ترياق الأمراض النفسية

التوحد عند البنات

أصابني الذهول في أثناء فحص ابنتي التي تبلغ من العمر ثنتي عشرة سنة…

فقد فاجأني الطبيب بأنها مصابة بالتوحد، وأنها تعانيه منذ فترة طويلة، رغم أن طفولتها كانت تسير بشكل طبيعي، ولم ألاحظ أي تغير في سلوكها إلا منذ فترة قصيرة جدًا.

سألتُ الطبيب عن ذلك، فأخبرني أن التوحد عند البنات يتأخر اكتشافه وتشخيصه في معظم الحالات، وشرح لي أسباب ذلك،
وبيَّن لي بعض الفروقات بين الأولاد والبنات المصابين بالتوحد.

وفيما يأتي بعض هذه المعلومات…

ما هو التوحد؟

يشير مصطلح التـوحد (Autism) إلى العديد من اضطرابات النمو، والتي تسبب مشكلات اجتماعية وسلوكية لا يستطيع معها المصاب بالتوحد أن يتعايش مع مجتمعه بشكل طبيعي، بل يحتاج إلى طريقة خاصة في التعامل معه وفي تعليمه.

تتراوح هذه الاضطرابات في شدتها من شخص لآخر، ويترتب على ذلك التفاوت في طُرق العلاج والرعاية التي يحتاجها المصاب بالتوحد.

لماذا قد يتأخر تشخيص التوحد عند البنات؟

قد يبرز في مقدمة الأسباب قلة انتشار التوحد عند البنات مقارنة بالأولاد، ووجود بعض أعراض التوحد التي تشيع بين الأولاد أكثر من البنات؛ مما يؤدي إلى إغفال الوالدين والمربين إلى ملاحظة أعراض التوحد عند البنات.

ومن الأسباب أيضًا، الصورة النمطية المنتشرة بين الناس عن سلوك الأولاد والبنات؛ فالكثير من الناس يعتقد أنه من الطبيعي أن تتميز البنت بالهدوء وقلة ميلها إلى الاختلاط بالآخرين، وقد يكون ذلك كله من أعراض التوحد عند البنات.

كذلك اختلاف البنات عن الأولاد في التعامل مع أعراض التوحد؛ فالبنات يمِلْنَ عادة إلى إخفاء أعراض التوحد، وبذل الجهد في اكتساب المهارات الاجتماعية، وهُنَّ أقدر على تكوين صداقات من الأولاد، مما يؤدي إلى تأخر اكتشاف التوحد عند البنات.

وقد يكون غياب الوعي عند الآباء والمربين وبعض مقدمي الخدمة الصحية سببًا في تأخر التشخيص.

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

أعراض التوحد عند البنات

لا يمكن الجزم بوجود التوحد من عرض واحد، وهناك بعض الأعراض التي لا يمكن ملاحظتها إلا مع نمو البنت وكبرها.

ويجب الأخذ بعين الاعتبار أن أعراض التوحد لا بُدَّ أن تكون شديدة للدرجة التي يمكن أن تتأثر بها حياة البنت بشكل ملحوظ. 

وعلى هذا، يمكن أن تعاني البنت عرضًا أو أكثر من أعراض التوحد، ولكن حياتها تسير بشكل طبيعي وناجح، فلا يصح حينئذٍ تشخيصها بالتوحد. ومن أهم هذه الأعراض والعلامات:

  • اعتماد البنت على غيرها من الأطفال -خاصة البنات- في جميع أنشطتها اليومية.
  • ضيق نطاق اهتمامها وملاحظتها مقارنة بغيرها من البنات؛ فمثلًا عندما تُعجَب البنات ببرنامج تلفزيوني، قد تجد البنت التي تعاني التوحد تهتم ببعض الجوانب وتتحدث عنها باستمرار -مثل الشخصيات أو الممثلين- وتكاد لا تعلم شيئًا عن الجوانب الأخرى.
  • الحساسية الشديدة للمؤثرات الحسية، مثل: الأصوات العالية، والأضواء المبهرة، والروائح النفاذة.
  • الاقتصار في حواراتها مع الآخرين على المواضيع التي تثير اهتمامها، ومشاركة هذه المواضيع فقط مع الآخرين،
    مع تجاهل ردود أفعال الغير؛ مما يؤثر في قدرتها على تكوين صداقات أو علاقات.
  • قد تصاب البنت بالإحباط بسرعة، ويصعب عليها حينذاك التحكم في مشاعرها، وربما يؤدي ذلك إلى بعض المواقف غير اللائقة،
    ويؤثر في علاقتها بأصدقائها ومعلميها، وربما يتطور الأمر إلى ما هو أعظم من ذلك، كطردها من المدرسة.
  • صعوبة تكوين الصداقات والاحتفاظ بها، فتبدو البنت جاهلة بمهارات التواصل غير اللفظية، مثل تعبيرات الوجه. وقد تعاني البنت أيضًا صعوبة في تقليدها لغيرها من البنات، سواء في سلوكهن، أو حتى اختياراتهن للملابس وقصَّات الشعر، وإن رغبت في ذلك.
  • قد توصَف البنت عادة بأنها هادئة أو خجولة في المدرسة أو في المناسبات الاجتماعية؛ ينتج هذا عن مشكلات في فهم الآخرين والتعبير عن النفس، مما يؤدي إلى صعوبة المشاركة في النقاشات، وعدم التفاعل المناسب مع المواقف الاجتماعية.
  • ربما يكون السلوك السلبي -الذي قد يكون مقبولًا في بعض المجتمعات- علامة على عدم قدرة البنت على الاختيار الصحيح،
    وأنها تميل إلى تجنب المتاعب قدر الإمكان في ردود أفعالها.
  • قد يبدو على البنت النمو الطبيعي، ولا تظهر أي مشكلات في التواصل الاجتماعي إلى أن تصل إلى سن العاشرة،
    حيث تشير الدراسات إلى قدرة البنات على التكيف مع هذه المشكلات في مرحلة الطفولة المبكرة باعتمادهن على الغير.

ولكن مع بداية مرحلة البلوغ، تبدأ مشكلات التواصل الاجتماعي في الظهور بشكل ملموس.

  • قد تعاني البنت نوبات صرعية، حيث وُجِد في إحدى الدراسات أن الفتيات اللاتي يعانين التوحد أكثر عرضة للإصابة بالصرع
    من الأولاد.

كيف تختلف البنات عن الأولاد في مرض التوحد؟

في دراسة أجراها معهد كينيدي كريجر للتوحد، وردت بعض الأشياء التي يظهر فيها الاختلاف بين الأولاد والبنات المصابين بالتوحد، منها:

  • يميل الأولاد المصابون بالتوحد لأن تكون لهم مناطق محددة ومتكررة للعب، على عكس البنات.
  • تتفوق البنات على الأولاد في مهارات التواصل غير اللفظي، مثل الاتصال البصري، كما يتميزنَّ بالقدرة على التركيز وعدم التشتت.
  • بينما تظهر مشكلات التواصل الاجتماعي عند الأولاد بشكل مبكر، تكون البنات أقدر على تلبية الاحتياجات الاجتماعية في مرحلة الطفولة المبكرة، ثم تبدأ المشكلات الاجتماعية في الظهور مع بداية مرحلة البلوغ.
  • يميل الأولاد المصابون بالتوحد إلى السلوكيات المضطربة، بهدف نيل حاجاتهم وأغراضهم. أما عند البنات، فيكون ذلك لجذب الانتباه.
  • البنات أكثر قابلية من الأولاد في الإصابة بالقلق والاكتئاب.
  • تختلف البنات عن الأولاد في الاهتمامات؛ فتميل البنات إلى الاهتمام بالموسيقى ونجوم التلفاز، أما الأولاد فيميلون إلى الاهتمام بالجداول، والمواعيد، والإحصاءات، والتنقل.
  • عادة ما يكون السلوك العدواني عند البنات أقل منه عند الأولاد، ويتميزنَّ كذلك بالسلبية والانطوائية.
  • من الشائع عند البنات -اللاتي يعانين التـوحد- الكفاءة الاجتماعية في الصغر، لأنهن غالبًا ما يكنَّ تحت رعاية وإرشاد البنات الأخريات ممَّن يحببن توجيه أقرانهن والاهتمام بهن.

ولكن سرعان ما يختفين من حياة البنات المتوحدات بمجرد البدء بمرحلة البلوغ، حيث تتغير اهتماماتهن وأصدقاؤهن.

علاج التوحد

تشير الأبحاث إلى أنه كلما كان اكتشاف الأعراض وعلاجها مبكرًا، كلما زادت فرصة الشفاء والتحسن. وهناك العديد من الخيارات لعلاج التوحد، منها:

1- العلاج السلوكي

تشير تقارير الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال ومجلس البحوث الوطني إلى كفاءة العلاج السلوكي في مساعدة الأطفال المصابين بالتـوحد، للتغلب على الكثير من الأعراض والمشكلات الاجتماعية التي يعانونها. 

ومن أهم طرق العلاج السلوكي: تحليل السلوك التطبيقي (ABA)، والعلاج المهني، والتدريب على المهارات الاجتماعية، وعلاج عيوب النطق.

2- الأنظمة الغذائية

أشارت دراسة -أجرِيَت عام 2017- إلى الدور المهم الذي تلعبه التغذية في علاج التـوحد.

يمكن لبعض التغييرات في النظام الغذائي -مثل: تجنب الأطعمة التي تسبب الحساسية، وتناول الفيتامينات والمعادن-
أن تحدث فارقًا كبيرًا، يلاحظه الآباء في سلوك أبنائهم.

3- العلاج بالأدوية

لا يوجَد علاج خاص بالتـوحد، ولكن تستخدَم الأدوية لعلاج الأعراض المصاحبة للتوحد، مثل: الاكتئاب، والقلق، ونوبات التشنجات.

وفي الختام…

يجب أن نذكر بأن هذه الأنواع قد تختلف في تأثيرها من حالة لأخرى، لذا يجب استشارة الأطباء المختصين في ذلك، ويجب على الآباء متابعة حالات أبنائهم عن كثب، وملاحظة كل ما يطرأ عليهم خلال فترة العلاج.

المصدر
Differences in Diagnosing Autism in Girls and BoysSymptoms of Autism in GirlsWhat to know about autism in girlsTreatment and Intervention Services for Autism Spectrum Disorder
اظهر المزيد

Mohammed Saad

صيدلي ومترجم طبي وكاتب محتوى طبي، أسعى إلى تبسيط وإثراء المحتوى العلمي العربي؛ لإلسهام في نشر الوعي والثقافة الطبية في العالم العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى