أنماط التفكير

التفكير الجماعي Group thinking

منذ فترة قصيرة، التحقت بإحدى الشركات للعمل بها، وشاركت في أول اجتماع يعقد في الشركة بعد التحاقي بها،
ترأس هذا الاجتماع مدير عام الشركة ورؤساء أقسامها.

طُرحت عدة قضايا لمناقشتها، وفي إحدى هذه القضايا كان لي رأي مختلف عن الرأي العام، ولكني شعرت بأني سأكون وحدي في مقابل الجميع، فآثرت الصمت.

وبعد انتهاء الاجتماع فوجئت بالعديد من زملائي يشاركونني نفس رأيي، ولكنهم فضلوا عدم الدخول في جدال مع رؤسائهم!

يطلق علماء النفس والاجتماع مصطلح “التفكير الجماعي” على مثل هذه الحالة، وكان أولهم في استخدام هذا
المصطلح العالم الأمريكي (إرفينج جانيس) (1918-1990م)، الذي ألف كتابًا سماه “ضحايا التفكير الجماعي”،
نشر للمرة الأولى عام 1972م وقد تناول فيه هذه الظاهرة بالدراسة المستفيضة.

ما معنى التفكير الجماعي؟

ما معنى التفكير الجماعي؟

هو ظاهرة نفسية يحاول فيها البعض الحفاظ على وحدة الفريق وعدم إثارة الخلافات في أثناء المناقشة، فيحتفظون بآرائهم التي تخالف الرأي السائد لئلا يظهروا بمظهر المعارض أمام الآخرين.

وقد طور (جانيس) نظريته التي تسمى “نظرية التفكير الجماعي” وذكر لها بعض العلامات والمواقف
التي تشرح معنى التفكير الجماعي وتؤكده، فمنها:

  • الإحساس بالتوافق الوهمي: حمل أعضاء الفريق على الشعور بالإجماع الكامل على فكرة معينة يصعب بعده طرح فكرة مخالفة.
  • سد باب المناقشة: على الجميع تجاهل آرائهم التي قد تكون منطقية أحيانًا، والإيمان بحسن نوايا المجموعة،
    والانسياق وراء رأي الجماعة وممارساتها.
  • التبرير: الذي يمنع أعضاء الفريق من إعادة النظر فيما يلاحظونه من علامات تحذيرية ومشكلات، وتجاهلها.
  • النمطية: يتجاهل الأعضاء المؤيدون زملاءهم المعارضين، وربما يصل الأمر إلى اتهامهم بشق الصف وإثارة البلبلة، الأمر الذي يسد الطريق أمام الكثير من الأفكار البناءة.
  • الرقابة الذاتية: تمنع الأعضاء من مشاركة شكوكهم ومخاوفهم مع الآخرين، وافتراض أفضلية رأي الأغلبية ليمر الموقف بسلام.
  • توهم القوة والحصانة: عندما يسود التفاؤل الزائد وتختفي الأفكار المخالفة والآراء البديلة ويعتقد الجميع أن رأي الجماعة لا بد أن يكون صوابًا.
  • “حراس العقل”: عندما يؤدي البعض دور الوصاية على المجموعة بحجب المعلومات التي يعتبرونها هم ضارة بالآخرين، بدلًا من طرحها للنقاش.
  • الضغط على أصحاب الآراء المخالفة: التضييق عليهم واتهامهم بالخيانة وعدم الولاء.

أسباب الوقوع تحت تأثير نظرية التفكير الجماعي

من أهم الأسباب:

  • تشابه أعضاء المجموعة في الصفات في بعض المواقف، وهو ما يوحي بقوة هوية المجموعة،
    ويدفعهم إلى الاعتزاز برأي المجموعة وازدراء الآراء المخالفة.
  • تأثير القادة: عندما يسيطر القادة الأقوياء ذوو التأثير على المجموعات، فغالبًا ما تتجه هذه المجموعات
    نحو التفكير الجماعي في أثناء الاجتماعات والمناقشات.
  • ضحالة الفكر والمعرفة: عندما تنقص معرفة الناس عن شيء معين أو يشعرون بتفوق الطرف المخالف؛
    فسرعان ما ينتهجون منهج التفكير الجماعي.
  • الضغط والتوتر: عندما يوضع أعضاء المجموعة تحت ضغط شديد، أو تحدث مشكلات معضلة تزيد احتمالية التفكير الجماعي.

إيجابيات التفكير الجماعي

على الرغم مما ذكر سابقًا؛ ففي بعض المواقف تبرز أهمية التفكير الجماعي وإيجابياته، نذكر منها ما يأتي:

  • زيادة التعاون: في التفكير الجماعي تزيد احتمالية التوافق عن احتمالية المخالفة تحت تأثير هذه الظاهرة،
    فيعمل الجميع بروح الفريق ويخرجون بخطة متكاملة.
  • قوة الانسجام: ينعدم الجدال والنزاع في أغلب الأحيان بين أفراد المجموعة الواحدة، ويسود الوفاق والوئام الجميع في أثناء التفكير الجماعي.
  • تخفيف حدة التوتر: إذ يميل كل فرد إلى إرضاء الجميع وعدم استفزازهم؛ ما ينتج عنه بيئة عمل مريحة.
  • إنجاز المطلوب في أقصر وقت: إذ يُتخذ القرار سريعًا بناء على توافق الكل، ويتم التغاضي عن بعض التفاصيل التي تعرقل عملية اتخاذ القرار وتؤخرها.

سلبيات التفكيرِ الجماعي

  • انخفاض مستوى الجودة: نتيجة للعجلة في إنهاء المهمة، وعدم إتاحة الوقت الكافي لمناقشة كل الأفكار والتفاصيل والاقتراحات، التي قد تكون عاملًا مهمًا في نجاح المهمة أو عدم نجاحها.
  • اتخاذ قرارات خاطئة: إذ كان القادة هم أصحاب الأفكار والمقترحات المطروحة للنقاش، ولم تكن لديهم الرغبة
    في مناقشتهم أو إبراز مساوئ قراراتهم؛ فتنتج بعض القرارات التي تشوبها النقائص والخلل، ويؤدي في النهاية إلى نتائج عكسية وعواقب وخيمة.
  • تدمير العلاقات على المدى البعيد: فعندما يتخذ القائد القرارات الخاطئة، وتنتج عنها نتائج كارثية، ويتكرر هذا
    الأمر مرات عديدة تبدأ أصابع الاتهام بالإشارة إليه، وتحمله مسؤولية هذه النتائج، وهو ما يؤثر في علاقته بالعاملين تحت إدارته، وبخاصة إذا أصابتهم بعض الآثار السلبية لهذه القرارات.

ومما سبق يتبين أن القائد عليه أن يكون حكيمًا ومتوازنًا، وأن يعرف جيدًا متى يلجأ إلى التفكير الجماعي
ومتى يتحاشاه.

نموذج واقعي 

في الثامن والعشرين من يناير لعام 1986 انفجر مكوك الفضاء “تشالنجر Challenger” بعد 73 ثانية من إطلاقه، ما أدى إلى وفاة رواد الفضاء السبعة الذين كانوا على متنه، وتناثرت أشلاؤهم مع أجزاء المكوك.

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

وفي أثناء التحقيق تبين وجود خطأ في تصميم بعض أجزاء المكوك؛ إذ صنعت من مواد لا تحتمل درجات الحرارة المنخفضة جدًا، والتي كانت متوقعة من خبراء الأرصاد ذلك اليوم، وأن مهندسي شركة (مورتون ثيوكول)
التي شاركت في بناء المكوك حذروا منسوبي شركة ناسا من هذا العيب القاتل.

ولكن ما حدث أن شركة ناسا تجاهلت تحذيرات الخبراء، ووقعت ضحية نظرية التفكير الجماعي، وأطلقوا المكوك دون تعديل هذا الخلل في التصميم مما أدى إلى النهاية المأساوية التي انتهى إليها. 

ومن الأمثلة على الأخطاء الفادحة التي حدثت نتيجة التفكير الجماعي: غزو خليج الخنازير عام 1961م،
وفضيحة ووترجيت عام 1972م، والتصعيد الذي حدث في أثناء حرب فيتنام.

كيف نتجنب الوقوع تحت تأثير التفكيرِ الجماعي؟

كيف نتجنب الوقوع تحت تأثير التفكيرِ الجماعي؟

فيما يأتي بعض النصائح: 

  1. تجنب أصحاب الصوت العالي؛ فهم ليسوا دائمًا على حق، مع أنهم مسموعون غالبًا وقت اتخاذ القرارات.
  2. بعض الموظفين لا يهمهم حل المشكلات بقدر ما يهمهم إنهاء الاجتماع بسرعة، وبعضهم يحس بعدم أهمية رأيه،
    فعلى القائد أن ينتبه لموظفيه ويعالج هذه السلبيات.
  3. قد تؤدي النجاحات الكبيرة إلى خوف أعضاء فريقك من الأفكار والمبادرات الجديدة التي قد تفشل،
    وكذلك فإن الثقة الزائدة بالنفس أحد الآثار السلبية للتفكير الجماعي، وقد تعرقل نمو الفريق ونجاحه.
  4. الحرص على تنوع أعضاء الفريق، والمزج بين أصحاب الخبرات المختلفة، وكلٌّ يدلي بدلوه في أثناء النقاش.
  5. عندما يعم الخوف أعضاء الفريق، ويخشى صاحب الرأي المخالف أن يعنَّف أو يخسر عمله يلجأ إلى مداهنة القادة أو الأغلبية، ويؤثر السلامة، وقد يكون رأيه سديدًا، فعلى القائد أن يُشعر الجميع بالأمان ويشجعهم على إبداء آرائهم وملاحظاتهم.
  6. من الضروري أن يُظهر القادة ثقتهم في قدرتهم على النجاح، ولكن الإفراط في هذه الثقة قد يؤدي إلى عدم تقبل الآراء المخالفة، وقد تودي بالقادة وأتباعهم.
  7. لا بد من خلق بيئة خصبة لمشاركة الآراء والملاحظات؛ وذلك بتوفير كافة المعلومات، وطرح وجهات نظر مخالفة في أثناء المناقشة، وتشجيع النقد البناء، ومناقشة المكاسب والخسائر لأكثر من خطة أو رأي.
  8. قيم طريقة تواصلك مع موظفيك وكيفية تلقي آرائهم واقتراحاتهم باستمرار، وأدخل عليها بعض التغييرات عند الضرورة.
  9. اطرح دائمًا افتراضات متعددة، وكافئ أصحاب الأفكار المبتكرة، وأشعل حماس فريقك واجعلهم دائمًا متعطشين للتقدم والنمو حتى في أوقات النجاح.

وختامًا… يجب على القائد أن يعرف الفرق بين التفكير الفردي والتفكير الجماعي؛ فكلاهما ضار في أغلب الأحيان،
ولكن عليه المزج بينهما وبين المناقشة الحرة البناءة مع كل أعضاء الفريق لضمان أفضل الأفكار والنتائج.

المصدر
What Is Groupthink?The Positives and Negatives of GroupthinkGroupthinkHow to avoid groupthink – tips and tricks
اظهر المزيد

Mohammed Saad

صيدلي ومترجم طبي وكاتب محتوى طبي، أسعى إلى تبسيط وإثراء المحتوى العلمي العربي؛ لإلسهام في نشر الوعي والثقافة الطبية في العالم العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى