مفاهيم ومدارك

التفهم Empathy – كيف تصبح إنسانًا؟!

“التفهم أساس العلاقات الإنسانية الناجحة، كلنا يحتاج إلى من يفهم ويقدر مشاعرنا، كلنا يحتاج إلى من يضم ويهتم ويحب بصدق؛ كلنا يحتاج إلى لغة راقية للتواصل، تكسر الحواجز وتعبر الحدود وتخترق القلوب وتبلغ الآفاق؛ نعم، إنه التفهم”.

هكذا قال أحد مقدمي البرامج الإذاعية في إحدى الليالي بعدما سألته صديقة للبرنامج في مداخلة تليفونية عن رأيه في مشكلة لديها.

فقد سردت هذه الفتاة قصتها مع خطيبها الذي تقدم لخطبتها بعد قصة حب عنيفة؛ ومع طول امتداد فترة الخطوبة،
فترت علاقتهما وصارت لا تستشعر وجوده في حياتها.

أصبح لا يفهم مشاعرها ولا يهتم بتفاصيلها الصغيرة كما كان يفعل، لا يسألها عن أسباب حزنها ولا يتفاعل معها
-كما الماضي- ليفرج عن قلبها ما يحزنه.

نتحدث في هذا المقال عن صفة من أهم صفات النبل والرقي، صفة تحمل أجمل معاني الإنسانية، ألا وهي التفهم.

معنى التفهم Empathy

إن المشاعر أسمى ما يملك الكائن الحي سواء كان إنسانًا أو حيوانًا أو حتى الجان، فإذا فقدتَ المشاعر فأنت ميتٌ لا محالة! والمشاعر أمور معقدة ومتداخلة تكمن في الأعماق، وما زالت مَحِلُ الدراسة في محاولات لتفسير خباياها وتراكيبها العجيبة.

ويظهر الذوق الرفيع للإنسان في فهم ما يحيط به من كائنات، ثم ترجمة هذا الفهم إلى طريقة مناسبة للتعامل مع المشاعر السائدة في هذا التوقيت.

ويعرَّف التفهم -أو Empathy- بأنه قدرتك على تمييز الأفكار والمشاعر لدى الإنسان أو الحيوان أو حتى الشخصية الخيالية التي ترسمها لنفسك، ومن ثَمَّ التفاعل معها.

اقرأ أيضًا المشاعر الجياشة Overwhelming feelings| أمواج عاتية!

أهمية التفهم

يعد التفهم من أهم الأسس السليمة للعلاقات المختلفة؛ إذ يتضمن احترام الرأي والرأي الآخر وتقديم المساعدة المادية
أو المعنوية لمن يحتاج إليها، وهنا تكمن أهمية التفهم.

فبه تضع نفسك في مكان الآخرين، ومن ثَم تتوصل إلى الطريقة الصحيحة للتواصل معهم، الأمر الذي يساعدنا على
التعاون مع الآخرين وبناء الصداقات واتخاذ القرارات المختلفة، ويساعدنا على تكوين بنية أخلاقية قوية ندافع بها عن
المظلومين، كأولئك الذين يتعرضون للتنمر.

ويبدأ التفهم عند الإنسان منذ نعومة الأظافر -كطبيعةٍ بشرية جبِلَ عليها-، ثم يتطور هذا السمت مع مرور الوقت من
مرحلة الطفولة إلى المراهقة وحتى سن الرشد.

ولكن هناك عوامل كثيرة تؤثر في سلوك التفهم لدى الإنسان، منها: البيئة المحيطة، والعِرْقُ، والأسرة التي نشأ بها،
والظروف الشخصية التي قد تكون قهرية في عدة حالات.

فالبشر يتفاوتون فيما بينهم في سمة التفهم؛ فمنهم من هو ذو درجة عالية من الذوق والمشاعر التي تنعكس بدورها في
قدرته على فهم الآخرين، ومنهم من هو أقل من ذلك على درجات حتى يصلَ إلى قرب الانعدام، وهؤلاء -ذوو القلوب الحجرية- من أسوأ البشر.

أنواع التفهم

ذكر عالم النفس الشهير “دانيال جولمان” في كتابه “الذكاء العاطفي” ثلاثة أنواع للتفهم ممَّا نحن في أمسِّ الحاجة إليه على كل الأصعدة الحياتية، ونذكرهم فيما يأتي:

  • التفهم المعرفي

وهو -ببساطة- معرفة شعور الشخص الآخر وكيفية تفكيره ومن ثم تبني وجهة نظره ولو كانت مختلفة.

ويساعدك هذا النوع من التفهم على المفاوضات مع مختلف العقليات، وتحفيز الآخرين وفهم وجهات النظر المتنوعة لديهم.

يتميز التفهم المعرفي بأنه يتعلق بالتفكير العقلي لا العاطفي، فهذا النوع فعال عند اتخاذ القرارات القيادية والمصيرية،
ويمكن من خلاله التحكم بشعورك الأساسي للظهور أمام الآخرين بمظهر مختلف. 

  • التفهم العاطفي

وهو القدرة على التواصل مع الشخص الآخر وفهم مشاعره كاملة كأنكما جسدٌ واحدًٌ، فيما يُسمى بعدوى الشعور.

ويساعد هذا النوع من التفهم في بعض الوظائف، مثل: الإدارة والموارد البشرية والتسويق، وله -أيضًا- تأثيرٌ بالغٌ في العلاقات الشخصية الخاصة.

ويتميز التفهم العاطفي بأنه مرتبط بالعاطفة بشكل كامل بعيدًا عن العقل، وهو ما يشكل الروابط القوية بين الأسرة أو الزملاء، وكذلك يوصل إلى التفاهم في الحب.

  • التفهم الوجداني

لا يقتصر هذا النوع من التفهم على فهم مشاعر الشخص الآخر فحسب، بل الاستجابة التلقائية لتقديم المساعدة له إذا احتاج إليها.

ويتضمن هذا النوع من التفهم معنى ساميًا وهو”كيف تصبح إنسانًا؟!”، فالتفاعل السريع وتقديم المساعدة لشخص ما بعد فهم مشاعره هو ما تتجلى فيه أسمى معاني الرحمة والرفق.

ويحقق التفهم الوجداني التوازن بين التفهم المعرفي والتفهم العاطفي، أي التوازن بين صوت العقل وصوت القلب.

اقرأ أيضًا الذكاء العاطفي | هل تستطيع فك الشفرة؟

نظريات التفهم

وضع علماء النفس عدة نظريات لتفسير كيفية حدوث التفهم في الكائن البشري، ونلقي الضوء على أبرز تلك النظريات، وهما:

  • النظرية الأولى

تسمى نظرية المحاكاة، فعندما ترى شخصًا آخر لديه شعور ما فإنك تحاكي هذا الشعور وكأنك مرآة عاكسة له،
وهو ما لوحظ في ظهور نشاط جزء من المخ عند محاكاة شعور شخص آخر.

  • النظرية الثانية

تسمى نظرية العقل، وهي تعارض نظرية المحاكاة تمامًا؛ إذ تستطيع تفهم ما يشعر به شخص آخر بناءً على قواعد عقلية بحتة لا علاقة لها بالعواطف.

والأرجح هو أن التفهم عملية ذات أوجه متعددة، فبعضها يعتمد على العاطفة وبعضها على العقل، إلا أن كثيرًا من العلماء يتبنون إحدى هذه النظريات ويهاجمون الأخريات.

كيف تزيد من صفة التفهمِ لديك؟

كيف تزيد من صفة التفهمِ لديك؟

هناك أربعة صفات أساسية للتفهم وضعها د. برين براون أحد علماء النفس، والتي يجب أن تتوفر في الإنسان ومن ثَمَّ يطورها مع مرور الوقت، وهم:

  • التعرف الجيد على مشاعر الآخرين.
  • تبني وجهات نظر الآخرين فيما يمرون به من مشكلات ومشاعر.
  • تجنب الحكم السريع على الأشخاص قبل التعرف على مشاعرهم وأسبابها.
  • التواصل بالطريقة الصحيحة وتقديم المساعدة للآخر إذا لزم الأمر.

ونضع في الاعتبار وجود بعض الحالات التي تعاني عجزًا في التفهم، مثل منْ يعاني اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع أو ما يسمى بالشخصية السيكوباتية.

كلمة ترياقي

وإليك عزيزي القارئ بعض النصائح من “ترياقي” عن التفهم:

  • أدرك مقدار ما لديك من صفة التفهم وحاول تطويرها بمرور الوقت، فهي ما يميز الكائن الحي عن غيره من الجمادات.
  • إذا كنتَ تعاني صعوبةً في فهم الآخرين، فانظر لما يحيط بك من ظروف بيئية أو اجتماعية اضطرتك إلى هذه المشكلة وأصلحها.
  • إذا اكتشفتَ خللًا في فهم وقبول الآخر بسبب حالة نفسية، فبادر بالتوجه إلى طبيب نفسي في أقرب فرصة.
  • قيم علاقتك بشريكك واجبر ما بها من كسور لبلوغ مرتبة السعادة، فالتفاهم في الحب من أسمى المشاعر بين الشريكين، ومشاعر الحب لا تقتصر -فقط- على الأزواج بل بين الأصدقاء أو الجيران … إلخ.
  •  أسرع بمساعدة الناس ما دمتَ قادرًا، فهذا أحرى أن يليِّنَ القلب ويطور سمة التفهمِ لديك.
  • لا تتهاون أو تستهزئ بمشاعر الناس -إذا لم تفهمها- مهما كانت صغيرة بالنسبة لك، فإنك لا تعلم ما يمر به غيرك من ظروف، وربما صرتَ مكانه يومًا.
  • إذا كنتَ مديرًا أو قائدًا أو ربَّ أسرة فلا تستغل سلطتك على من هو دونك، افهم أوضاعهم ومشاعرهم جيدًا وكن عونًا لهم.
  • إذا كنت أبًا أو أمًا أو معلمًا، فازرع المشاعر السامية في داخل الأطفال وعلمهم أن التفهمَ وقبول الآخر من صفات النبلاء.
  • إذا كان أبواك أو أحدهما ما زال على قيد الحياة، فتمسك بهذه الفرصة، واعلم أن مشاعرهما صارت أكثر حساسية من ذي قبل، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة مبديًا لهما الرفق في كل موطن.
المصدر
The Three Kinds of Empathy: Emotional, Cognitive, CompassionateHow to be Empathetic: The Four Necessary Qualities of EmpathyEmpathy 101Empathy
اظهر المزيد

د. محمود المغربي

صيدلي إكلينيكي، عملت في المجال الطبي لسنوات اكتسبت خلالها الخبرة الكافية بالإضافة إلى الخلفية الطبية القوية كصيدلي إكلينيكي. أهدف إلى مساعدة الناس على تحقيق حياة صحية أفضل من خلال إعطائهم معلومات دقيقة تستند إلى مراجع طبية موثوقة، بأسلوب كتابة سهل تتحول فيه المعلومات الطبية الأكثر تعقيدًا إلى كلمات سلسة تتدفق بسهولة في ذهن القارئ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق