الإدمان

رحلتك في التوقف عن التدخين تبدأ من هنا

“لا أتذكر كيف بدأت تلك العادة اللعينة، لكن أتذكر أول مرة لامست شفتاي تلك اللفافة، وأول مرة امتلأ صدري بذلك الدخان والسعال الذي استمر بعدها لمدة ليست قصيرة، وكذلك أتذكر عدد المرات التي حاولت فيها التوقف عن التدخين وباءت بالفشل”

هذا ما بدأ به صديقي حديثه حول التدخين وأضراره، متسائلََا كيف يمكنه التوقف عنه.

تاريخ صناعة التدخين

بعد اكتشاف كريستوفر كولومبوس للقارة الأمريكية؛ تعرف العالم على التبغ وازداد انتشاره بشكلِِ ملحوظ.

لم يعد مجرد نباتٍ يُمضغ ويُدخن في مناسباتٍ وشعائرَ دينية معينة؛ بل رُوِج له كرمزٍ من رموز الوجاهة الاجتماعية.

لم يمر الكثير من الوقت حتى تحول التبغ بعدها من نباتٍ بري، إلى حقولٍ تزرع وتحصد بهدف صناعةٍ محددة؛ وهي التدخين، حدث ذلك دون درايةٍ بأضراره. 

بعد مرور قرن من تلك الخطوة؛ ظهرت أول التقارير التي تشير إلى خطورة التدخين وتأثيراته السلبية على الصحة والتي سنعددها في الفقرة التالية.

التدخين ضارٌ بالصحة ويسبب الوفاة

يكمل صديقي حديثه “ربما كان الفضول هو سيد الموقف وقتها، أم أنها المراهقة بنظرتها القاصرة التي تدفعك للتشبه بكل من هم أكبر منك -دون التمييز بين الصواب والخطأ-!

أيََا ما كان السبب المهم أنني لم أفطِن إلى حجم الضرر إلا بعد تمكن تلك العادة مني”.

تكمن خطورة التدخين في أضراره الوخيمة التي تحتاج لأعوام حتى تظهر بوضوح، وكذا في تأثيره الذي يشمل الجسد كله ولا يقتصر على عضوٍ بعينه، فيؤثر على ما يلي: 

  • الجهاز التنفسي: 

إن استنشاق الدخان الناتج عن احتراق التبغ؛ يدمر الرئة ويجعلها أكثر عرضةً للإصابة بالأمراض التنفسية المزمنة.

من أشهر تلك الأمراض انتفاخ الرئة والتهاب الشعب الهوائية المزمن، هذا بجانب زيادة احتمالية الإصابة بالسرطان.

  • القلب والجهاز الدوري: 

يترسب النيكوتين الناتج عن التدخين على جدار الأوعية الدموية مسببََا تصلبها؛ مما يعيق مرور الدم بصورةٍ طبيعية خلالها.

يؤدي التدخين أيضََا إلى ارتفاع ضغط الدم بشكلٍ ملحوظ، مما يزيد خطر الإصابة بالجلطات. 

يضطر القلب لبذل جهدٍ مضاعف لضخ الدم بصورةٍ طبيعية في ظل تلك التغيرات؛ مما يجعل الإصابة بنوبة قلبية أمرًا محتملًا. 

  • الجهاز الهضمي: 

أثبتت بعض الدراسات أن النسبة الكبرى من مصابي سرطان البنكرياس تعد من المدخنين، كذلك هم الأكثر عرضة للإصابة بسرطان الفم والمريء والحنجرة. 

يلعب التدخين دورََا في الإصابة بداء السكري من النوع الثاني؛ وذلك لأنه أحد أشهر مسببات مقاومة الأنسولين.

  • الجهاز التناسلي:

يؤثر التدخين بشكلٍ سلبي على خصوبة الرجل والمرأة على حدٍ سواء. يرجع ذلك لسببين هما:

  1.  التقليل من معدلات إفراز الجسم للهرمونات الجنسية؛ مما يؤثر على الرغبة نفسها.
  2. منع تدفق الدم بشكلٍ كافٍ للأعضاء التناسلية المختلفة.

لنفترض عزيزي القارئ أنك مدركٌ تمامََا لأضرار التدخين وأن استمرارك به هو اختيارك الحر؛ لكن ما ذنب من حولك؟ 

إن الأشخاص المحيطين بك يستنشقون كميةً لا بأس بها من دخان السجائر تعرضهم لنفس الأخطار التي تتعرض أنت لها، وهذا ما يعرف باسم التدخين السلبي.

التوقف عن التدخين السلبي

لم الإقلاع عن التدخين بهذه الصعوبة؟ 

كان هذا سؤال صديقي الدائم لنفسه؛ لماذا يواجه صعوبةً دائمََا في التوقف عن التدخين؟ لماذا يرجع إلى تلك العادة بعد فترةٍ قصيرةٍ من التوقف عنها؟ 

إن التدخين -يا صديقي- يعد شكلًا من أشكال الإدمان؛ إذ إن مادة النيكوتين تتجه مباشرةََ إلى المخ وتعمل على تحفيز إفراز الدوبامين؛ وهذا يفسر شعورك بالسعادة والراحة؛ لكن أين تكمن المشكلة؟ 

لمعرفة المزيد عن الإدمان اقرأ هذا المقال عن أسباب إدمان المخدرات وعلاجه.

المشكلة هنا أن تأثير النيكوتين سرعان ما يزول؛ ويبدأ ظهور الأعراض الانسحابية بشكلٍ واضح والتي تتمثل في التوتر والقلق والغضب؛ مما يجبرك على العودة للتدخين للتخلص من تلك الأعراض؛ وهكذا تجد نفسك تدور في دائرةٍ مفرغة لا تنتهي. 

هل يعني كلامي هذا أنه لا يوجد حل؟ 

لا -يا عزيزي- توجد الكثير من الخطط والحلول التي سنشرحها في الفقرات التالية، والتي ستساعدك في معرفة كيفية الإقلاع عن التدخين.

خطوات تساعدك على التوقف عن التدخين

إن التوقف عن التدخين -يا صديقي العزيز- ليس مجرد قرار عشوائي تتخذه في لحظةٍ ما بدون مقدمات. 

إنما هو بمنزلة رحلةٍ طويلة ومرهقة تحتاج منك لتخطيطٍ جيد قبل بدئها؛ والخطوات التالية يمكن أن ترشدك إلى وجهتك: 

أولََا: ما هي أسبابك ودوافعك؟ 

قبل البدء في رحلتك عليك تحديد الأسباب التي تدفعك للقيام بتلك الرحلة، والتي قد تكون واحدة من الأسباب التالية أو كلها:

  1. الخوف من الأضرار الصحية التي ذكرناها في بداية المقال.
  2. وقف النزيف المالي الذي يتسبب فيه التدخين.
  3. الرغبة في عيش حياة صحية أكثر؛ تستطيع فيها التنفس بعمق والتذوق بشكلٍ أفضل وممارسة أبسط أنشطتك بدون الشعور بالتعب والإرهاق.
  4. الحفاظ على صحة عائلتك وخاصةََ أطفالك؛ فلا ذنب لهم في دفع فاتورة عاداتك الخاطئة. 

ثانيََا: حدد الوقت المناسب 

كشأن أي رحلة عليك تحديد الوقت الأنسب الذي تبدأ فيه. إن التوقف عن التدخين أمرٌ مرهق يحتاج لكل ذرةٍ من عزيمتك؛ فإن كنت تمر بوقتٍ عصيب أو تواجه تغيراتٍ كبيرة في حياتك؛ حاول تأجيل تلك الخطوة إذََا.

ثالثََا: توقع ما ستواجهه في رحلتك واستعد له جيدََا 

إن تهيئة نفسك للمشاكل والصعوبات التي يمكن أن تواجهك خلال رحلة التوقف عن التدخين، ومعرفة كيفية التغلب عليها أمرٌ مهم. ومن أشهر تلك المشاكل:

  1. أعراض الانسحاب: يبدأ ظهورها فور التوقف عن التدخين ومن ثم تقل حدتها تدريجًا إلى أن تختفي خلال أسبوعين. تتمثل تلك الأعراض في التوتر والقلق وضعف التركيز، بجانب الصداع المزمن والشعور بالدوار والغثيان.  
  1. الرغبة الملحة في التدخين: إن نسبة كبيرة من المدخنين يعودون مرةً أخرى بعد التوقف لمدةٍ طويلة تستمر لشهور وأحيانََا لأعوام بسبب لحظات ضعفٍ تمر بهم بين الحين والآخر.

رابعََا: تغلب على الضغوطات التي تقابلك 

هناك العديد من الأشياء التي من شأنها التقليل من التوتر والقلق المصاحب لرحلة التوقف عن التدخين ومنها:

  1. ممارسة الرياضة بشكل منتظم. 
  2. تناول وجباتٍ صحية متوازنة.
  3. ممارسة اليوجا والتأمل وتمارين التنفس بعمق؛ قد يساعد في تقليل من حدة أعراض الانسحاب. 

 لليوجا تأثيرات أخرى عظيمة يمكنك التعرف عليها من هذا المقال اليوجا_رحلة داخل النفس.

في الأوقات التي تلح عليك رغبة قوية في التدخين حاول تشتيت نفسك بقدر الإمكان؛ تحدث إلى أحد أصدقائك.

خامسََا: اختر الرفيق قبل الطريق

اختر رفقاء رحلتك جيدََا واطلب من أصدقائك وعائلتك دعمك ومساعدتك في قرارك، وابتعد قدر الإمكان عن المدخنين وأماكن التدخين.

سادسََا: لا تتردد في طلب المساعدة 

يمكنك اللجوء لطبيبٍ أو معالجٍ نفسي متخصص؛ لمساعدتك في التوقف عن التدخين. من أشهر أنواع جلسات العلاج النفسي المتبعة لهذا الغرض جلسات العلاج السلوكي المعرفي. 

يمكنك معرفة المزيد عن العلاج السلوكي المعرفي من هنا جلسات العلاج النفسي بين السينما والحقيقة.

يلجأ الطبيب أحيانََا إلى وصف بعض الأدوية التي تساعد على التخفيف من حدة الأعراض الانسحابية وأشهرها (Zyban).

كذلك توجد بدائل للنيكوتين سواء في صورة علكة أو شرائط لاصقة؛ تمد الجسم بكميات قليلة منه وتقلل من أعراض الانسحاب. 

وأخيرََا كن صبورََا ولا تيأس يا صديقي فإن كنت تظن أن هناك من يتوقف عن التدخين من أول محاولة فإنك متوهم تمامََا. هناك من يتخطى حاجز الثلاثين محاولة قبل التوقف عن التدخين. تذكر أيضََا يا صديقي أنه مهما كانت صعوبة الرحلة فإن صحتك وعافيتك تستحق كل تلك المحاولات. 

المصدر
Effects of smoking on the bodyThe Effects of Smoking on the BodyQuitting Smoking? Expect a Lot of Failure Before You SucceedI Want To Quit Smoking
اظهر المزيد

د. مروة إسماعيل

مروة إسماعيل صبري، طبيبة بيطرية وكاتبة محتوى طبي، مهتمة بالبحث في مختلف العلوم الطبية وتبسيطها وإثراء المحتوى الطبي العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق