ترياق الأمراض النفسية
أخر الأخبار

التوحد – محبوس في نفسي!

كنا في الفرقة الرابعة بالكلية عندما ذهبنا لزيارة مركز لتأهيل ذوي القدرات الخاصة. رأينا خلال هذه الزيارة حالات لأطفال على درجات مختلفة من القدرات العقلية وهم يتدربون على الرسم واللعب الجماعي والأنشطة الإبداعية.

لفت نظري طفل يجلس بعيدا عن المجموعة، كان يحرك يديه أمام وجهه صامتا. حاولنا أن نتحدث معه أو أن نشركه في اللعب معنا، لكنه لم يستجب.

سألنا عن حالته فقيل لنا إن الطفل يعاني من التوحد. كنا نعرف معلومات قليلة عن مرض التوحد؛ لذا سألنا وبحثنا لنعرف أكثر عن سمات التوحد وطرق علاجه. 

خلفية طبية عن التوحد

بداية، التوحد ليس مرضا واحدا كما يبدو من الاسم، بل يشمل مجموعة كبيرة من الاضطرابات التي تؤثر على المهارات الاجتماعية والكلام والتواصل غير المنطوق مع الغير، كما يصاحبه تكرار لبعض السلوكيات.

يجب أن نعرف أن التوحد ليس تخلفا عقليا أو انحدارا في مستوى المهارات العقلية، لكنه صعوبة في التواصل مع الغير؛ لذا فإن بعض المرضى لديهم قدرات متميزة على التعلم والتفكير وحل المشكلات، كما سنعرض بالتفصيل في أعراض التوحد.

لا تقتصر الإصابة به على فئة معينة، فالمصابون به من جميع الأجناس والمستويات الاجتماعية.

نظرا لاختلاف أنواع التوحد فإن لكل مريض مجموعة تحديات وأعراض مختلفة عن غيره حسب النوع المصاب به.

يجد المختصون أيضا أن هناك تفاوتا بين المرضى في احتياجهم للمساعدة في أنشطتهم اليومية، فالبعض يستطيع أن يعيش بدون مساعدة الغير، والبعض يحتاج بشدة لغيره.

رغم كونه مرضا مزمنا يعيش به المريض حياته كاملة، إلا أن الخدمات والعلاجات المتاحة له تساعد على الحياة بصورة أفضل وتحسن القدرة على الاعتماد على النفس.

أسباب مرض التوحد

لا يوجد سبب محدد للتوحد، لكن يرى الباحثون أن أسباب التوحد الرئيسية هي: 

  • الوراثة: أي مشكلة بالجينات.
  • العامل البيئي.

تشترك عوامل أخرى معا ومع الخلل الجيني والبيئة لتزيد فرصة ظهور أعراض التوحد، مثل:

  • تقدم عمر الأبوين.
  • أن يكون وزن الطفل قليلا جدا عند ولادته. 
  • إصابة أحد الأشقاء أو أفراد العائلة بمرض التوحد.
  • الإصابة بأحد الأمراض الجينية الأخرى مثل متلازمة داون.
  • إصابة الأم بداء السكري أو السمنة.
  • تناول الأم الحامل لبعض الأدوية في أثناء الحمل أو شربها الكحوليات.

كان هناك اعتقاد بوجود علاقة بين أخذ التطعيمات والإصابة بالتوحد، لكن لم تثبت هذه العلاقة بأي من الدراسات العلمية التي أجريت بهذا الصدد. 

سمات التوحد

تظهر الأعراض في سن الثانية أو الثالثة من العمر في أغلب المرضى، وفي عمر 18 شهرا في حالات أقل. ينتبه الأبوان في هذه الحالة إلى عدم تتبع الطفل لهما بعينيه كما هو معتاد في قرنائه.

أبرز سمات التوحد هي الخلل في التواصل وفي السلوكيات وتظهر كالآتي:

  • صعوبة في تفاعل الطفل مع الأهل والتواصل معهم.
  • تكرار السلوكيات بشكل مفرط.
  • انعدام اهتمام الطفل بما يحيط به من أحداث وأشخاص.
  • صعوبة تعلم مهارات أو معلومات جديدة، مما ينبئ بصعوبة متوقعة في التعلم المدرسي. 

أعراض التوحد

تختلف الصورة من مريض لآخر حسب نوع التوحد المصاب به المريض وشدته.

مشاكل التواصل الاجتماعي والسلوك

  1. عدم التواصل البصري مع الأهل.
  2. لا يبدي الطفل اهتماما لما يقال وما يحدث حوله ويبدو كأنه لا يرى ما يحيط به.
  3. يتأخر في الرد على النداء أو لا يرد مطلقا.
  4. يبدو الطفل دائما كأنما لا يستمع لمن يحدثه، وتكون هناك صعوبة في إجراء حوار معه. 
  5. لا تتماشى تعبيرات وجهه وجسده مع المواقف.
  6. يلاحظ الأهل صعوبة فهم الطفل للمطلوب منه وعدم فهمه لتصرفاتهم أو توقعه لها.
  7. لا يفهم الأسئلة الموجهة له ولا توجيهات الأهل.
  8. يتحدث بطبقة صوت رخيمة أو بطريقة غريبة، لذا ففي بعض الأحيان يبدو كإنسان آلي يتحدث .
  9. لا يهتم بما يحدث في محيطه بل يبدو أنه يعيش في عالم منفصل.
  10. يرفض الطفل أن يلمسه أو يمسكه أو يحتضنه شخص آخر.
  11. لا يستطيع الطفل أن يعبر بوضوح عن أفكاره وطلباته.
  12. يفضل دوما البقاء وحيدا ولا يكوِن صداقات.
  13. لا يبالي بالشعور بالألم وتغيرات الحرارة.
  14. يصعب عليه تفهم المزاح والمعاني غير المباشرة.
  15. لا يستخدم الضمائر بشكل صحيح، كأن يقول “أنت” بدلا من “أنا”.

السلوكيات المتكررة

  1. من العلامات المميزة لمريض التوحد أنه يكرر حركة معينة بلا داعي مثل الدوران حول نفسه أو الخبط بيده أو التأرجح… إلخ.
  2.  تكرار كلمة أو جملة لمرات عديدة بلا كلل Echolalia.
  3. يولي الطفل الانتباه لأشياء محددة مثل شيء متحرك أو تفصيلة معينة بأحد ألعابه كعجلة سيارة أو لعبة معينة.
  4. يبدي اهتماما بالأرقام والتفاصيل الدقيقة بدون فهم للمعنى العام لما يراه.
  5. يستاء عند تغيير أمر كان يحدث بشكل روتيني.
  6. يبدو حساسا تجاه الضوضاء وتغير مستوى الضوء. 
  7. يثبت روتينا معينا لأنشطته ويرفض الإخلال بهذا الروتين.

أعراض التوحد في الجهاز العصبي

  • اضطرابات النوم.
  • القلق العصبي.
  • صعوبة التركيز والانتباه.
  • الاكتئاب.
  • الصرع.

نقاط القوة في التوحد

  • يكون لدى المتوحد قدرة على تعلم المهارات الحسابية بسهولة، كذلك دراسة العلوم والفنون والموسيقى.
  • يستطيع الانتباه للتفاصيل الدقيقة فيما حوله.
  • ذو ذاكرة قوية تساعده على التقاط المعلومة وتذكرها لفترات طويلة.
  • يتعلم بصريا وسمعيا بسهولة.

علاج مرض التوحد

التوحد

يعطي العلاج نتائج أفضل عندما يبدأ مبكرا؛ إذ أنه يساعد الطفل المتوحد على الحياة بصورة طبيعية وعلى التغلب على صعوبات التعلم والتواصل. 

ولكن للأسف فإنه لم يكتشف بعد علاج نهائي يشفي المريض من التوحد، ولكن العلاج يسهم في تحسين حياة المريض.

العلاج الدوائي

تهدف العقاقير الدوائية إلى التحكم في:

العلاج السلوكي والنفسي 

التوحد

يساعد هذا العلاج على تحسين القدرة على التواصل مع الغير ويضبط سلوكيات المريض مثل:

  • تحسين القدرات اللغوية والنطق.
  • التحكم في السلوكيات غير المفيدة مثل العنف وفرط الحركة.
  • التدريب على التعامل مع الغير بصورة فعالة.

العلاج الوظيفي والتعليمي

لابد من اللجوء للعلاج الوظيفي لتعليم الطفل المهارات اللازمة ليعيش مستقلا ومعتمدا على نفسه، مثل:

  • ارتداء الملابس.
  • تناول الطعام.
  • العناية الشخصية.
  • التحدث مع الغير.

هل يمكن الوقاية من إصابة الأطفال بالتوحد؟

لا يمكن الوقاية منه؛ لأن الأسباب غير واضحة، ومن الصعب توقع إصابة هذا الطفل أو ذاك اللهم إلا في حالة التاريخ العائلي الإيجابي للمرض، لكن من الممكن اتباع نصائح عامة في أثناء الحمل تقلل فرصة حدوث المرض في هذه الأطفال، مثل: 

  • الانتظام في ممارسة الرياضة.
  • اتباع السلوكيات الصحية في التغذية والنوم.
  • امتناع الأم الحامل عن تناول الكحوليات.
  • الحصول على التطعيمات كاملة، بالأخص التطعيم ضد الحصبة الألمانية.
  • تجنب تناول الأدوية بدون استشارة الطبيب.

تدرك الآن عزيزي القارئ أن:

التوحد ليس تخلفا عقليا لكن يمكن أن يعالج المريض ليتعلم بصورة طبيعية، ولكي يقوم بأنشطته اليومية بنفسه. يحدث هذا من خلال العلاج بالعقاقير الطبية والعلاج السلوكي والوظيفي والتأهيلي.

هناك عدة عوامل بيئية ووراثية تساعد في إصابة الطفل بالمرض.. تبدأ تلك الأعراض عادة في عمر عامين إلى ثلاثة، وتستمر معه طوال العمر.

المصدر
Autism Spectrum DisorderAutismAutism spectrum disorderAutism: Symptoms & Signs
اظهر المزيد

د. أسماء أبو بكر

طبيبة بشرية أتوق دائما لتعلم الجديد، ولنقل العلم مع تبسيطه للجميع. أحرص على الوصول للمعلومة من أدق المصادر، ومن ثم أصيغها للقارئ والمتعلم بأسلوب علمي مبسط. أمتلك موهبة السرد المنظم الشامل. صقل عملي في التدريس الجامعي هذه الموهبة، لأضع بين القارئ علما موثوقا فيه يسير الفهم. أكتب من أجل إتاحة المعلومة الطبية الموثقة للجميع. أكتب لأنني أهوى الشرح والتفسير. أكتب لأنني أشعر بالإنجاز والسعادة مع كل مقطع أنتهي منه. أكتب لنشر العلم ودحر الجهل. أكتب صدقة عن نفسي وعلمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق