ترياق الأمراض النفسية

ما هو مرض التوحد؟

وصف لي ابني ذو التسع سنوات حال ابن جارنا الجديد مستغربًا؛ فقد لاحظ أنه لا يميل إلى الاختلاط بأقرانه، ولا يتفاعل معهم بشكل طبيعي.

بالإضافة إلى حاجته إلى طُرق خاصة للتعلم، ومعاملة خاصة من والديه وأقاربه، بعد أن سمع منهم أنه مصاب بالتوحد.

نعم عزيزي القارئ… هذه حقًا بعض أعراض التوحد، وإليك بعض المعلومات الهامة عن هذا الأمر، لتوعية أبنائك وجيرانك بكيفية التعامل مع مثل هذه الحالات.

ما هو مرض التوحد وأعراضه؟

يُعرَف التوحد -أو ما يُطلَق عليه “اضطراب طيف التوحد – Autism spectrum disorder, ASD”- على أنه إعاقة في النمو تنشأ عنها تحديات سلوكية ومجتمعية كبيرة، وصعوبات في التواصل. 

ولا يظهر على مرضى التوحد -سواء من الكبار أو الأطفال- ما يميزهم عن غيرهم، ولكن يتفاعلون ويتواصلون مع غيرهم بطُرق تختلف كثيرًا عن غيرهم من الأشخاص الطبيعيين.

وتتفاوت قدراتهم في التعلم والتفكير وحل المشاكل تفاوتًا عظيمًا، وبعضهم يحتاج إلى قدر كبير من العون في حياته اليومية، وبعضهم يحتاج أقل من ذلك.

يصعب تشخيص مرض التوحد، إذ لا توجَد اختبارات طبية أو معملية لكشفه، ولكن يلاحظ الطبيب نمو وسلوك الطفل ليساعده على التشخيص.

ويمكن تشخيصه أحيانًا في سن 18 شهرًا أو أقل، ومع التقدم في العمر، يحتاج الأمر إلى أطباء متخصصين مهرة لدقة التشخيص.

ومع ذلك، معظم الأطفال لا يتم تشخيصهم بشكل نهائي إلا بعد سنوات، مما يعني تأخر تقديم الدعم والمساعدة لهم.

تبدأ أعراض التوحد في الظهور في مرحلة الطفولة المبكرة، وتستمر بعد ذلك خلال مراحل العمر المختلفة. ومن أهم أعراض التوحد عند الكبار والأطفال ما يأتي:

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

  • غالبًا ما يتصف المصابون بالتوحد بالنمطية، ونادرًا ما يرغبون في إضفاء بعض التغيير على نشاطاتهم اليومية المعتادة.
  • عدم التركيز على الأشياء وعدم الاهتمام (مثلًا: لا يركز المصاب بالتوحد على طائرة تطير في السماء).
  • لا ينظر المتوحد إلى الأشياء في حال نظر الآخرين إليها.
  • يعانون مشكلات في علاقاتهم مع الآخرين، أو الاهتمام بالناس بشكل عام.
  • تجنب الاتصال البصري، وتفضيل الوحدة والعزلة.
  • يجد المصاب بالتوحد صعوبة في تفهم مشاعر الآخرين بشكل جيد، وفي التعبير عن مشاعره الخاصة.
  • يرفضون العناق والاتصال الجسدي، إلا إن رغبوا هم بذلك.
  • يظهر عليهم عدم الإدراك عندما يتحدث الناس إليهم، ولكنهم يتفاعلون مع الأصوات الأخرى. 
  • قد يبدون اهتمامًا كبيرًا بالناس، ولكنهم لا يحسنون التحدث أو اللعب أو التواصل معهم.
  • تكرار الكلمات والتعبيرات التي يسمعونها دون فهم جيد لها.
  • صعوبات في التعبير عن احتياجاتهم بالكلمات والطُرق المعتادة.
  • عدم ممارسة الألعاب التخيلية (مثلًا: لا يتظاهر بأنه يطعِم دمية).
  • تكرار بعض الحركات كثيرًا.
  • صعوبة التكيف مع التغيرات الروتينية.
  • ردود الأفعال غير الطبيعية تجاه الروائح، أو الأصوات، أو المناظر، أو الأحاسيس.
  • نسيان بعض المهارات التي تم تعلمها (مثلًا: نسيان بعض الكلمات التي كانت تُستخدَم قبل ذلك).

أنواع التوحد

ذكرت جمعية أطباء النفس الأمريكيين في دليلها الإحصائي والتحليلي للأمراض العقلية “Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders, DSM” خمسة أنواع مختلفة لاضطراب طيف التوحد، يمكن أن يصاب الشخص بواحد أو أكثر منها. وهي:

  • توحد مع أو دون قصور ذهني.
  • توحد مع أو دون قصور لُغَوي.
  • توحدٌ مع مشكلات صحية أو جينية معروفة، أو عوامل بيئية.
  • توحد مصحوب بمشكلات في النمو العصبي، أو مشكلات عقلية أو سلوكية أخرى.
  • توحد مصحوب بمرض الكاتاتونيا.

يجدر بنا أن ننوه إلى أن هذا الدليل يعَدُّ من أهم المراجع التي يستعين بها الأطباء النفسيون، لتشخيص الكثير من الاضطرابات والأمراض النفسية.

وقد نشِر الإصدار الخامس (DSM-5) منه في عام 2013، وذكِر فيه أن مرضى الطيف التوحدي قد يصابون بواحد أو أكثر من الأمراض الآتية:

أسباب مرض التوحد

لا يعرَف سبب واضح محدد للتوحد، وقد ذكرت الأبحاث التي نشرت مؤخرًا أن الإصابة بالتوحد لا تنتج عن سبب واحد؛ بل عن عدة أسباب. ومن أهم هذه الأسباب ما يأتي:

  • إصابة أحد أفراد العائلة المقربين بالتوحد.
  • الطفرات الجينية.
  • متلازمة الكروموسوم الصبغي (X) الهش (Fragile X syndrome)، وغيرها من المشكلات الوراثية.
  • تأخر سن الوالدين عند الإنجاب.
  • نقص وزن المولود.
  • اختلال عملية الأيض.
  • التعرض للتلوث والسموم البيئية.
  • وجود تاريخ إصابات فيروسية.
  • تناول بعض الأدوية التي تؤثر في الجنين خلال الحمل، مثل: ديباكين (Depakene) أو ثالوميد (Thalomid).

ووفقًا لما ذكره المعهد الوطني للاضطرابات العصبية والسكتة الدماغية‏ (NINDS)، فإن العوامل الوراثية والبيئية قد تحدد ما إذا كان الشخص سينمو ويستمر مصابًا بالتوحد أم لا.

وهناك جدل حول علاقة اللقاحات بالإصابة بالتوحد ما بين مشكك ومؤيد؛ فقد ذكرت دراسة نشِرَت عام 1998 ارتباط اللقاح الثلاثي بالإصابة بالتوحد، وتم دحض ذلك واستدراكه في دراسة أخرى نشِرَت عام 2010.

علاج التوحد

هناك طرق متنوعة لعلاج التوحد، كل حالة بحسب احتياجاتها.

بعض الحالات قد تجدي معها طريقة واحدة، وبعض الحالات قد تحتاج إلى عدة طرق، وبعضها يحتاج إلى أدوية مساعدة، كل ذلك بهدف تخفيف الأعراض وتحسين النمو ومهارات التعلم. ومن هذه الطرق:

1- تحليل السلوك التطبيقي

يجرَى في المدارس والعيادات، لمساعدة الطفل على تعلم السلوكيات الإيجابية وتجنب السلوكيات السلبية.

يمكن استخدام هذه الطريقة لتطوير مهارات عدة، وينقسم إلى عدة أنواع على حسب الحالات، منها:

  • محاولات التدريب المنفصلة (Discrete trial training, DTT): باستخدام دروس بسيطة ذات دعم إيجابي.
  • تدريبات الاستجابة الأساسية (Pivotal response training, PRT): لمساعدة وتحفيز المريض على التعلم والتواصل الفعال.
  • التدخل السلوكي المكثف المبكر (Early intensive behavioral intervention, EIBI): ويعدُّ الأفضل للأطفال تحت سن الخامسة.
  • التدخل السلوكي اللفظي (Verbal behavior intervention, VBI): يركز بشكل أساسي على المهارات اللغوية.

2- الأساليب التنموية المعتمدة على الفروق الفردية والعلاقات

أو ما يسمَّى بـ”طريقة اللعب”، وذلك لأنها تتضمن مشاركة الطفل في ألعابه ونشاطاته المحببة بشكل مباشر، مما يؤدي إلى دعم النمو العاطفي والذهني، وتعليم طُرق التواصل الجيد.

3- علاج وتعليم الأطفال المرضى بالتوحد وإعاقات التواصل المرتبطة به

وذلك باستخدام بطاقات مصورة، لتعليم الطفل مهارات جديدة كل يوم -مثل كيفية ارتداء الملابس- حيث تبسَّط المعلومات إلى خطوات بسيطة يسهل تعلمها.

4- برنامج الاستعانة بالصور في التواصل

وهو علاج بصري آخر تُستخدَم فيه الرموز بدلًا من الصور، ويتعلم فيه الطفل كيف يسأل وكيف يتواصل عن طريق رموز خاصة.

5- العلاج الوظيفي

يساعد الطفل على تعلم المهارات الحياتية، مثل: الأكل، وارتداء الملابس بنفسه، ودخول الحمام، وبناء العلاقات مع الآخرين، مما يؤدي إلى تعود الطفل على الاستقلالية قدر الإمكان.

6- العلاج بالتكامل الحسي

يساعد الطفل على تعلم كيفية التعامل مع الأحاسيس المزعجة، مثل بعض الأصوات، أو الأضواء المبهرة. 

7- الأدوية

لا يوجَد علاج خاص بالتوحد، ولكن هناك بعض الأدوية التي تخفف بعض الأعراض المصاحبة، مثل: الاكتئاب، والنوبات الصرعية، والأرق، وصعوبات التركيز.

وقد أشارت الدراسات إلى فعالية هذه الأدوية حال اقترانها بالعلاجات السلوكية الأخرى. ومن هذه الأدوية: ريسبريدون، ومثبطات إعادة امتصاص السيروتونين الانتقائية، ومضادات القلق، والمنشطات. 

8- التغذية

لا ينصح خبراء التغذية ببرامج غذائية محددة، ولكن التغذية الصحية بشكل عام مهمة، وهناك البعض ممَّن يرون أن خلو الغذاء من بعض العناصر -مثل: الجلوتين والكازين- قد يكون مفيدًا في العلاج.

لا يوجَد دليل على هذا، وعمومًا فمن الأفضل الاستعانة بخبير تغذية، لوضع برنامج تغذية صحي مناسب.

تذكَّر -أخي القارئ- أنه لا بُدَّ من الاستعانة بأطباء مختصين لتحديد الطريقة المناسبة للعلاج، لتعظم الفائدة وتقل المضاعفات الجانبية.

المصدر
What is Autism Spectrum Disorder?Everything You Need to Know About AutismWhat Are the Treatments for Autism?
اظهر المزيد

Mohammed Saad

صيدلي ومترجم طبي وكاتب محتوى طبي، أسعى إلى تبسيط وإثراء المحتوى العلمي العربي؛ لإلسهام في نشر الوعي والثقافة الطبية في العالم العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى