مفاهيم ومدارك

التفكير خارج الصندوق – من رَسَمَ لك حدود إبداعك؟!

في سبعينيات القرن الماضي، اشتُهر مصطلح “التفكير خارج الصندوق”، وسارعت الشركات بتبني هذه الفكرة لاختبار قدرة موظفيها على الإبداع.

أول من ابتكر هذا المصطلح كان عالِم النفس الأمريكي “جوي بول جيلفورد”، إذ قدَّمَ في إحدى محاضراته فكرة تعتمد على أُحْجِيَة يطلب من الحضور حلها، تتكون هذه الأُحْجِيَة من تسع نِقَاط يطلب منهم توصيلها بأربعة خطوط متصلة دون أن يرفعوا القلم عن الورقة ودون العودة إلى نفس النقطة مجددًا.

الصورة السابقة توضح الأُحْجِيَة، حاوِل حلها بنفسك قبل أن تكمل القراءة…

والآن، هل استطعت الوصول للحل؟ ربما استغرق الأمر منك بعض الوقت لتتوصل إلى أنه يصعب حلها بتلك الشروط، هل يمكن استخدام خط خامس؟ هل يمكن الاستغناء عن توصيل نقطة واحدة في المنتصف؟!

الإجابة هي: لا.

حل بسيط ولكن…

دعنا نتوقف لنرى نمط تفكيرنا في حل هذه الأُحْجِيَة، غالبًا ستكون قد حاولت توصيل النِّقَاط التسع في محيط هذه النِّقَاط فقط؛ بمعنى آخر كأنك قد رسمت صندوقًا وهميًا حولها يمر بمحاذاة المحيط الخارجي لها، لكن من وضع لك تلك القاعدة لحل الأُحْجِيَة؟!

هذا هو ما قصده “جيلفورد” لإيصال فكرة التفكير خارج الصندوق؛ إننا على الأغلب نحدد تفكيرنا بحدود وهمية -قد لا يكون فيها عيبًا أو كسرًا لأي قواعد!

والآن حاوِل مجددًا، ستجد أن بإمكانك توصيل النقاط بعدة طرق إذا خرجتَ إلى الفراغ المحيط بها ومددت الخطوط خارجها؛ كما هو في الصورة التالية على سبيل المثال…

لماذا التفكير خارج الصندوق ؟

يختلف تعريف الإبداع بين اللغويين وعلماء النفس والإدارة، لكن بما أننا تحدثنا عن عالم النفس “جيلفورد”، فسنذكر أيضًا ما قاله عن مفهوم الإبداع.

يعرف “جيلفورد” الإبداع بأنه: تفكير في نسق مفتوح، يتميز بتنوع الإجابات التي لا تحددها المعلومات المعطاة.

ولعلك -يا عزيزي القارئ- قد قرأت الكثير من الآيات القرآنية والكتب والمأثورات التي تحثنا على التأمل والتفكر فيما حولنا.

فكجزء من حياتنا اليومية؛ تجد نفسك تواجه العديد من المشكلات التي يصعب حلها بالطرق التقليدية، لكن ما الذي يجعل منها مشكلة لا يمكن التغلب عليها؟!

ربما تكون الإجابة: لأنك ملتزم بقوانين وقواعد محددة، قد تكون غير مبررة، أو غير موجودة بالأساس!

هل هذه دعوة لكسر القوانين إذًا؟!

بالطبع لا… اصبر قليلًا -عزيزي القارئ- وسيصلك مقصدي!

هل هو حل سحري؟!

قد يتخيل البعض أن التفكير خارج الصندوق هو الحل السحري لجميع المشكلات، بل إن مسئولي التوظيف في بعض الشركات يركزون على اختبار هذه النقطة في المتقدمين للعمل، وكأنها المعيار الوحيد للقبول!

والأدهى أنك تجد الكثير من المديرين والمسئولين الإداريين هم أنفسهم لا يفكرون خارج الصندوق مطلقًا! بل يلتزمون التزامًا حرفيًا بكل القواعد البيروقراطية الموضوعة سلفًا من الإدارات السابقة، ويتوقعون الوصول إلى نتائج جديدة…

اقرأ أيضًا: التعامل مع المدير في العمل

هناك عبارة شهيرة اختُلفَ على قائلها، وهي: “من الغباء أن تفعل الشيء نفسه مرتين بنفس الطريقة وتتوقع نتائج مختلفة!”.

بغض النظر عن صحة هذه العبارة أو مدى اتفاقك معها، فالسؤال الذي يشغل بالنا هو:

لماذا تضع حدودًا لتفكيرك وتقصر إمكاناتك على خيارات محددة؟! فكيف لك أن تكتشف جمال العالم من حولك وأنت متقوقع على نفسك في ركن مظلم؟!

لكن مع هذا، قد أخذ مصطلح التفكير خارج الصندوق بُعدًا يُخيَّلُ للبعض أنه من امتلكه فكأنما صار في منزلة أخرى، أو كأنه امتلك موهبة لن يستطيع أحد أن يأتي بمثلها.

هل يمكن أن أتعلم فن التفكير خارج الصندوق ؟

هل يمكن أن أتعلم فن التفكير خارج الصندوق ؟

الأمر بسيط -عزيزي القارئ-، فكِّر قليلًا في الخيارات التي يذهب إليها تفكيرك عندما تريد شراء هدية لصديقك… 

حسنًا، إذا كانت الهدية لرجل؛ فأغلب الخيارات المتاحة تتجه إلى العطور أو الساعات، ماذا أيضًا؟!

وإن كانت لفتاة أو امرأة؛ فعلى الأغلب ستفكر في شراء الشوكولاتة أو بعض الورود، أو ربما عطر مميز، يمكنك اقتراح المزيد من الأفكار…

ما فعلناه هنا هو أننا اتجهنا إلى أكثر الخيارات شيوعًا عند شراء الهدايا، لكن هلّا سألت نفسك: ما هي تفضيلات صديقك الشخصية؟ فربما هو محب للطعام؛ فلِمَ لا تُحضِر له أكلة شهية صُنعَت خصيصًا له بيد ماهرة؟

ربما تُحبُ صديقتُكِ حقائب اليد كثيرًا، فما الذي يمنع أن تُحضري لها واحدةً تناسب ذوقها؟!

هذا هو مثال التفكير خارج الصندوق، بهذه البساطة الشديدة تفكر في الخيارات المتاحة أمامك، وتسأل نفسك سؤالين: “ماذا؟ وكيف؟”

ماذا أستطيع فعله؟ وكيف أفعله؟ 

ما الذي يمنع تجربة هذا الأمر؟

وذكِّر نفسك دائمًا بوجود مساحة فارغة حول الصندوق الوهمي الذي رسمته حول النقاط التسع، يمكنك التحرك في تلك المساحة بحرية بكل تأكيد.

اقرأ أيضًا: كيف أعرف المهنة المناسبة لي على طريقة أمي؟

ما المقصود بمبادئ التفكير خارج الصندوق ؟

من العجيب أن نتحدث عن عدم الالتزام بحدود معينة للوصول إلى التفكير الإبداعي، ومن ثم نأتي لنضع مبادئ وقواعد لهذا التفكير “الإبداعي”، أليس كذلك؟!

ما نفعله هو أننا نتعامل مع كل المبادئ والقواعد أنها ثابتة وجامدة، فلن تصبح الموظف المثالي، أو المواطن الصالح دون الالتزام بالقوانين.

القواعد والتفكير الإبداعي

لا توجد مؤسسة تحب كاسري القواعد، لكن إليك المفاجأة: الكثير منا يحب وجود القواعد؛ لأنه يحب كسرها!

هل سبق أن طلب منك معلمك كتابة مقال مكون من صفحة واحدة، فذهبت وسألته -أنت أو أحد زملائك: “هل يمكن أن يكون صفحة ونصف؟! ماذا إن زدنا عن الصفحة بعدة سطور؟! ما عدد السطور المسموح بها في هذه الصفحة الواحدة؟!

ما حدث هو أن المعلم قد وضع قاعدة واحدة، لكنك وزملاؤك طلبتم قواعد إضافية كي تلتزموا بها ظاهريًا، فهذا يُشعركم بالأمان أنكم قد فهمتم المطلوب جيدًا. 

لكن الكثير منكم سيكسر تلك القواعد الإضافية حتى بعد فهمها وبعد أن وضعتموها بأنفسكم، هكذا يظهر التفكير الإبداعي لابتكار تلك الحلول!

لكن إن أمكننا وضع مبادئ للتفكير الإبداعي فستكون نقاطًا توضيحية ليس إلا، والغرض منها لن يكون الالتزام بها والوقوف عندها فقط!

مبادئ التفكير خارج الصندوق

مبادئ التفكير خارج الصندوق

اعرف ما بداخل الصندوق: 

كيف تقول بأنك تريد التفكير خارج الصندوق دون أن تعرف ما سبق وفكر فيه غيرك داخله؟! وهل هو متاح أم لا؟ 

إن كنت تظن أن التفكير خارج الصندوق يعني أن تترك الجامعة كما فعل “مارك زوكربيرج” أو “بيل جيتس” أو غيرهم، ومن ثَم تعيش حرًّا، دعني أقول لك إنهم كانوا يعرفون ما يفعلونه، كانوا دارسين جيدين لصناديقهم!

وسِّع نطاق تفكيرك خارج هذا الصندوق: 

فكر في جميع الخيارات التي لم تتبادر إلى ذهنك في بداية الأمر، اسأل نفسك: ما الذي يمنع تطبيقها؟ 

هذا هو ما يسمى “العصف الذهني”.

ابنِ صندوقك الخاص: 

لا، لن تحدَّ نفسك بحدود جديدة! المقصد هو أن تجمع كل الأفكار والحلول الجديدة، وتفندها لتصل إلى فكرة مبتكرة يمكنك تجربتها.

أَعد الكرَّة كل مدّة: 

إذا أردت الحفاظ على التفكير الإبداعي فعليك مراجعة نفسك من حين لآخر، ومتابعة ما بنيت من حدود غير ضرورية.

بهذا تضمن تذكير نفسك بضرورة التفكير الإبداعي، والتأمل والتفكر في كل حين.

إعادة التجربة…

بقى أن أخبرك أن تجربة “جيلفورد” استطاع عشرون بالمائة فقط من الحضور حلها في تلك المحاضرة!

لكن بعد أن أعاد علماء آخرون هذه التجربة، لكن مع تقسيم عينة الحضور إلى مجموعتين؛ وإعطاء إحداها نفس معطيات “جيلفورد”، وإعطاء الأخرى المعطى الجديد؛ وهو عدم اشتراط الالتزام بالخط الوهمي حول النِّقَاط التسع، ظهرت المفاجأة:

لم تتغير النتائج كثيرًا، فقد استطاع خمس وعشرون بالمائة فقط من الحضور حل الأُحْجِيَة بالمعطى الجديد!

ما حدث هو أنهم وضعوا حدودًا وقواعد وهمية أخرى أخذت من حريتهم وقدرتهم على التفكير الإبداعي… فكيف سيكون حلُّك أنت؟!

المصدر
Thinking Outside the Box: A Misguided IdeaThinking outside the box requires a box: Michael Bahr at TEDxSUU4 Ways to Think Outside the Box
اظهر المزيد

د. آلاء عمر

آلاء عمر، صيدلانية، أم، وكاتبة محتوى طبي، أهدف إلى إيصال المعلومة الطبية للقارئ بسهولة وزيادة الوعي الطبي لدى الناس. مهتمة بمجال الصحة النفسية وما يخص الطفل والمرأة طبياً. مؤمنة بقدرة الإنسان على اكتساب الوعي والتغيير الإيجابي للإرتقاء بمستوى حياته للأفضل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق