنيعة لها بالغ الأثر على كل أفراد الأسرة، ونتاجها الأول والأخير هو الحقد والكراهية.

لمعرفة المزيد عن أسباب الحقد وعلاجه اقرأ: الحقد | ست نصائح للتخلص من الحقد.

ويراودنا هنا سؤال مهم: هل التفرقة في المعاملة بين الأبناء سلوك مقصود؟ هذا ما سنجيب عنه في الفقرة التالية.

 عن قصدٍ أم عن جهل؟! 

يمارس الآباء أحيانًا سلوك التفضيل لأسباب عدة؛ منها ما يكون بدون وعي وبحسن نية ومنها ما يكون عن عمد. 

في الفقرات التالية نشرح كل أسباب التفرقة في المعاملة بين الأولاد وأثرها النفسي عليهم:

في إحدى قصص التراث المأثورة، سُئل أب: “أي أبنائك أقرب إليك؟”، فقال: “الطفل حتى يكبر، والمريض حتى يشفى، والغائب حتى يعود”.

  1. الصغير حتى يكبر:
الصغير حتى يكبر

يشعر الكثير من الأطفال بالغيرة الشديدة بعد قدوم طفلٍ جديد للعائلة. فهذا الصغير سيستحوذ على قدر كبير من حب واهتمام الأبوين لفترة لا بأس بها، وخلال ذلك الوقت يتكون شعور دفين لديه أنه منبوذ وأن هذا المولود مفضل عنه.

في مقال الغيرة عند الأطفال.. نار تلتهم قلب طفلك! يمكن أن تتعرف على أسباب الغيرة وعلاجها.

  1. المريض حتى يشفى: 

يحتاج بعض الأبناء لمزيد من الرعاية و الاهتمام دون غيره؛ فوجود طفل مريض في الأسرة هو أمر مربك لكل أفرادها. ويزداد الأمر سوءًا إن كان مرض هذا الطفل مزمنًا أو كان من ذوي الاحتياجات الخاصة.

  1.  اختلاف طباع الأبناء: 

تختلف طباع الأبناء عن بعضهم البعض؛ فهذا طفلٌ مطيع مرح وهذا كثير الحركة صعب المراس وهذه حنون رقيقة. تجبر تلك الصفات أحيانًا بعض الآباء إلى تفضيل أحدهم عن الآخر، ويكون هذا عادة بدون وعي. 

  1. تشابه الاهتمامات: 

إن امتلاك أحد الأبناء اهتمامًا أو هواية مشتركة مع الأب أو الأم يجعل بينهم رابطًا خاصًا دونًا عن الإخوة الآخرين. فيمكنك أن تلاحظ كم من الوقت تمضي مع ابنك الذي يحب نفس الرياضة التي تعشقها أنت -سواء في ممارستها أو حتى الحديث حولها.

  1. بنت أم ولد؟ 

لا زالت الكثير من المجتمعات تفضل الأبناء الذكور عن الإناث بل وتعطيهم الكثير من الامتيازات. ومن باب الإنصاف؛ تحظى بعض الإناث بالكثير من الدلال في أحيانٍ أخرى.

  1. أبنائي أم أبناء الزوج الآخر؟ 

تجمع بعض الأسر أبناء من زوجين مختلفين، وفي الكثير من الأحيان يميز الأب أو الأم في المعاملة بين أبنائه وأبناء الزوج الآخر.

  1. الأكبر أم الأصغر؟ 

لا توجد قاعدة هنا، فبعض الآباء يفضلون الابن الأكبر ويعطونه الكثير من الامتيازات على حساب الأبناء الآخرين. وأحيانًا يتربع الأصغر على عرش اهتمام الأبوين دون غيره من الأبناء.

إن كنت تتساءل -يا عزيزي القارئ-  إذا ما كان هناك علامات تدل على أنك تمارس التفرقة بين أبنائك أم لا؛ ففي الفقرة التالية ستجد الإجابة.

احذر تلك العلامات!

هناك الكثير من السلوكيات البسيطة التي ربما تمارسها بدون وعي تشير إلى أنك تفرق بين أبنائك، ومن أشهرها:

  • المقارنة الدائمة بين الأطفال، مثل قولك: لمَ درجاتك متدنية؟! انظر لأخيك، حصل على الدرجة النهائية!
  • التساهل في تنفيذ القوانين والعقوبات: فالسماح لأحد الأبناء بالخروج في وقت متأخر أو استثناء أحدهم من عقوبة ما يعد تفرقة.
  • تقديم هدايا أكثر أوأكبر في القيمة لأحد الأبناء.
تقديم هدايا أكثر أوأكبر في القيمة لأحد الأبناء.
  • المبالغة في مدح أحدهم دون الآخر -خاصةً في حضور الأهل أو الأصدقاء.
  • تفضيل الحديث وقضاء الوقت مع أحد الأبناء.

تأثير التفرقة بين الأبناء في المعاملة على نفسية الطفل 

إن شعور الطفل الدائم بأنه منبوذ من قبل أبويه بجانب افتقاده لدعمهم وتشجيعهم؛ يؤثر بشكل كبير على حالته النفسية.

 من أكثر المشاكل التي يعاني منها هؤلاء الأبناء:

  1. ضعف الثقة بالنفس.
  2. انعدام القيمة الذاتية.
  3. ضعف الأداء الدراسي.
  4. ظهور سلوك عدواني خاصة تجاه الأخ المتميز.
  5. صعوبة في الاندماج مع المجتمع وتكوين علاقات مع الآخرين.
  6. الشعور الدائم بالقلق والتوتر.
  7. وأخيرًا، تحوم في رأسه الكثير من الأفكار الانتحارية.
  8. الاكتئاب.

لمعرفة المزيد من المعلومات عن الاكتئاب يمكنك قراءة هذا المقال: الاكتئاب: القاتل الصامت

كما لا يسلم الابن المميز من الأذى النفسي الناتج عن هذا السلوك المشين: 

  1. يراود هذا الابن شعور دائم بالذنب تجاه أخيه، فهو يعتقد أنه السبب فيما يحدث له.
  2. يواجه موجات الغضب والعنف الكراهية الصادرة من أخيه.
  3. الشعور الدائم بالضغط الناتج عن محاولة حفاظه على تلك المكانة عند أبويه.

وتكون النتيجة النهائية للتفرقة في المعاملة هي أسرة مفككة يعاني كل من فيها بلا أي استثناء.

الآن، وبعد أن تعرفنا على أسباب التفرقة في المعاملة بين الأولاد وأثرها النفسي عليهم، هيا بنا نبحث عن الحل.

كيف تتعامل مع طفلك الذي يشعر بالتفرقة في المعاملة؟ 

في البداية يجب أن تعرف أن تلك المشاعر التي يعاني منها ابنك في طفولته غالبًا ما تترسخ ويستمر تأثيرها لما بعد الطفولة؛ إن لم تعالج بشكل صحيح. 

سنشرح لك في الخطوات التالية بعض النقاط التي يمكن أن تساعدك في حل تلك المشكلة:

  1. تعرف على مشاعره: من المهم في تلك الخطوة الاستماع الجيد لما يشعر به طفلك بدون مقاطعة أو محاولة نفي ما يقوله أو إثبات حسن نيتك.
  2. الاحتواء: حاول احتواء ثورته وغضبه، وإياك والتجاهل؛ فهذا من شأنه أن يضخم من حجم المشكلة.
  3. تحدث معه بصدق وأخبره عن مدى حبك له، واعترف بخطئك إن أمكنك ذلك.
  4. اسأله عن الأشياء التي تشعره باهتمامك، فربما كل ما يحتاجه صغيرك بعض الوقت أو الانتباه أو الحديث.
  5. اطلب مساعدة باقي أفراد الأسرة في حل تلك المشكلة.
  6. لا تتردد في استشارة طبيب أو معالج نفسي متخصص لحل آثار تلك المشكلة.
  7. تجنب كل تلك السلوكيات غير الواعية التي وصلت بك وبأسرتك لتلك النقطة.
  8. ابحث دائمًا عن طرق التربية النفسية السليمة لأولادك.

وأخيرًا، لا تلم نفسك كثيرًا فربما تكون مشاعر صغيرك هي محض حساسية مفرطة لا تقصير متعمد منك.

في الختام، نتمنى أن نكون قد قدمنا كل ما تحتاجون معرفته عن أسباب التفرقة في المعاملة بين الأولاد وأثرها النفسي عليهم… نلقاكم في ترياق آخر.

المصدر
What Happens to Kids When Parents Play Favorites?Parenting Issues: Playing FavoritesWhen parents play favourites, what happens to the kids?When Parents Play FavoritesMothers’ Differentiation and Depressive Symptoms among Adult Children
اظهر المزيد

د. مروة إسماعيل

مروة إسماعيل صبري، طبيبة بيطرية وكاتبة محتوى طبي، مهتمة بالبحث في مختلف العلوم الطبية وتبسيطها وإثراء المحتوى الطبي العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق