ترياق الحياة الصحية

التكيف الاجتماعي للمعاقين

منذ الصغر وهو يشعر بغربة وسط أسرته…

لم يستشعر قط تقبلهم له ولإعاقته؛ إخفاؤهم له عند زيارة أي أحد لهم، وعدم اصطحابه في المناسبات الاجتماعية…

خرج للعالم ليواجه رفضًا أكبر، نظرات جارحة، ووشوشة فاضحة لما داخلهم تجاهه…

فَقَد الثقة في نفسه، ولم يعد قادرًا على مواجهة المجتمع والاندماج فيه… وكيف ذلك وأقرب الناس له لم يقبلوه؟!

التكيف الاجتماعي للمعاقين… ما هو وكيف يُمكن تحقيقه؟!

تابع القراءة لتتعرف إليه بشكل أكبر…

الإعاقة هي حالة تصيب جسد الفرد أو عقله -تلازمه منذ الولادة أو تطرأ عليه- تعيقه عن القيام بنشاط معين، أو تُصعِّب عليه التفاعل مع العالم حوله، وقد تُسبِّب احتياجه إلى المساعدة من الآخرين.

معاناة ذي الاحتياجات الخاصة في الحياة حقيقية لا يُمكن تجاهلها، قد تبدأ من أسرته وعدم تقبلها له ومحاولتها إخفاءه، وصولًا إلى المجتمع وتَجنُّبه لذوي الإعاقة وعدم اهتمامه باحتياجاتهم أو عدم إعطائها أولوية.

قبل أن نستعرض كيفية مساعدة ذي الإعاقة لنفسه ودور المجتمع في التكيف الاجتماعي للمعاقين، سنفهم سويًا التكيف الاجتماعي وأنواعه…

التكيف الاجتماعي Social Adaptation

التكيف الاجتماعي Social Adaptation

التكيف الاجتماعي هو تعديل الفرد لسلوكه بطريقة تمَكِّنه من الاندماج في المجتمع وتحقيق التوافق مع قواعده وقيمه ومعتقداته.

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

أنواع التكيف الاجتماعي

ينشأ التكيف الاجتماعي كرد فعل من الفرد لما يستقبله من المجتمع حوله، ومحاولته البقاء والاستمرار في الحياة،
لذلك يمكن تصنيفه -تبعًا لطبيعة رد الفعل- إلى النوعين الآتيين:

  • التكيف الاجتماعي الإيجابي

يتضمن السلوكات التي يقوم بها الفرد بهدف الاندماج مع المجتمع وإسعاد ذاته وتطويرها، مثل: إثبات ذاته،
والميل لتأييد المجتمع، والتفاعل الإيجابي مع ما يحدث حوله.

  • التكيف الاجتماعي السلبي

يتضمن سلوكات لا تنطوي عن محاولة إثبات الذات أو محاولة الاندماج مع المجتمع، مثل: معاناة اضطرابات ذاتية،
والعزلة والانسحاب عن المجتمع، وارتكاب انتهاكات في حق الغير. هذا النوع يمثِّل سوء التكيف الاجتماعي وعدم نجاح الفرد في الانسجام مع محيطه.

التكيف الاجتماعي للمعاقين ضروري من أجل ذي الإعاقة نفسه ومن أجل المجتمع؛ فالإنسان يحتاج إلى الشعور بالانتماء وأنه مقبول حتى يتمكن من الاستمرار والإبداع، والمجتمعات تحتاج إلى التوافق بين أفرادها باختلافاتهم حتى يتحقق السلام ومن ثمَّ الازدهار.

 لكن، هل التكيف الاجتماعي نتاج الفرد نفسه أم أن هناك عوامل أخرى تؤثر فيه؟!

عوامل التوافق الاجتماعي لذوي الاحتياجات الخاصة

عوامل عدة تؤثر في التكيف الاجتماعي للمعاقين وتحقيق التوافق، منها:

  • الفرد نفسه: الاختلافات موجودة حتى بين الأشقاء الذين نشأوا في ظروف متماثلة، لذلك يختلف رد فعل كل فرد ونجاحه في التكيف مع إعاقته والمجتمع حوله، تبعًا لسمات شخصيته ومرونته.
  • التنشئة: الأسرة هي المصدر الأول لمعتقدات الإنسان وأفكاره، يستمد منها قوَّته؛ فتعامل الأسرة مع ابنها ذي
    الاحتياجات الخاصة يؤثر بالتأكيد في قدرته على التكيف الاجتماعي، فهو يحتاج إلى الحب والتقبُّل والاحترام والثقة حتى يتقبَّل نفسه، وحتى يتمكن من مواجهة المجتمع.

وكذلك، مستوى الثقافة والمستوى العلمي والاجتماعي والمادي من العوامل المرتبطة بقدرة الفرد على التكيف.

  • المجتمع: تنعكس طريقة تعامل المجتمع مع الإعاقة، وما يَبُثُّه من أفكار ومعتقدات، على ذي الإعاقة نفسه وشعوره بأنه مقبول، واستحقاقه لحياة كريمة مثله مثل أي فرد آخر في المجتمع، ومن ثمَّ تمكِّنه من الاندماج والتكيُّف.

بعد أن تعرفنا إلى عوامل التوافق الاجتماعي، يأتي سؤال مهم: كيف تحقق التكيف الاجتماعي وتندمج
-كشخص ذي احتياجات خاصة- في المجتمع؟ 

كيف تحقق التكيف الاجتماعي؟

كيف تحقق التكيف الاجتماعي؟

يعتمد تحقيق التكيف الاجتماعي في الأساس عليك أنت، إذ يمكنك مساعدة نفسك باتباعك الآتي:

  • تقبل إعاقتك

لا يكون هذا التقبل وليد اللحظة، بل يحتاج منك إلى وقت، وتعبير عن مشاعرك، وإقرارك بحزنك وسخطك؛
فجميعها أمور ستساعدك في رحلتك لتقبل وضعك وتصالحك مع إعاقتك.

  • سيطرتك على حياتك بدلًا من سيطرة الإعاقة عليك

تحِدُّ الإعاقة بالتأكيد من قدراتك وإنجازاتك، لكنك ما زلت تملك الإرادة والإبداع ويمكنك من خلالهما استعادة قدراتك وحياتك (وإن لم تكن كلية)؛ وذلك بفهمك لطبيعة حالتك ووضعك الصحي، وتقبُّلك لحاجتك إلى الدعم والمساعدة (سواء من أفراد أو عن طريق استخدام أجهزة معينة)، ووضعك لأهداف علاجية منطقية يمكن تحقيقها؛ وبذلك ستتمكن من التغلب على الإعاقة نفسها وأثرها السلبي في حياتك.

  • طلبك وقبولك المساعدة والدعم

من السهل عليك الانعزال عن الآخرين، لكن تذكر دائمًا أن تقبلك المساعدة ليس ضعفًا، وأن رفضك للدعم سيضرك أكثر مما ينفعك.

حافظ على علاقاتك الاجتماعية (أسرتك وأصدقائك)، وانضم إلى مجموعات دعم، ولا تتردد في استشارة متخصص في الصحة النفسية.

تحدَّث عن مشاعرك وأفكارك ومخاوفك، فالمشاركة ستخفف من الحمل وتساعدك على الاستمرار.

  • خلق معنى وهدف لحياتك

الإعاقة قد تشعرك بعدم القيمة وأنك دون فائدة، لذلك ابحث عن أشياء تعيد لك ثقتك في النفس واستمتاعك بحياتك،
مثل: التطوع ومساعدة الآخرين، وممارسة هواية تحبها أو نشاط يُسعدك. 

  • اهتمامك بصحتك النفسية والجسدية

وذلك عن طريق السيطرة على التوتر في حياتك، وممارستك الرياضة المناسبة، وحرصك على تناول غذاء صحي ومتوازن.

الخطوات السابقة ستساعدك على تقبل وضعك والتعايش معه وتحويل إعاقتك إلى مصدر قوة وثقة في حياتك؛
الأمر الذي سيمكنك من الانفتاح على العالم حولك والتواصل مع الآخرين، والمشاركة بشكل فعال في المجتمع والاندماج فيه. 

حتى ينجح ذو الإعاقة في التكيف مع المجتمع؛ يحتاج إلى الشعور باهتمام وتقبل المجتمع له، لكن كيف يمكن ذلك؟ سنجيب تاليًا عن هذا…

دور المجتمع في التكيف الاجتماعي للمعاقين

يؤدّي المجتمع دورًا هامًّا في تقبل ذوي الاحتياجات الخاصة لوضعهم وتمكنهم من الاندماج في المجتمع،
الخطوات الآتية ستساعد على تحقيق هذا الدور وتجنب حدوث سوء التكيف الاجتماعي:

  • دمج ذوي الاحتياجات الخاصة في الحياة العامة

أصبح الدمج بين ذوي الاحتياجات الخاصة وبقية أفراد المجتمع ضروريًّا؛ حتى يستشعروا تقبُّل المجتمع لهم،
وكي يتمكنوا من الانسجام مع الآخرين.

الدمج يشمل مجالات عدة، منها: 

  • التعليم: حيث أصبح هناك مدارس مشتركة يتلقى فيها ذوو الاحتياجات الخاصة التعليم جنبًا إلى جنب مع أقرانهم الأصحاء. 
  • الرياضة: صار الاهتمام بممارسة ذوي الإعاقة للرياضة واقعًا ملموسًا، وقد وصل الأمر إلى وجود بطولات خاصة بهم في رياضات مختلفة.
  • الإعلام والثقافة: هناك اهتمام بالمبدعين من ذوي الاحتياجات الخاصة، وكذلك فقد أتيحت الفرص لبعضهم للعمل في مجال الإعلام.

ما زال موضوع الدمج في بداياته، ويحتاج إلى اهتمام وتطبيق بشكل أوسع وفي مجالات أكثر.

  • الاهتمام بتوعية المجتمع بدوره في تقبل ذوي الاحتياجات الخاصة

يمكن تحقيق ذلك بواسطة المناهج التعليمية والإعلام، ولا يمكن تجاهل دور الأسرة في زرع مبادئ تقبل الآخر لدى أبنائها منذ الصغر.

من المهم إدراك المجتمع أن ذا الاحتياجات الخاصة إنسان، يجب احترامه واحترام مشاعره وحقوقه.

  • الاهتمام بتهيئة المرافق العامة

إن ملاءمة المرافق العامة لظروف ذوي الاحتياجات الخاصة أمر ضروري، لما يظهره من اهتمام بهم وبتيسير الحياة عليهم. ومن ثَم، يجب عند تصميم هذه المرافق وضع حالتهم في الاعتبار سواء كانت الإعاقة حركية أو حسية
(مثل فقد السمع أو البصر). 

أمثلة على هذه المرافق: المواصلات العامة، والمستشفيات، والمدارس، والأسواق، والحدائق والطرقات، ودورات المياه وغيرها.

كذلك مراعاة توافر أية تعليمات أو إرشادات في عدة صور تناسب أنواع الإعاقة المختلفة (مثل أن تكون مقروءة ومسموعة).

  • إتاحة فرص العمل أمام ذوي الاحتياجات الخاصة

قبول توظيف ذوي الاحتياجات الخاصة إذا كانوا كفئًا وملائمين لمتطلبات الوظيفة، وعدم جعل إعاقتهم سببًا لرفضهم.

في النهاية…

يجب علينا فتح قلوبنا وعقولنا لذوي الاحتياجات الخاصة، وتقبلهم، ومساعدتهم على الاندماج؛ فهم أفراد من المجتمع ولهم حقوق مثلنا، وكذلك يجب ألا ننسى أنهم بشر لديهم مشاعر وأحاسيس.

تذكر أن إعاقتك لا تمَثِّلك، وأن قدراتك تتعدى توقعاتك، عليك الإيمان بنفسك وتحدي أية عقبات ومواجهة أية إحباطات… ثق دائمًا أنك تستطيع!

المصدر
Disability Inclusion10 ways to make society more inclusive for people with disabilitiesLiving Well with a DisabilitySocial Comparison Orientation and Social Adaptation Among Young Chinese Adolescents: The Mediating Role of Academic Self-Concept
اظهر المزيد

د. أروى صبحي

صیدلانیة وباحثة. لدیها شغف دائم للبحث وفهم كل ما حولها؛ خاصة فیما یتعلق بجسم الإنسان. أشعر بالرضا عند تبسیط العلوم للغیر، ووجدت في الكتابة وسیلة لمساعدة الآخرین في الاستمتاع بالمعرفة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى