عاممفاهيم ومدارك

الحرمان العاطفي | نبعُ روحي ناضب!

جلس المهندس الشاب ذو الخمسة وعشرين ربيعًا أمام معالجه النفسي، وقال بأسى شديد:

«أعاني الحرمان العاطفي منذ نعومة أظافري، لطالما شعرت أن لا أحد يهتم لأمري، وأني لا أستحق حبًا غير مشروط!

وقد انعكس هذا الحرمان على حياتي الآن، فصرت لا أثق بأحد، وأصبحت غير قادر على مبادلة زوجتي ما تحتاج إليه من حب وعاطفة، يشعرني ذلك بالذنب كثيرًا، وبالحزن كذلك!

فماذا لو أنجبت أطفالًا؟! هل أستطيع أن أُلبي احتياجاتهم العاطفية؟ أم سأفعل كما فعل والديّ معي، وينتهي بهم الحال كحالي؟!»

الإشباع العاطفي للجميع حق مشروع، وهو احتياج إنساني لا يمكن الاستغناء عنه، مثله مثل المأكل والمشرب. 

لذلك؛ يعد الحرمان العاطفي مشكلة عظمى تهدد أمن العلاقات، وتؤثر في مستقبلها ومستقبل أطرافها، ليس فقط العلاقة بين شركاء الحياة، ولكن أيضًا العلاقة بين الآباء وأبنائهم. 

دعونا في هذا المقال، نلقي الضوء على هذه المشكلة، ونتعرف إلى أسبابها وأعراضها، وما يمكن أن نفعله لكي نتغلب عليها. 

ماذا يعني الحرمان العاطفي؟

طبقًا لعلم النفس، فهذا المصطلح يعني: “عدم القدرة على إشباع ما يحتاج إليه أحد طرفي العلاقة من حب واهتمام وعاطفة، نتيجة لغياب الترابط الكافي بين طرفي هذه العلاقة”. 

هل الحرمان العاطفي قاصر على الأطفال والمراهقين فقط؟ 

كثُر ارتباط هذا المصطلح -حديثًا- بمشكلة الإهمال العاطفي التي يعانيها بعض الأشخاص من قِبَل والديهم وأسرهم في طفولتهم.

 لكنه -في الحقيقية- يمكن أن يصيب أي علاقة، خاصة العلاقة بين شركاء الحياة، وقد ينتج عن ذلك الكثير من المشكلات التي غالبًا ما تنتهي بالانفصال وتدمير العلاقة. 

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

دعونا نتناول تأثير هذا الحرمان في كل فئة على حدة.

الحرمان العاطفي في العلاقة بين شركاء الحياة

من الطبيعي أن تمر العلاقة بين شركاء الحياة ببعض المشكلات والتحديات، فهذا هو ديدن الحياة، ويستطيع الشريكان دائمًا أن يتغلبا على هذه التحديات ببعض الصبر والمثابرة. 

لكن ماذا لو كانت هذه التحديات تمس العاطفة؛ ذلك الاحتياج البشري الطبيعي الذي يتوق إليه كل شخص سوي. 

حينها قد تصبح العلاقة بأكملها في مهب الريح، وقد لا تصمد كثيرًا، لأنها افتقدت واحدًا من عمدانها الرئيسية، ألا وهو الإشباع العاطفي. 

لا يختلف الرجال والنساء كثيرًا في احتياجهم للإشباع العاطفي، فكلاهما بحاجة إلى الشعور بالاهتمام والحب من شريكه. 

لكن غالبًا ما نجد أن الحرمان العاطفي للمرأة هو الأكثر ظهورًا وانتشارًا، خاصة في مجتمعاتنا الشرقية، وذلك لعدة أسباب:

  • طبيعة المرأة النفسية تجعلها أكثر قدرة على إظهار عاطفتها، ومشاركة الحب والاهتمام مع من حولها، وتجعلها أكثر رغبة كذلك في الحصول عليه من الآخرين. 
  • التنشئة الخاطئة لبعض الرجال، التي جعلت إظهار الرجل لمشاعره ومشاركتها عيبًا. 

ولكي ندرك جيدًا تأثير الحرمان العاطفي للمرأة أو الرجل في علاقتهما، يجب أن نفهم أولًا طبيعة الاحتياجات العاطفية الأساسية التي يجب إشباعها لكل طرف من طرفي العلاقة، حتى ينعما بعلاقة هادئة ومستقرة.

الاحتياجات العاطفية الأساسية

رغم عدم تشابه العلاقات الإنسانية، فإن هناك بعض الاحتياجات النفسية التي يجب تحقيقها في كل علاقة، حتى لا يشعر أحد الأطراف بالإهمال العاطفي والحرمان. 

تشمل هذه الاحتياجات:

1- المودة 

المودة بين الزوجين أمر أساسي لا غنى عنه، وتختلف طرق التعبير عنها من شخص لآخر.

هذه بعض صور تحقيق المودة بين الزوجين:

  • التلامس والأحضان.  
  • كلمات المحبة.
  • اللفتات والمواقف الطيبة.
  • التهادي.

ومتى غابت المودة، حلَّ الحرمان العاطفي. 

2- القبول 

من الضروري أن يشعر كل طرف في العلاقة أن الآخر يتقبله كما هو، ويسعد به مهما كانت عيوبه، سيولد هذا شعورًا من الانتماء والولاء للعلاقة، ويجعلها أقوى وأكثر ترابطًا. 

3- الأمان

الشعور بالأمان مع شريك الحياة احتياج أساسي، لأن شعورك بالأمان مع شريكك سيمكنك من:

  • الاطمئنان إلى مشاركة أحاسيسك ومخاوفك معه. 
  • الثقة بأن شريكك سيدعمك مهما كانت الظروف، وسيقف بجانبك عند الحاجة. 
  • عدم الخجل من إظهار ضعفك أمامه، لأنك متيقن أنه لن يستغل ذلك ضدك. 

4- التعاطف 

الزوج والزوجة كيان واحد، فإذا مسَّ الضُّر أحدهما، فكأنه مس الآخر كذلك. 

إظهار التعاطف والمشاركة الوجدانية من الحاجات الإنسانية الأساسية التي يحتاجها جميع البشر، وأولى أن يأتي هذا التعاطف من شريك الحياة، الذي هو أقرب إلى النفس من غيره. 

إذا غابت أي من هذه المشاعر في العلاقة، فذلك يعني ظهور أعراض الحرمان العاطفي على أحد طرفيها أو كلاهما، وتشمل هذه الأعراض:

  • الشعور بالحزن وعدم الرضا عن العلاقة.
  • الانسحاب العاطفي من العلاقة، والانعزال عن الآخر.
  • كره الذات، والشعور بعدم التقدير، أو عدم استحقاق الحب. 

ولكي نتجنب الوصول إلى نقطة الانهيار العاطفي للعلاقة، يجب أن يحرص طرفاها على إشباع الاحتياجات السابق ذكرها مهما كانت الظروف والضغوط. 

الحرمان العاطفي للطفل

الأب والأم هما ملاذا الطفل الآمن في هذه الحياة.

عند تجاهل الأبوين لمشاعر ابنهما، أو عند عجزهما عن إشباعه عاطفيًا لأي سبب، فقد ينتج عن ذلك نوع من الحرمان العاطفي للطفل، الأمر الذي قد يؤدي إلى عواقب وخيمة تؤثر في حاضر الطفل ومستقبله.

ويزداد تأثير هذا الحرمان إذا كان الابن شابًا أو مراهقًا، لأن احتياجاته النفسية في هذه الفترة تزداد، ويصبح أكثر حاجة إلى الدعم والتفهم من أسرته.  

ما المشكلات الناتجة عن الحرمان العاطفي للشباب أو الأطفال؟ 

تظهر أعراض الحرمان العاطفي على الأطفال والمراهقين في صورة اضطرابات نفسية، هذه بعضها:

  • الاكتئاب.
  • القلق.
  • العدوانية.
  • فرط الحركة.
  • ضعف الثقة بالنفس. 
  • الانعزال المجتمعي.
  • اللامبالاة.
  • ضعف التحصيل الدراسي.
  • الاضطرابات السلوكية. 

يؤثر هذا الحرمان -بلا شك- في مستقبل الأطفال، فيصبحوا بالغين غير قادرين على التعامل مع عواطفهم، أو غير قادرين على إشباع شركائهم عاطفيًا، لأنهم لم يتعلموا في طفولتهم كيف تُشبع هذه الاحتياجات. 

من آثار الحرمان العاطفي على الكبار:

والآن، يا تُرى كيف يمكن التغلب على آثار هذا الحرمان سواء للكبار أو الصغار؟ 

قد يكون علاج الحرمان العاطفي عند الكبار أصعب من علاجه عند الصغار، إذ كلما اكتشفنا المشكلة مبكرًا وسعينا لعلاجها، كان ذلك أفضل، وقد يجنب الطفل في المستقبل العديد من المشكلات الشخصية والاجتماعية. 

لكن على كل حال، لا شيء مستحيل! فعلاج الحرمان العاطفي أمر ممكن في أي وقت، ولكن يحتاج إلى بذل الجهد والصبر، حتى يأتي بنتائجه المرجوة.

علاج الحرمان العاطفي عند الأطفال والبالغين

تعتمد خطة العلاج على محورين:

1- جلسات المعالجة النفسية 

سيلتقي المعالج النفسي بالطفل أو البالغ، وسيعلمه كيف يقرأ مشاعره ويفهمها، وكيف يعبر عنها بطريقة صحيحة. 

ستساعد هذه الجلسات على التخلص من الكبت العاطفي الناتج عن سنوات الحرمان الطويلة. 

2- العلاج الأسري

هذا المحور مهم للغاية في علاج الحرمان العاطفي عند الأطفال خاصة.

إذ يجتمع المعالج النفسي بجميع أفراد الأسرة، ويشرح لهم التأثير السلبي للإهمال العاطفي في طفلهم، ويعلمهم كذلك طرقًا فعالة لتفهم مشاعره، وإشباعه عاطفيًا.

قد يقترح المعالج كذلك على الأبوين الاشتراك في بعض الدورات التعليمية، التي بإمكانها أن تساعدهما على أداء دورهما في تربية أبنائهما على أفضل وجه ممكن. 

في النهاية -عزيزي القارئ- نقول: إن الحرمان العاطفي شعور مؤلم للغاية، يجفف منابع الحب والرحمة من النفوس.

 فانتبه إلى من تحب -ابنًا كان أو زوجًا- وأشبعه عاطفيًا، حتى لا تندم بعد فوات الآوان. 

المصدر
Emotional Deprivation SchemaThis Is A Key Sign You’re Emotionally Deprived In Your RelationshipWhat Lack of Affection Can Do to You
اظهر المزيد

د. سارة شبل

سارة شبل، طبيبة أسنان وكاتبة محتوى طبي، شغوفة بالبحث والكتابة منذ الصغر، أسعى إلى تبسيط العلوم الطبية وأتوق إلى إثراء المحتوى العلمي العربي، لكي يتمكن يومًا ما من منافسة نظيره الأجنبي بقوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى