ترياق في بيئة العمل

التوافق المهني وعلاقته بضغوط العمل | هل تحب ما تعمل؟

كان صديقي (عمر) دائم الشكوى من عمله؛ فلم يكن يحب ما يعمل على الإطلاق، وكان مضطرًا لذلك العمل لأنه لم يجد بديلًا عنه، ولا يستطيع أن يترك عمله حتى لا يتأثر دخله المادي.

لا شك أن هذا أثَّر كثيرًا في نفسيته، وكنت أرى ذلك في حديثه معي كلما تقابلنا.

يعاني الكثير من الناس هذه المشكلة، خاصة مع التوسع في قطاعات الأعمال المختلفة، وتبنِّي تلك القطاعات النظام الرأسمالي الذي يهدف في الأساس لزيادة الأرباح والكسب السريع، حتى لو كان ذلك على حساب العاملين في هذه القطاعات.

ومع الزيادة الملحوظة في الاستهلاك المادي وارتفاع مستوى المعيشة، أصبح كثير من الناس يتهافتون لشغل العديد من الوظائف بهدف زيادة دخلهم المادي، بغضِّ النظر عن مدى حبهم لهذه الوظائف أو رضاهم عنها.

من هنا، جاء مصطلح “التوافق المهني” في علم النفس، والذي يحدد ما إذا كان الأشخاص راضين عن أعمالهم أم لا.

سنتحدث في هذا المقال عن مفهوم التوافق المهني وما يرتبط به من مفاهيم.

ما هو مفهوم التوافق المهني؟

التوافق المهني هو أحد الموضوعات التي يبحث فيها علم النفس الصناعي، ويهدف لكيفية تحقيق التوافق بين الفرد وبين بيئته المهنية، ومعرفة الأسباب التي تمنع حدوث هذا التوافق.

ويعتمد التوافق المهني بشكل أساسي على عدة عوامل، منها:

  •  بيئة العمل.
  • طبيعة العمل.
  • عدد ساعات العمل.
  • الأجر الذي يتقاضاه العامل مقابل هذا العمل.
  • علاقة العامل بزملائه.
  • علاقة العامل برؤساء العمل.

ويمكن تحديد مدى التوافق المهني من خلال النظر لهذه العوامل وأخذها بعين الاعتبار، وإصلاح ما يمكن إصلاحه منها بهدف تحقيق هذا التوافق.

التوافق المهني وعلاقته بضغوط العمل وبزيادة الاستهلاك المادي

أدَّت زيادة الاستهلاك المادي -خلال القرنَين: الحالي والسابق- إلى رفع مستوى تكاليف المعيشة، وهذا ما جعل كثيرًا
من الناس يبحثون عن وظائف وأعمال إضافية بهدف زيادة مستواهم المادي.

ولا شك أن هذا الأمر أدى إلى زيادة الضغوط التي يتعرض لها هؤلاء الناس جرَّاء زيادة الأعمال، فضلًا عن
الضغوط التي يتعرضون لها بسبب عدم ملاءمة بعض هذه الوظائف لهم، وهو ما يُعرَف بـ”عدم التوافق المهني”.

في الحقيقة، هذا الأمر بالغ الأهمية، لأن عدم التوافق المهني يؤدي بالضرورة إلى ضعف إنتاجية العاملين، وبالتالي ضعف الاقتصاد.

وهو ما دفع علماء النفس للبحث عن أسباب عدم التوافق المهني من خلال العديد من الدراسات في علم النفس الصناعي وغيرها.

أحد هذه الدراسات قامت بها كلية الآداب -بجامعة عين شمس- بعنوان “سيكولوجية التوافق المهني في الصناعة”.

ما هي أسباب عدم التوافق المهني؟

ذكرنا سابقًا أن هناك عدة عوامل يعتمد عليها التوافق المهني، وبالتالي فإن تأثُّر هذه العوامل بصورة سلبية يؤدي إلى عدم التوافق المهني.

ويمكننا ذكر بعض أسباب عدم التوافق المهني فيما يلي:

بيئة العمل غير مناسبة

تختلف بيئات العمل التي يفضلها الأشخاص؛ فبعضهم يحب بيئات العمل الخارجية التي تتطلب مجهودًا بدنيًا أكثر من المجهود الذهني، مثل العمل في قطاعات البناء والمنشآت الهندسية، أو المصانع وقطاعات الزراعة وغيرها.

بينما يفضل البعض الآخر بيئة العمل الداخلية، حيث يتطلب العمل مجهودًا ذهنيًا، ويتمثل ذلك في الأعمال المكتبية،
وأعمال الإدارة، وريادة الأعمال وغيرها.

إن اختلاف بيئة العمل التي يفضلها الأشخاص تؤثر حتمًا في مدى إنتاجية هؤلاء الأشخاص، وفي جودة الأعمال التي يؤدونها، وهذا -بلا شك- نابع من تأثُّرهم النفسي بهذه البيئة.

طبيعة العمل غير مناسبة

قد تمثل طبيعة العمل عائقًا لدى بعض الأشخاص يمنعهم من أداء الأعمال المطلوبة منهم على الوجه المطلوب.

على سبيل المثال، لا يفضل أغلب الناس طبيعة العمل الشاقة، وهذا يجعلهم يبحثون عن أعمال بديلة أكثر راحة.

أو ربما لا يفضل البعض طبيعة العمل التي تعتمد على العمل الجماعي ويفضلون الأعمال الفردية، ومثل ذلك طبيعة العمل التي تعتمد على التعامل مع الجمهور أو العملاء، كالأعمال التجارية مثلًا.

طول عدد ساعات العمل

أحد أكثر الأسباب التي تؤثر في مدى التوافق المهني لدى الأشخاص هي عدد ساعات العمل، إذ تصل ساعات العمل في بعض الوظائف إلى 12 ساعة أو ربما أكثر.

تتجه الكثير من الشركات لزيادة عدد ساعات العمل، خاصة شركات القطاع الخاص، وذلك بهدف زيادة الإنتاج، وبالتالي زيادة الربح.

وهذا يعود بالسلب على العامل بهذه الشركات، والذي ربما لا يحصل على المقابل المادي الذي يكافئ هذه الزيادة في ساعات العمل.

ضعف الأجور مقابل الجهود المبذولة في العمل

إذا كان الهدف الرئيسي من العمل هو تحسين المستوى المادي للأفراد، فإن ضعف الأجور التي يتقاضاها الموظفون
في بعض الأعمال تجعلهم يعزفون عنها، ويبحثون عن بدائل توفر لهم دخلًا ماديًّا يغطي تكاليف مستواهم المعيشي.

ربما يرجع السبب في ضعف الأجور إلى التوسع في استخدام المعدات والآلات كبديل للعمالة البشرية؛
فهي توفر لأصحاب الأعمال إنتاجًا أكبر مما توفره العمالة البشرية، وبمقابل مادي أقل.

بل وربما يكون إنتاج هذه الآلات أكثر جودة أيضًا، خاصة مع التقدم التقني الذي يشهده العالم في الوقت الحالي. ولهذا، من المهم أن نضع ملف أجور العاملين بعين الاعتبار عند البحث في أسباب عدم التوافق المهني.

المنافسة مع زملاء العمل

قد تظن أن المنافسة في بيئة العمل أمر جيد يساعد على تعزيز طاقة العمل وزيادة جودة الإنتاج، إلّا أن هناك بعض الأشخاص لا يحبون أن يعملوا في جو من المنافسة، لأن هذا يضعهم تحت ضغط مستمر يجعلهم غير قادرين على التركيز على أعمالهم.

التعسُّف من قِبل رؤساء العمل

قد يكون التعسُّف من قِبل رؤساء العمل أحد أسباب عدم التوافق التي قد تحدث نادرًا، إلا أنها سبب قوي يجعل من
العاملين غير قادرين على الاستمرار في أداء العمل بنفس الكفاءة، فضلًا عن تأثُّرهم النفسي بهذا الأمر.

ما هو مقياس التوافق المهني؟

من المهم أن نقيس التوافق المهني للعمال والموظفين لمعرفة مدى رضاهم عن أعمالهم التي يقومون بها،
ولتحديد مواضع الخلل والمشكلات التي تواجههم، حتى نكون قادرين على وضع الحلول. ويتمثل المقياس فيما يلي:

  1. قياس الرضا الإجمالي عن العمل.
  2. قياس الاتجاهات نحو جوانب العمل المختلفة.
  3. قياسُ مستوى الطموح لدى العاملين.
  4. قياس الرغبات والميول.
  5. قياس درجة الكفاءة الإنتاجية.
  6. وضع مقاييس قانونية لتحديد نسبة الغياب، والتنقلات والحوادث، والشكاوى، ومخالفات النظام.
  7. إنشاء مخطَّط لمتابعة العاملين.
  8. عمل استبيان عن التاريخ المهني للعاملين يشمل جميع الأعمال التي شغلوها من قبل، ومستواها، ومدة بقائهم فيها، وسبب تركهم إياها.

يساعد هذا المقياس على معرفة ما إذا كان العاملون مناسبين للوظائف التي يشغلونها أم لا، من خلال معرفة مهاراتهم وقدراتهم، ومدى ملاءمتها لإنجاز العمل المطلوب.

إن البحث في كيفية تحقيق التوافق المهني أمر بالغ الأهمية، لأنه يجعل قطاعات الأعمال تزدهر بوجود عاملين ذوي كفاءة، وقادرين على إنجاز الأعمال بأعلى جودة وأكثر إنتاجية، لأن هذه الأعمال أصبحت تناسبهم وتلائم قدراتهم.

المصدر
VOCATIONAL ADJUSTMENT
اظهر المزيد

Mohamed Ebaid

محمد عبيد، مترجم وكاتب محتوى ومدقق لغوي وأدرس الطب البشري. شغوف باللغة العربية وهدفي إثراء المحتوى العربي بعلم يُنتفع به.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق