مفاهيم ومدارك

التنافر المعرفي | أيهما سيفوز: معتقدك أَمْ سلوكك؟!

خالد موظف في شركة كبيرة، ولديه مكتب به جهاز كمبيوتر خاص به، ولا توجد عليه رقابة من مديره. أحيانًا يتصفح الإنترنت من على جهاز الكمبيوتر، ويلعب فيديو جيم في أثناء عمله.

لكنه يخاطب نفسه قائلًا: “لقد انتهيت بالفعل من عملي”، وبداخله يعلم أنه باستطاعته إنجاز كم أكبر من المهام المُكلف بها.

فيراوده الشعور بالذنب لأنه يهدر طاقة عمله في اللعب، وكذلك يراوده الخوف من رؤية مديره أو أحد زملائه له، لكنه سرعان ما يصاب بالملل ويعود لتصفح الإنترنت.

وليقلل الصراع بين ضميره وفعله، يأتي بمعلومة تُحسِّن من موقفه قائلًا: “لقد قرأت مقالًا عن فائدة أخذ استراحة بين ساعات العمل لزيادة الإنتاجية”.

هذا مثال بسيط لحالة نفسية تُعرَف بـ”التنافر المعرفي”.

ما هي نظرية التنافر المعرفي، وتجربة (ليون فستنغر)، وأهم أمثلة التنافر المعرفي؟ كل ذلك سنتناوله بالتفصيل…

التنافر المعرفي – ما هو؟

هو حالة نفسية تنتج عن تضارُب معتقد تؤمن به مع فعل أو سلوك معين، ما يترتب عليه شعورك بالانزعاج والتخبط الفكري.

عدم انسجام معتقدك مع أفعالك يجعلك تُقبِل على خطوات تقلل من عدم ارتياحك، أبرزها:

  • تجنُّب الدخول في نقاشات حول المعتقد المسبب للتنافر المعرفي.
  • تجنُّب معرفة أي معلومات تُناقِض معتقدك.
  • الشعور بالخجل وإخفاء مشاعرك عمَّنْ حولك.

نظرية التنافر المعرفي

أحد أهم نظريات علم النفس المجتمعي عام ١٩٥٧، وتُنسَب لصاحبها عالِم النفس الأمريكي (ليون فستنغر).

تنصُّ النظرية على أن كل فرد يميل إلى تنسيق أفكاره ومعتقده مع أفعاله. فإذا حدث تناقُض بينهما، يشعر الفرد بالضيق والتشتت وعدم الارتياح (أي التنافر المعرفي).

لا يترك الفرد الأمر هكذا، بل يحاول جاهدًا تقليل هذا التنافر من خلال ٣ طُرُق:

١.التقليل من أهمية المعتقد

إذا كنت مؤمنًا بفكرة أن الاستمتاع بالحياة أهم شيء، حتى لو على حساب صحتك كالتدخين أو تناوُل الأطعمة السريعة، فستقلل من الحقائق التي تثبت خطورة هذه العادات.

٢.البحث عن أدلة ومعتقدات تتفوق على معتقد يزعجك

معرفتك بأن التدخين يسبب سرطان الرئة تزعجك. من ثَمَّ، تلجأ إلى أبحاث أخرى تُنافي هذه المعلومة، للتقليل من انزعاجك.

٣.تغيير السلوك أو المعتقد

وهو أمر صعب على بعض الأشخاص بأن يغيروا معتقدات وأفعال يمارسونها عند معرفتهم بحقائق جديدة. 

تجربة التنافر المعرفي

وهي تجربة اعتمد فيها (ليون فستنغر) على إعطاء المشاركين مهام ممِلَّة جدًا لتنفيذها على مدار ساعة، حيث يُكرِّر كل فرد ما قام به من تحريك مكعب من مكانه، أو رسم شكل معين كل دقيقة. ولم يُبدِ ليون الهدف من التجربة لزيادة الملل.

قسم العالِم الأمريكي المشاركين في التجربة إلى ثلاث مجموعات: 

  • مجموعة لم يُقدَّم لها مقابل مادي للمشاركة.
  • والثانية قدم لها دولارًا واحدًا مقابل المشاركة.
  • والثالثة قدم لها ٢٠ دولارًا مقابل المشاركة.

ثم طلب من المجموعات الثلاث تقييم التجربة: هل هي ممِلَّة أم مسلِّية؟ وهل هم مستعدون لخوضها مرة أخرى أَمْ لا؟

لكن هذه الأموال المدفوعة للمجموعة الثانية والثالثة كانت بشرط أن يقنعوا المجموعة الأولى أن التجربة مسلية.

نتائج التجربة:

١.المجموعة الأولى أبدت مللها من التجربة، وأنها غير مستعدة لخوضها مرة أخرى.

٢.المجموعة الثانية أبدت استحسانها للتجربة، وأنها على استعداد لتكرارها مرة أخرى.

٣.المجموعة الثالثة أبدت مللها من التجربة مثل المجموعة الأولى.

تفسير آراء المشاركين في التجربة:

بالنسبة للمجموعة الأولى، فإن رأيها محايد لم يتأثر بأي عوامل أخرى.

أما المجموعة الثانية، فقد أبدت إعجابها بالتجربة لأنها تشعر بالذنب تجاه كذبها على المجموعة الأولى مقابل مبلغ بسيط.

فتولد بداخل أفرادها التنافر الاجتماعي. ومن ثَمَّ، ترتَّب عليه تغيير معتقدهم (ملل التجربة) ليوافق فعلهم (إخبار المجموعة الأولى بأن التجربة مسلية) حتى لا يشعروا بذنب الكذب؛ أي أنهم كذبوا على أنفسهم لا شعوريًا.

أما المجموعة الثالثة، فلم تمُرَّ بالتنافر المعرفي؛ فوجهة نظر أفرادها هي أن الـ٢٠ دولارًا مبلغ كافٍ للكذب على زملائهم؛ مما يوضح تصويتهم بأن التجربة ممِلَّة.

ما هي أهم أسباب التنافر المعرفي ؟

ما هي أهم أسباب التنافر المعرفي ؟

١.الامتثال القسري

عندما تكون مجبَرًا على فعل سلوكيات لا تتناسب مع أفكارك ومعتقدك، من قِبَل سلطة أعلى كالعمل أو غيره، ينشأ بداخلك التنافر المعرفي.

٢.الحيرة في اتخاذ القرار

كل خطوة تخطوها في حياتك ما هي إلا نتيجة قرار اخترته. لكن عندما تواجِه أمرين -كلًا منهما له مزاياه وعيوبه- وعليك الاختيار بينهما لتسلك طريقًا معينًا، هنا يظهر التنافر المعرفي.

في هذه الحالة، يلجأ الشخص إلى التعزيز من مزايا اختياره، والتفخيم من عيوب الاختيار الآخر ليقلل من صراعه الداخلي.

٣.الجهد المبذول

أحد أهم أسباب التنافر المعرفي عندما تكتشف أنك بذلت جهدًا كبيرًا في طريق اخترته، ثم اكتشفت أن كل ما فعلته بلا قيمة ولم يَعُد عليك بالنفع.

وحتى تتخلص منه، سيتولد بداخلك أن ما فعلته شيء هام، بل وممتِع. وهذا ما حدث في تجربة التنافر المعرفي.

أبرز أمثلة التنافر المعرفي

أبرز أمثلة التنافر المعرفي

١.رجل يتبع عادات غذائية خاطئة -من وجبات سريعة ومشروبات غازية- ولا يأكل الطعام الصحي إلا قليلًا، مع علمه أن نظامه الغذائي يضر بصحته، وستظهر آثار هذه العادات الخاطئة عليه مستقبلًا.

تُرَي… كيف يتصرف الرجل للحد من التنافر المعرفي؟

إما أن يقلل من قيمة المعلومات الطبية ويصفها بأنها مبالغ فيها -وهو الأمر الأكثر توقعًا-، أو يستجيب لهذه الحقائق ويُغير نظامه الصحي.

٢.سيدة تحب الحياة العصرية في المُدن، ولا تتخيل حياتها في القرى، لكنها تفاجأت عندما أخبرها زوجها أنه حصل على ترقية في عمله، وسينتقل لمكان آخر في قرية. بالطبع ستشعر بالتخبط والقلق لتعارض معتقدها مع ما يجب أن تفعله.

لكنها ستبدأ في البحث عن مزايا السكن في القرى، كالحياة الهادئة البعيدة عن الازدحام، أي ستغير معتقدها ليتوافق مع أفعالها.

٣.رجل وضع خطة لممارسة الرياضة ٣ مرات أسبوعيًا من أجل صحة أفضل، لكنه فعليًا غارق في عمله، ويقضي معظم يومه على المكتب.

يترتب على ما سبق شعوره بالذنب تجاه عدم التزامه بخطته، لكنه يقنع نفسه أنه يبني مستقبله ويجمع المال من أجل حياة أفضل.

٤.رجل معروف عنه الأمانة وصدق الحديث، لكنه -في عمله- يضطر إلى الكذب لتحقيق مبيعات الشهر، وإلا سيُخصَم من راتبه.

يترتب على ذلك شعوره بالذنب، لكنه يبرِّر ما يفعله بأنه ليس بيده حيلة، وإن لم يفعل ذلك سيخسر وظيفته.

هل كُلٌّ منا يشعر بالتنافر المعرفي بنفس الدرجة؟

تتفاوت درجة الشعور بالتنافر المعرفي من شخص لآخر وفقًا لعدة عوامل:

  • نوع المعتقد: إذا كان المعتقد شخصيًا، ستشعر بالتنافر بصورة واضحة تجاه أي معتقد أو موقف يعارضه.
  • قيمة المعتقد: كلما كان المعتقد ذا تقدير عالٍ منك (كمعتقد ديني أو أخلاقي)، زاد احتمال شعورك بالتنافر المعرفي مع أي شيء يضاده.
  • مدى الاختلاف: ازدياد الفجوة بين المعتقد والفعل يولد الشعور القوي بالتنافر المعرفي.

مُجمَل القول…

قد يُصيبك التنافر المعرفي بعدم الارتياح والقلق، لكنه يفتح لك آفاقًا بداخلك نحو التغيير للأفضل، والنمو والتمكن من اتخاذ قرارات صائبة وفقًا للحقائق الملموسة، ذلك إذا حكَّمتَ عقلك على حساب هواك.

المصدر
Cognitive Dissonance5 Everyday Examples of Cognitive DissonanceWhat Is Cognitive Dissonance?Cognitive dissonance: What to know
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق