ترياق الحياة الصحية

الثبات الانفعالي | أمسك بلجام مشاعرك وتحكم بغضبك

” انفصل خالد من عمله بالشركة بعد أن قضى بها ثلاث سنوات من العمل الدؤوب، وفي أثناء عودته للمنزل تعطلت سيارته، وأخبره الميكانيكي أن إصلاحها قد يستغرق شهرًا حتى يتمكن من إحضار قطع غيار مستوردة…

وصل خالد إلى منزله، وما لبث أن استدعى المصعد، حتى انقطع التيار الكهربائي، مما اضطره إلى صعود الدرج.

وبعدما استجمع كل قوته، واجتاز عشرة طوابق بنجاح؛ تعرقلت قدماه في السلمة المكسورة أمام باب شقته…

نصحه الطبيب بالراحة التامة والمكوث في البيت أسبوعين كاملين؛ فقد أصيب بالتواء في الأربطة، ووضعت قدمه في جبيرة.”

أعزائي القراء، أكاد أسمع الآن أنفاسًا تعلو، وصدورًا تئن ضيقًا لحال خالد. وأكاد أرى آخرين مواسين وناصحين بالرضا لقضاء الله -عز وجل- وقدره.

وفي جميع الأحوال يستحق خالد تحيةً منا على “الثبات الانفعالي” موضع حديثنا في هذا المقال.

بدايةً، لماذا تختلف طرق استجابة الناس نحو نفس المواقف؟ 

على مر الزمان، طوَّر العديد من الباحثين نموذج اختبار نفسي يعد الأكثر موثقية لاختبارات الشخصية، ويسمَّى (نظرية عناصر الشخصية الخمسة – Big Five personality theory). 

وضعت هذه النظرية خمس سمات كبرى تحدد شخصية الإنسان، وتفسر الفروق الفردية بين البشر، وغالبًا ما يستخدمها مسؤول الموارد البشرية لتساعده في تعيين الموظفين؛ وذلك لأن هذه السمات تُعَد العناصر الأساسية التي تشكل الشخصية العامة للفرد.

 وتشمل هذه السمات الخمس ما يأتي: 

  • الانفتاح (Openness).
  • الضمير الحي (Conscientiousness).
  • الانبساطية (Extraversion).
  • القبول (ِAgreeableness).
  • العصابية (Neuroticism).
لماذا تختلف طرق استجابة الناس نحو نفس المواقف؟

اختبار الثبات الانفعالي

في علم النفس المعاصر، قُسِّمت هذه السمات الكبرى إلى عناصر فرعية أخرى متعددة.

 وأُعيد تسمية سمة (العصابية) إلى (الانفعالات السلبية)، وتنقسم إلى ثلاثة جوانب، يُظهر كل منها طريقة الاستجابة للمشاعر بطرق مختلفة، وهم:

  • القلق.
  • الكآبة.
  • التقلب العاطفي.

ويمكن اختبار الثباتِ الانفعالي وتقييم مستواه عن طريق اختبارات الشخصية التي تطلب منك تقييم ما يأتي:

  • القلق المستمر نحو جميع الأشياء.
  • سهولة الانزعاج.
  • التقلبات المزاجية المتكررة.
  • سهولة الغضب.
  • الشعور بالأسى.

إذا حصلت على درجات منخفضة في العصابية بعد إجراء اختبار الثبات الانفعالي؛ يعني ذلك أنك:

  • أكثر استقرارًا من الناحية العاطفية وتتمتع بالثبات الانفعالي الجنسي.
  • أقل تفاعلًا مع الضغوطات.
  • أقل عُرضة للتوتر والانفعالات.
  • تميل إلى الهدوء والتوازن.

أما إذا أشار المقياس إلى درجة عالية من العصابية؛ فعلى ما يبدو أنك تستسلم للمشاعر السلبية بسهولة.

إذًا…

فمفهوم الثبات الانفعالي وضبط النفس: هو قدرتك على مواجهة الضغوطات والظروف الصعبة مع الحفاظ على التوازن العاطفي (وهو عكس العصابية).

هل يمكنني الحفاظ على الثبات الانفعالي والتحكم في الغضب والعصبية يومًا ما؟

تشير الأبحاث إلى أن السمات الشخصية -بوجه عام- ليست ثابتة، ويمكن أن تتغير كلما تقدم بك العمر -خاصة مع البلوغ و دخول مرحلة الشباب-، أو بعد وقوع حدثٍ كبيرٍ بالحياة، مثل:

  • إقامة أول علاقة عاطفية.
  • التخرج وبدء الحياة المهنية.
  • الانتقال من المدرسة الثانوية إلى الجامعة.
  • الزواج.
  • إنجاب الأطفال.

قد تزداد قدرتك على كلٍّ من الثبات الانفعالي وضبط النفس نتيجةً للمرور بأحد الأحداث السابقة، ويمكنك أيضًا اتخاذ بعض الخطوات التي تساعدك في إدارة غضبك.

هل يمكنني الحفاظ على الثبات الانفعالي والتحكم في الغضب والعصبية يومًا ما؟

مفاتيح التحلي بالثبات الانفعالي وإدارة الغضب

لا تسير كل الأمور الدنيوية دائمًا بسلاسة، ويعد التصدي لصفعات الحياة بثبات دون الانهيار أو فقدان التوازن أحد مقومات النجاح.

هناك بعض العوامل التي قد تساعدك في ذلك:

  1. التفكير في الأمور من وجهة نظر مختلفة

في السابق وجدنا خالد وقد تعطلت سيارته، من ناحية يمكن أن يشعِرَه ذلك بالضيق والأسى، ولكن من ناحية أخرى، لما لا يفكر في أنه محظوظ في الأساس لمجرد امتلاكه سيارة، وأن العُطل الذي أصابها قابل للإصلاح، فربما يجد آخرين أعطالًا أسوء من ذلك، أو قد يفقدون سيارتهم نهائيًا في حادث ما.

ووجدناه قد انفصل من عمله. ربما حان الوقت الآن ليفكر في مشروعه الخاص؛ فقد اكتسب خبرة لا بأس بها، وكوَّن علاقات يمكن أن تساعده كثيرًا.

أيضًا بعد أن أصيبت قدماه؛ فقد حان الوقت لأخذ قسطٍ من الراحة، وربما تكون فرصة جيدة تساعده في التأمل والتفكير بعمق أكثر في تدابير حياته القادمة، والتخطيط لها جيدًا.

  1. رفع سقف التوقعات

هل تنتظر أن تقود سيارتك يومًا في طريق دون أن تظهر لك أي مطبات؟!

 بالطبع لا، أنت تعلم جيدًا أن طريقك مملوء بالمطبات، ولكن قد تنزعج عندما لا تتوقع أين ومتى ستظهر تحديدًا.

هكذا هي الحياة؛ قد تكون ممتعة، لكنها ليست سلسة أبدًا، تنصفك حينًا وتخذلك حينًا؛ فكن مستعدًا في أي وقت عندما تأتيك الرياح بما لا تشتهيه سفينتك.

كلما قلَّت مفاجأتك بالأحداث السلبية، زاد الثبات الانفعالي والتحكم في الغضب والعصبية في ردود أفعالك.

3. إنشاء خطة عمل

عندما نشعر بالسوء؛ تقل طاقتنا وقوة إرادتنا، نفقد حافزنا ولا نستطيع التفكير.

إذا استسلمتَ لهذه الحالة طويلًا، ستبدو وكأنك قد تخليتَ عن نفسِك في محنتها؛ فلا تستجب أبدًا لمشاعرك السلبية، وتجعلها تتمكَّن منك.

ومجرد التفكير في الإجراءات التي يمكن أن تفعلها لتحسين وضعك، كفيل بخلق شرارة تدفعك للأمام. 

لذا واجه الحياة بخطة عمل مضادة؛ فاتخاذ الإجراءات الإيجابية سيعيد ثقتك بنفسك ويخلق فرصًا جديدة ومثيرة.

 الثبات الانفعالي عند الأطفال

إن الأطفال بحاجة لتعلُّم كيفية التحكم في الغضب والانفعالات دائمًا، فهي ضرورة للنمو الأكاديمي والاجتماعي والأخلاقي لهم.

وغالبًا ما يصعب على الآباء معرفة الطريقة الصحيحة لتنمية قدرة أطفالهم على الثبات الانفعالي وإدارة الغضب، ومساعدتهم في التعامل مع ضغوط الحياة اليومية التي لا مفر منها.

فيما يأتي بعض النصائح لتعزيز الثبات الانفعالي عند الأطفال:

1. كن نموذجًا للسلوك الصحيح

يتميز الأطفال بشدة الملاحظة دائمًا؛ لذا فمن الأفضل إظهار ما يجب عليهم فعله بدلًا من التوجيه اللفظي.

فعلى سبيل المثال، عندما ينمو الطفل مع والدَين يعاملان بعضهما باحترام، ويحلان نزاعاتهما دون إساءة؛ لا شك أنه سيصبح أكثر اتزانًا ومرونةً من الطفل الذي يكبر مع أبوين عدوانيَين وعصبيَين.

2. علِّمهم تأخير الاستجابة

شجِّع طفلك على عدم إعطاء ردود أفعال فورية؛ فعندما يغضب أو يحزن اطلب منه الانتظار فترة ثم الرد بعد ذلك.

قد يؤدي ذلك إلى امتصاص بعض انفعالات الغضب والعصبية، والاستجابة بطريقة أقل حدة.

3. نبِّههم لعواقب الأمور

عندما يدرك طفلك عواقب أفعاله، فلا شك أنه سيختار خطواته بعناية. 

فيمكنك إجراء حوار هادف مع طفلك (على مستوى المنزل أو المدرسة)، وتوضيح عواقب الأنشطة المختلفة من خلال سرد بعض القصص، ثم مطالبته بتحديد الإجراءات المناسبة التي سيتخذها.

4. دعهم يكتشفون ضغوطاتهم

يمكنك تخصيص أوقاتٍ لمساعدة طفلك في تحديد الأمور التي تسبب له الانفعالات، ولتوعيته بطريقة التعامل معها بفاعلية.

قد تسبب بعض المواقف ضغطًا للأطفال وكذلك الأشخاص أو الأحداث، مثل: الذهاب إلى المدرسة والبُعد عن الوالدَين، أو توبيخ المعلمين، أو استيلاء أحد الزملاء على لعبتهم المفضلة.

وبوجه عام، فالهدف الأساسي من تعزيز الثبات الانفعالي عند الأطفال هو بناء أشخاص معتمدين على أنفسهم في المستقبل. 

وفي النهاية، فكِّر في الحلول الإيجابية للمواقف الصعبة، وركِّز على النعم التي حباك الله إياها دائمًا لتوازن حالتك النفسية؛ فإنْ أهداك -عز وجل- عائلة رائعة أو صحة جيدة أو وظيفة تحبها أو أموال تكفي حاجتك أو كل ما سبق، فما الذي يغضبك بعد أو يفقدك أعصابك؟!

المصدر
Neuroticism / Emotional stability Emotional stability Neuroticism Emotion RegulationWhat is Emotion Regulation? + 6 Emotional Skills and Strategies3 keys to emotional stability
اظهر المزيد

د. مي جمال

صيدلانية ومترجمة وكاتبة محتوى طبي. أحب البحث والتعلم، ولا أدخر جهداً لمشاركة وتبسيط ما تعلمت للآخرين. أعتز بالنفس البشرية، وأهوى البحث في أعماقها، ولا أجد أبلغ من الكلمات للتعبير عنها ومناقشة قضاياها، مساهمةً في نشر الوعي والارتقاء بحياة البشر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق