أنماط التفكيرترياق الأمراض النفسية

التفكير التباعدي | موعد مع الإبداع!

منذ أن أبصر الإنسان النجوم في السماء وهو يحلم بالسفر إليها والتحليق في الفضاء، وقد وقفت جاذبية الأرض عائقًا أمام تحقيق حلمه.

حتى جاء يوم 14 أكتوبر سنة 1957، عندما أطلقت روسيا “سبوتنيك-1” -أول قمر صناعي يغزو الفضاء.

وقد نزل ذلك الخبر كالصاعقة على الولايات المتحدة، وأنشئت وكالة ناسا بعد عام ردًا على ذلك.

وفي النصف الأول من الستينات، ألقى الرئيس (جون كينيدي) خطابًا شهيرًا؛ وعد فيه بنقل أول رجل إلى القمر في نهاية هذا العقد، وإعادته سالمًا. 

حسنًا، فلنبدأ الرحلة…

عزيزي القارئ، في الواقع هناك إستراتيجيتان شائعتان للتفكير، تستخدمان في حل المشكلات وتوليد الأفكار، هما: “التفكير التباعدي” و”التفكير التقاربي”.

وقد استخدم (كينيدي) البيانات والحقائق لمعرفة كيف يمكن للولايات المتحدة هزيمة الروس في غزو الفضاء، وكان هذا مثالًا على التفكير التقاربي.

 ولكي يحقق (كينيدي) وعده بإرسال رجل إلى الفضاء، استلزم الأمر التفكير في المزيد من التقنيات الجديدة لتصميم الصواريخ وتصنيعها، بالإضافة إلى الوحدات القمرية، وبذلات الفضاء، وغيرها من المُعِدَّات الضرورية.

والتفكير في كل هذه الأمور يحتاج إلى إستراتيجية تباعدية.

فما هو التفكير التباعدي؟

يشير مصطلح “التفكير التباعدي” -أو التبايني Divergent Thinking- إلى إحدى إستراتيجيات حل المشكلات، التي تتميز باقتراح العديد من الحلول ومحاولة تحديد الأفضل من بينها. 

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

يحدث ذلك عادة بطريقة تلقائية، إذ تتدفق الأفكار الإبداعية وتتوالد بكثرة، ومن ثم تخضع للتقييم والدراسة في مدة وجيزة.

وبمجرد اكتمال مرحلة التفكير التباعدي، تُنظم المعلومات والأفكار باستخدام التفكير التقاربي، ويمكن تجميع الحلول والأفكار وتعيين علاقات غير تقليدية بينها. 

إذًا، يمكننا تعريف “التفكير التباعدي” باختصار أنه: 

القدرة على تطوير أفكار مبتكرة وفريدة من نوعها، مع وضع تصور لحلول متعددة تخص مشكلة ما.

الفرق بين التفكير التباعدي والتفكير التقاربي

يطبق التفكير التباعدي بطريقة أفضل في المشكلات التي تسمح بالإبداع.

بينما يعتمد التفكير التقاربي بقدر كبير على المنطق، ويستخدم في المواقف التي توجد فيها إجابة واحدة صحيحة ويمكن الوصول إليها عن طريق تحليل المعلومات المخزنة المتاحة. 

على سبيل المثال، إذا سألك شخص: «ما ناتج 2 + 2» ، فهناك حل واحد فقط صحيح، ويمكنك تحليل فهمك للجمع والأرقام للعثور على أفضل إجابة -وهي «4».

علاقة التفكير التباعدي بالإبداع

في الواقع، يقود التفكير التباعدي إدراكنا في اتجاهات مختلفة، بعضها تقليدي وبعضها مميز.

ونظرًا إلى أن بعض الأفكار الناتجة تكون فريدة ومبتكرة؛ فإنها تمثل إمكانية تحقيق التفكير الإبداعي لحل المشكلات.

فـ “التفرد” ليس مرادفًا لـ “التفكير الإبداعي”، ولكنه بلا شك الجانب الأكثر شيوعًا للإبداع، ويمكن النظر إلى مقياس التفكير التباعدي أنه تقدير لإمكانية الإبداع -وهذا بالطبع إذا كان مبنيًا على اختبارات موثوقة وصحيحة.

من ناحية أخرى، فإن معظم أساليب التدريس منحازة بشدة نحو أسلوب التعلم المعتمد على التفكير التقاربي، وهذه الحقيقة تفسر سبب الأداء المدرسي السيئ لعباقرة أسطوريين -مثل: ألبرت أينشتاين وتوماس إديسون- تخلفوا دراسيًّا وطردوا من المدرسة.

مهارات التفكير التباعدي

طور عالم النفس (جي بي جيلفورد) مفهوم التفكير التباعدي في الخمسينات، وقد عده مكونًا رئيسًا للإبداع، وربطه ببعض المهارات الأساسية مثل:

  • الطلاقة: ويقصد بها القدرة على الإنتاج السريع لعدد كبير من الأفكار أو الحلول لمشكلة ما.
  • المرونة: هي القدرة على انتهاج أساليب متنوعة في وقت واحد لحل مشكلة ما.
  • التفرد: ويعني إمكانية الوصول إلى أفكار مختلفة أكثر من الأشخاص الآخرين.
  • التفصيل: يعني إمكانية التعمق في الأفكار، ودمج التفاصيل لإثراء الفكرة الأصلية وتنفيذها. 
  • الفضول: هو الميل إلى الاستقصاء والبحث وطرح الأسئلة؛ للحصول على مزيد من المعرفة والمعلومات حول شيء ما.
  • الخيال: القدرة على الحلم، أو الاختراع، أو التفكير، أو الرؤية، أو تصور المنتجات والأفكار الجديدة.
  • المخاطرة: الاستعداد للتحلي بالشجاعة والجرأة والمغامرة، وخوض المخاطر وتجربة أشياء جديدة.

اختبارات التفكير التباعدي

يعتقد (جيلفورد) أن الاختبارات القياسية للذكاء أحكامها غير عادلة على المفكرين المبدعين؛ لأنها تستنكر التفكير التباعدي وتشجع التفكير التقاربي. 

فأسئلة “الاختيار من متعدد” تحض على استبعاد جميع البدائل الممكنة، للوصول إلى حل واحد في النهاية.

وقد ابتكر فريق من جامعة كاليفورنيا بقيادة (جيلفورد) سلسلة من الاختبارات لقياس القدرات العقلية، بما في ذلك “الإبداع”.

واستُخدمت بعض تلك الاختبارات على نطاق واسع في العديد من البرامج التعليمية والمنظمات التدريبية؛ وذلك للمساعدة على اختيار الطلاب الموهوبين وإلحاقهم ببرامج الفائقين، ولتقييم مدى نجاح هذه البرامج. 

كيف تقيِّم الاختبارات مقياس التفكير التباعدي؟ 

على سبيل المثال، اختبار مهارة “الطلاقة” يرتكز على محورين:

  • اختبار طلاقة الكلمات: وفيه يطلب من الأشخاص التفكير في أكبر عدد ممكن من الكلمات التي تحتوي على حرف معين. 
  • اختبار الطلاقة الفكرية: يطلب تصنيف الأشياء التي تنتمي إلى فئة معينة ثم تسميتها.

وهناك اختبارات أخرى، مثل:

  •  سرد جميع الوظائف المحتملة التي يمكن تمثيلها بشعار معين.
  •  كتابة عناوين مختصرة لقصص قصيرة.
  •  اختبار “توقع النتائج”، الذي يطلب من الشخص سرد كل النتائج المحتملة لحدث وهمي. 
  • اختبارات “قياس الكفاءة المكانية”، التي تطلب رسم الكائنات باستخدام الأشكال الهندسية.

مثال تطبيقي على مراحل التفكير التباعدي

  1. تدوين الأفكار

المفكرة وسيلة فعالة لتسجيل كل ما نفكر فيه وكل ما يجول بخواطرنا، فغالبًا ما تأتينا الأفكار في أوقات وأماكن غير عادية!  

فلا بد من التقاط هذه الأفكار وتدوينها على الفور؛ وذلك لاستخدامها لاحقًا عند الحاجة إليها سواء للتطوير أو لحل المشكلات.

  1. الكتابة الحرة

هي التركيز على موضوع معين وتدوين كل ما يتبادر إلى ذهنك حوله في مدة قصيرة، دون التوقف لتدقيق الكتابة أو مراجعتها. 

قد يساعدك ذلك على توليد مجموعة متنوعة من الأفكار حول موضوع ما، ويمكن إعادة هيكلتها أو تنظيمها لاحقًا باتباع بعض أنماط الترتيب.

  1. العصف الذهني

تتضمن عملية “العصف الذهني” توليد أكبر عدد ممكن من الأفكار في مدة زمنية قصيرة، ثم إنشاء قائمة لتلك الأفكار بطريقة إبداعية. 

وفي أثناء تجميع الأفكار لا يمكن تجاهل أي فكرة أو انتقادها، وإنما تخضع كل الأفكار للتقييم في النهاية لتحديد الأفضل والأنسب من بينها.

  1. الخرائط الذهنية

 تتضمن الخرائط الذهنية ترتيب أفكار العصف الذهني في شكل مخطط أو صورة توضح العلاقات بين هذه الأفكار. 

توضع الفكرة أو الموضوع الرئيس في المنتصف، ثم تتفرع الأفكار الفرعية التي تمثل أجزاء الموضوع الأساسي أو جوانبه المختلفة.

ينتج في النهاية صورة مرئية أو خريطة للأفكار؛ يمكنك استخدامها لزيادة تطوير الموضوع في المستقبل.

أهمية التفكير التباعدي للمنظمات والشركات

يقدم حلولًا جديدة للتحديات 

تحتاج الشركات أن تكون على استعداد دائم لمواجهة التحديات الجديدة التي تفرضها البيئة التنافسية الشديدة، وأن تظل في المقدمة لتلبية احتياجات عملائها وكسب ثقتهم. 

ومع زيادة عدد العملاء وتغير احتياجاتهم ومطالبهم؛ تفكر المنظمات في ابتكار حلول جديدة للمشكلات المعقدة وتطويرها. 

لذا؛ تحرص الشركات والمنظمات على توظيف المبدعين الذين يمكنهم التفكير خارج الصندوق، واقتراح حلول أفضل للأزمات. 

يفتح الآفاق نحو فرص جديدة

لا شك أن تحديد الفرص المناسبة والاستفادة منها لتحقيق عائد كبير من أهم التحديات التي تواجه الشركات اليوم، ووجود مفكرين مبدعين يعد مصدر قوة لمواجهة هذا التحدي واستكشاف مجالات النمو المحتملة.

يركز التفكير التباعدي على العملاء ويتوقع أسئلتهم قبل طرحها

إن قضاء أوقاتٍ طويلة في تقييم كل شيء بدقة والتفكير فيه من وجهات نظر مختلفة يمكننا من طرح أسئلة مهمة.

وإجابة تلك الأسئلة يسهم في إرضاء العملاء، وتطوير المشروعات.

المفكرون التباعديون يخلقون بيئة ديناميكية

مع سرعة إيقاع الحياة، لم يعد هناك مجال للرتابة والجمود؛ فأصبحت الشركات في حاجة إلى موظفين مرنين. 

يتسم الموظفون المرنون بأن لديهم الحماسة لمواجهة التحديات الجديدة واستكشاف الفرص المختلفة، يرحبون بالتغيير، ولا يخشون تجربة كل جديد.

ومع التقدم التكنولوجي، أدمج مقياس التفكير التباعدي في عمليات التوظيف والتدريب بالمنظمات… 

فالأمر أصبح مهمًا لأي مؤسسة تريد إدارة تكاليفها وبناء قادة من داخل قوتها العاملة.

المصدر
Divergent ThinkingConvergent Thinking: Definition & ExamplesDivergent ThinkingIdea Generation: Divergent vs. Convergent ThinkingStrategies of Divergent ThinkingDivergent and Convergent Thinking in Creative Environments
اظهر المزيد

د. مي جمال

صيدلانية ومترجمة وكاتبة محتوى طبي. أحب البحث والتعلم، ولا أدخر جهداً لمشاركة وتبسيط ما تعلمت للآخرين. أعتز بالنفس البشرية، وأهوى البحث في أعماقها، ولا أجد أبلغ من الكلمات للتعبير عنها ومناقشة قضاياها، مساهمةً في نشر الوعي والارتقاء بحياة البشر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى