عام

الجهاز العصبي الطرفي | مركز البريد الجسدي!

“سيدي، لقد انقطع الاتصال”، رسالة من أعصاب الجهاز العصبي الطرفي، أُرسِلَت إلى غرفة العمليات الكبرى، التي تقبع في مكانها داخل الجمجمة… المخ.

كان الرد بضرورة محاولة معاودة الاتصال بالأعصاب الطرفية داخل العضو الذي انقطع الاتصال منه، وإلا سيفقد العضو الإحساس، ويُصاب بأعراض اعتلال الجهاز العصبي.

فهل -يا تُرى- بإمكان الأعصاب معاودة الاتصال؟ للتعرف إلى إجابة هذا السؤال، فلنعد بالزمن قليلًا، ونستعرض ما حدث داخل غرفة العمليات الكبرى -المخ- لنفهم الوضع الراهن!

كان سؤالنا الأول له: سيدي المخ…

مم يتكون الجهاز العصبي؟

أجاب المخ بشيء من الملل: أنتم -البشر- لا تهتمون أبدًا بما تلقونه داخلي! متى درستم عني في المرحلة الابتدائية؟! حسنًا، لا بأس…

تخيل أن يكون لديك جهاز كهربائي، ولكنك فصلت عنه الكهرباء، هل سيعمل؟! ولله المثل الأعلى في إبداعه؛ خلق لنا جهازًا عصبيًا متناهيًا في الدقة، تلك هي الكهرباء المحركة للجسد. 

ينقسم الجهاز العصبي إلى جزأين، هما:

  •  الجهاز العصبي المركزي.
  •  الجهاز العصبي الطرفي.

أنتم هنا في مركز العمليات بالجهاز العصبي المركزي الذي أمثله -أنا المخ– وموقعي داخل الجمجمة، وزميلي الحبل الشوكي الذي يتفرع مني، ويمتد بطول الظهر داخل العمود الفقري.

نمثل معًا الجهاز العصبي المركزي، ولحسن حظنا لدينا حماية فائقة من الإصابة داخل مكونين عظميين، هما: الجمجمة والعمود الفقري.

يتفرع مني ومن صديقي الحبل الشوكي مركز البريد وإرسال الرسائل… الجهاز العصبي الطرفي.

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

ويتكون من أعصاب تتفرع من الجهاز العصبي المركزي، وتمتد منه إلى آخر طبقة من جلدك. هل تتخيلون هذا الإبداع؟!

على عكسنا، لا يتمتع الجهاز العصبي الطرفي وأعصابه بالدرع الواقي العظمي.

لذا، قد يكون معرضًا للإصابة. ولذلك، من رحمة الله بنا أن جعل خلاياه قابلة للتجدد، على عكس خلايا المخ والعمود الفقري.

قاطعناه: حسنًا، فهمنا أنك العقل المدبر هنا، ولكن…

ما أهمية الجهاز العصبي الطرفي؟

ضحك المخ: حقًا؟! أنا قابع في جمجمتي هنا! إذا أردت من أصابع القدم أن تتحرك، فكيف أخبرها بذلك برأيكم؟!

أنا أرسل الإشارات العصبية إلى الأعصاب الطرفية المحركة للقدم، بل لأصابع القدم؛ فالتخصص أمر مهم حتى لا تتضارب الإشارات العصبية.

ومن ثَمَّ، يوصل العصب -بدوره- الإشارة إلى العضلات المحركة لأصابع القدم، فتتحرك.

استغرقت لشرح هذه العملية -ولم أشرحها بالدقة الكافية أيضًا- ما يقرب من دقيقة، ولكن ما شرحته يحدث في لحظات قصيرة. لذلك، أي تأخير يعني أن العصب ليس على ما يرام.

سألناه: العصب يوصل رسائلك فقط؟!

أجاب: لا؛ إنه مركز الاستكشاف، ويرسل بالمقابل بعض المثيرات من أعضاء الجسم المختلفة. 

فمثلًا، عندما تقترب يدك من شيء ساخن، ترسل أعصاب الجلد الإحساس الذي وصلها إليَّ، وأحلله بناءً على خبرتي السابقة من ذاكرتي، وأرسل الإشارة للأعصاب المحركة لليد بالابتعاد فورًا.

إذًا، الأعصاب الطرفية هي جهاز استقبال وإرسال للإشارات العصبية في الاتجاهين؛ مني إلى جميع أجزاء الجسم، والعكس.

سألناه: ذكرت شيئًا عن التخصص، فهل معنى ذلك أن هناك أجزاءًا مختلفة في الجهاز العصبي الطرفي؟

مكونات الجهاز العصبي الطرفي

أجاب المخ مؤكدًا: نعم؛ ينقسم الجهاز العصبي الطرفي حسب تخصصه إلى جزأين، هما:

  • الجهاز العصبي الطرفي الجسمي/الحسي
  • الجهاز العصبي الطرفي الذاتي

أتعرفون أن التخصص يزداد أكثر، وأن تلك الأجهزة تنقسم إلى أجزاء أخرى؟

سألناه بانبهار: ما هي؟!

فكان رده بتفاصيل مذهلة: هناك نوعان من العمليات داخل الجسم:

  • عمليات إرادية كالحركة والإحساس، وتُعَدُّ مسؤولية الجهاز العصبي الطرفي الجسمي.
  • وعمليات لا إرادية، مثل: التنفس ودقات القلب، وتُعَدُّ مسؤولية الجهاز العصبي الذاتي.

وكأنما أعجبه انبهارنا بمعلوماته، فأخذ دور المعلم قائلًا:

أولًا: الجهاز العصبي الطرفي الجسمي – الحسي

يستمد اسمه من كلمة “الجسم”، وهو مسؤول عن عمليتي الحركة الإرادية والإحساس. لذا، يحتوي على نوعين من مجموعات الأعصاب، هما:

  • أعصاب الحركة

مجموعة من الأعصاب تُسمَّى “الأعصاب الصادرة“، لأنها تحمل الإشارات العصبية من المخ والحبل الشوكي إلى الخلايا العضلية في جميع أجزاء الجسم.

الإشارات الحركية تكون ردًا على الإشارات الحسية التي تُرسَل إلى المخ من خلال النوع الثاني… الأعصاب الحسية. 

  • الأعصاب الحسية

مجموعة من الأعصاب تُسمَّى “الأعصاب الواردة“، لأنها ترسل الإشارات العصبية إلى المخ والحبل الشوكي من أعضاء الإحساس المختلفة، ليحدد المخ الاستجابة المناسبة لها. 

ثانيًا: الجهاز العصبي الطرفي الذاتي

هل تنفست الآن؟ هل فكرت أن تتنفس قبلها؟ فهل دق قلبك الآن؟ هل فكرت أن تجعل قلبك يدق؟ الإجابة: “لا”!

تلك -وغيرها من العمليات اللاإرادية- مسؤولية الجهاز العصبي الطرفي الذاتي؛ وسُمِّيَ “ذاتيًا” لأنه يؤدي في تلك العمليات دون تحكم منك، ولكن بتحكم مباشر من المخ والحبل الشوكي.

وينقسم بدوره إلى فرعين، هما:

  • الجهاز العصبي الطرفي السمبثاوي

الجهاز المسؤول عن الاستعداد للقتال، ويمد الجسم بالإعدادات اللازمة للاستجابة للمخاطر، فيكون هدفه ضخ الدم الكافي للعضلات “السلاح الأقوى”، عن طريق:

  • زيادة ضربات القلب، مما يزيد من ضخ الدم في العضلات.
  • زيادة معدلات التنفس، فيساعد ذلك على ضخ الأكسجين إلى الدم.

في الوقت ذاته تضيق حدقة العين (لزيادة التركيز على الخصم)، ويزداد التعرق.

هل انتصرت في المعركة؟ الآن يأتي دور الجزء الثاني… الجهاز العصبي الطرفي الباراسمبثاوي.

  • الجهاز العصبي الطرفي الباراسمبثاوي

وهو المسؤول عن تهدئة الجسم بعد الخطر الذي تعرض له وعودة الأمور إلى نصابها، فيقوم بـ:

  • تقليل نبضات القلب، فيهدأ ضخ الدم إلى العضلات.
  • تقليل معدل التنفس.
  • إعادة حدقة العين لطبيعتها.

فتهدأ الأمور، ويستقر الجسم، وترسل الرسالة “عادت الأمور إلى طبيعتها.

عندما أنهى المخ عبارته، دقت أجهزة الإنذار بقوة، وبدأت الإشارة “سيدي، لقد انقطع الاتصال”!

أمراض الجهاز العصبي الطرفي 

ظهر التوتر جليًا على المخ، وهو يحاول تحليل الإشارات الواردة بوجود خلل في أحد الأعصاب الطرفية. أعاد محاولة استقبال الإشارة، ولكن توقفت الإشارة تمامًا من ذلك العصب الطرفي.

سألناه بغباء: هل هذا أمر طبيعي؟!

كاد من فرط غضبه أن يصعقنا بإشارة عصبية، ولكنه شعر أن الإشارة أهم منا، فحاول أن يهدأ قائلًا:

بالتأكيد الخلل وارد، أوضحت أن الجهاز العصبي الطرفي قد يتعرض للإصابات؛ فحسب نوع الإصابة، ومكانها، ومدى تأثر الأعصاب المصابة، تحدث الأعراض الجسمية، ومنها:

  • تشنجات مؤلمة.
  • تنميل في الأطراف.
  • ضعف في العضلات.
  • الشعور بوخز أو حرق.

يحدث الشعور بتلك الأعراض فجأة أو على مراحل، حسب الإصابة وسببها.

سألناه بتردد: إذًا هناك أنواع مختلفة من الأمراض التي تصيب الأعصاب الطرفية؟

زفر بنفاذ صبر، وقال: بالطبع، لدينا نوعان من الإصابات:

1- اعتلال العصب الأحادي

يحدث هذا عندما يتأذى العصب أو جذر العصب نفسه، ويكون ناتجًا عن بعض المسببات، مثل:

  • حادث أو إصابة خارجية.
  • ضغط على العصب بفعل كتلة سرطانية مثلًا.
  • حبس العصب نتيجة زيادة حجم بعض الأعضاء المحيطة به.

2- اعتلال الأعصاب الطرفية أو المحيطية

يحدث هذا عندما تتأذى مجموعة من الأعصاب، وهناك عدة مسببات، منها:

  • مرض السكر غير المسيطَر عليه، فينتج عنه اعتلال الأعصاب السكري.
  • تناول الكحوليات أو بعض السموم.
  • بعض أنواع العدوى.
  • بعض أنواع أمراض الجهاز المناعي أو الالتهابات.

قد تتأذى الأعصاب الطرفية في اليدين والقدمين بفعل هذا المرض، ويمتد الأذى -مع تطور المرض- إلى أماكن أخرى يُفقَد فيها الإحساس، ويشعر المريض بالألم الحاد أو المزمن فيها.

ترددنا قبل سؤاله: وهل يتأذى الجهاز العصبي المركزي أيضًا؟

أجاب بعصبية: بالطبع تتوافر لدينا الحماية من الجمجمة والعمود الفقري، ولكن ماذا يحدث لو أُصِيب الجسد في حادث عنيف وتدمرت تلك الحصون؟! أنا والحبل الشوكي أضعف من أن نحتمل البقاء دون حماية!

ماذا عن بعض الأمراض مثل الخرف وألزهايمر والذهان؟! انظروا حولكم! هل ترون ملايين الإشارات تلك ومخازن الذاكرة العظيمة هذه؟! ماذا لو تأذَّت مسارات الإشارات العصبية وفُقِدت الذاكرة؟!َ

الضغوط النفسية والاكتئاب والقلق… يشعر بهم الجسم دومًا، ألا تشعرون أنه يؤثر فيَّ؟!

التغذية الخاطئة والعادات غير الصحية، كلها تؤثر في خلاياي وتُضعِفها، ويدفع الجسد ثمنها غاليًا في المستقبل!

هممنا بالسؤال: وماذا…

لم يترك المخ مجالًا لنا للانتهاء من عبارتنا، وأصابتنا صدمة كهربائية أطاحت بنا خارج الجمجمة.

تألمنا -نحن الأفكار- من طردِنا بتلك الطريقة القاسية، لقد كنا نسبح في المخ وأردنا العبث معه قليلًا.

يا له من عقل نافذ الصبر!

المصدر
16.4 The Peripheral Nervous SystemThe Peripheral Nervous System (PNS)Peripheral nervous systemPeripheral Nervous System AnatomyPeripheral nervous systemHow the Peripheral Nervous System Works
اظهر المزيد

Shaymaa Ali

شيماء علي صيدلانية كاتبة محتوى طبي. لا يزال العلم يبهرني بالجديد يوما بعد يوم، أغوص في بحره باحثة عن كنوزه، لأعود بما ينير العقول. أسعى لترسيخ الثقافة العلمية والطبية في مجتمعنا العربي بلغتنا الأم. أمزج في مطبخي "مقالاتي😁" العلم بالأدب في خليط بطعم مميز جاهز لأجلك، فاستمتع به.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى