ترياق الحياة الصحية

الحليب مهدئ للأعصاب | بين الحقيقة والخرافة

” هيا يا محمد! اترك كل شيء من يدك فقد أعددت لك كوبًا من الحليب الساخن.” 

هذا هو حال الطفل (محمد) في كل ليلة من ليالي الشتاء الباردة… 

بعد أن يقضي نهاره في اللعب والمرح، ينتظر أن تُعد له أمه كوبًا من الحليب الساخن، وما إن يشربه حتى يبدأ بالتثاؤب، وتذبل عيناه، وتبدأ جفونه بالتساقط رويدًا رويدًا حتى يغط في نوم عميق.

يتبنى كثير من الناس الرأي القائل بأن الحليب يعد مهدئًا للأعصاب ومسكنًا طبيعيًّا لها، بل ويذهب الكثيرون إلى أبعد من ذلك فيعدونه عاملًا رئيسًا وسببًا مباشرًا للنوم والاسترخاء.

في حين يذهب آخرون إلى القول بأن ذلك لا يتعدى كونه مجرد عادة قد أورثها الآباء والأمهات إلى أبنائهم منذ الصغر، حتى أصبح شرب الحليب أمرًا روتينيًّا قبل النوم، ولا يمت الأمر لأي سبب علمي بصِلة على الإطلاق.

هل الحليب مهدئ للأعصاب؟ 

هل اللبن مهدئ للأعصاب؟ 

هـل اللبن ينوم؟ 

هل يمكن إثبات فوائد الحليب للأعصاب علميًّا؟ 

الحليب بين الحقيقة والخرافة.

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

هذا ما سنتناوله في ترياقنا لهذا اليوم.   

هل الحليب مهدئ للأعصاب؟

في الحقيقة، أظهرت الكثير من الدراسات التي أجريت على الإنسان والحيوان أن من فوائد الحليب للأعصاب كونه مهدئًا ومسكنًا لها، إضافةً إلى إسهامه في الحصول على ليلة هادئة ومريحة في الفراش، إلا أن السبب وراء ذلك ظل غامضًا بعض الشيء.

ولكن أشار بعض الخبراء إلى بضعة أسباب محتملة لذلك، ومنها:

الطبيعة الكيميائية للحليب

يلعب الحمض الأميني “تربتوفان” -الموجود في الحليب- دورًا مهمًّا في أن الحليب مهدئ للأعصاب، إذ إنه يتحول داخل أجسامنا إلى “السيروتونين” الذي بدوره يتحول طبيعيًّا فيما بعد إلى “الميلاتونين”.

يشجع السيروتونين الجسد على الاسترخاء والراحة، ويساعد الميلاتونين -المعروف بهرمون النوم- على تنظيم إيقاع الساعة البيولوجية الخاصة بالإنسان وإعداد الجسم لدخول دورة نومه.

على الضفة الأخرى، قد ثبت تورط كل من السيروتونين والميلاتونين في اضطرابات النوم. وأشارت دراسات إلى أن تزويد الجسم بمكملات من هذه المركبات قد يحسن النوم ويحد من الأرق.

ولكن حتى لا نبالغ في ذكر فوائد الحليب للأعصاب، فإنه -حتى هذه اللحظة- لم يثبت علميًّا أن كوبًا واحدًا فقط من الحليب الساخن يحتوي على الكمية الكافية من التربتوفان لعلاج اضطرابات النوم.

تجدر الإشارة إلى أن ما ينطبق على الحليب ينطبق أيضًا على بعض مشتقاته، مثل اللبن أو كما يسميه البعض
(اللبن الرائب)، فنقول إن اللبن مهدئ للأعصاب مثله مثل الحليب.

الأثر النفسي لشرب الحليب أو اللبن

الأثر النفسي لشرب الحليب أو اللبن

يعزو بعض الخبراء القول بأن الحليب مهدئ للأعصاب ومساعد على النوم لأسبابٍ نفسية أكثر منها فسيولوجية.

إذ قد يأخذ كوب الحليب الساخن ذاكرة الشخص في رحلة قصيرة إلى طفولته الجميلة المفعمة بحنان الأم وعطفها…  

يستذكر فيها أمه قُبيل وقت النوم وهي تُشربه الحليب الساخن وتحاول التخفيف من حرارته بنسمات فمها العليلة مع كل رشفة، وما يتخلل ذلك من ملاطفات وهمسات تلقيها عليه محاولةً التحايل عليه حتى يتناوله بهدوء وسكينة… 

فيدفع ذلك الفرد إلى الشعور بالاسترخاء والراحة، ويشعره -لا إراديًّا- بحلول وقت النوم، فيغط في نومه قرير العين هادئ السريرة.

والآن، أوجه لك السؤال يا من تقرأ هذا الترياق متثائبًا: 

هل اللبن ينومك؟ أم إنه الحليب فقط؟ أم لا هذا ولا ذاك؟

فوائد أخرى للحليب   

إن للحليب فوائد جمة؛ لذا يوصي الأطباء البالغين بتناول 2-3 أكواب يوميًّا من الحليب أو مشتقاته (مثل اللبن الرائب) قليلة الدسم أو الخالية من الدهون كجزء من النظام الغذائي الصحي للفرد. 

ومن هذه الفوائد:

الحليب وصحة العظام

يمثل الحليب ومشتقاته مصدرًا غنيًّا “بالكالسيوم”، العنصر الأساسي في بناء العظام والأسنان القوية، وحركة العضلات والإشارات العصبية. 

ودائمًا ما يوصي المتخصصون في التغذية بضرورة تناول الأطعمة الغنية بالكالسيوم؛ لاستيفاء حاجة الجسم منه ومنع حدوث هشاشة العظام.

تجدر الإشارة إلى وجود خلاف بين الباحثين في ما يتعلق بدور الكالسيوم في منع هشاشة العظام والكسور،
وذلك حسب آخر مراجعة منهجية وتحليل بعدي (Systematic review and Meta-analysis) قُدِّما في هذا الموضوع عام 2019.

الحليب وصحة القلب

يُشكل الحليب ومشتقاته مصادراً لأملاح البوتاسيوم المهمة في تقليل ضغط الدم، عن طريق المساعدة على توسيع الأوعية الدموية في جسم الإنسان؛ مما يقلل خطر الإصابة بأمراض القلب والجلطة الدماغية.

الحليب والاكتئاب

يحتوي الحليب على فيتامين (د) والتربتوفان اللذين يزيدان نسبة السيروتونين المرتبط ارتباطًا مباشرًا بالحالة المزاجية للإنسان وشهيته وانتظام نومه.

وقد ربطت عدة أبحاث نقص فيتامين (د) في الجسم بالاكتئاب.

الحليب وصحة الدماغ  

أوضحت الدراسات أن للحليب دورًا مهمًّا في حماية الدماغ من الإجهاد التأكسدي -حالة من عدم الاتزان في تركيز
العوامل المؤكسِدة والعوامل المضادة للتأكسد في الدماغ- المرتبط بتقدم العمر الطبيعي (الشيخوخة)، بالإضافة إلى عدد من الأمراض العصبية، مثل: الزهايمر، ومرض باركنسون.

أضرار الحليب ومشتقاته

أضرار الحليب ومشتقاته

على الرغم من أن الحليب مهدئ للأعصاب وفوائده جمة، إلا أنه وكأي شيء في عالمنا النسبيِّ هذا الذي لا يعترف بالمطلق، يمتلك من المضار كامتلاكه من الفوائد، وما هو مفيد لأشخاص معيَّنين ومُضر لآخرين. 

من هذه الأضرار:

  • النسب العالية من الدهون المشبعة: 

يزيد الإسراف في تناول الحليب ومشتقاته خطر الإصابة بأمراض القلب والجلطات الدماغية؛ إثر ارتفاع مستوى الكوليسترول في الدم.

  • عدم تحمل اللاكتوز: 

حالة مرضية يعجز فيها الجسم عن إفراز إنزيم اللاكتيز (Lactase) المسؤول عن تكسير سكر اللاكتوز الموجود في الأطعمة المختلفة -ومن ضمنها الحليب ومشتقاته- فيسبب تناولها مشكلات عدة لدى المرضى.

  • حساسية الحليب: 

في هذه الحالة، يتحسس جسد المريض من البروتينات الموجودة في الحليب مسببًا بذلك مجموعة من الأعراض، مثل: 

– الربو.  

– الإسهال. 

– القيء. 

وفي بعض الحالات الخطرة قد تؤدي هذه الحساسية إلى التأق (Anaphylaxis)، مهددةً بذلك حياة الشخص المصاب.  

  • فرط بوتاسيوم الدم

على الرغم من أن البوتاسيوم مفيد للجسم -كما أشرنا سابقًا-، فإن ارتفاع  مستواه في الدم نتيجة الإفراط في تناول الأغذية الموجود فيها -كالحليب ومشتقاته-؛ يؤدي إلى خلل في وظائف كل من القلب والعضلات والأعصاب.

  • فرط كالسيوم الدم: 

قد يؤدي ارتفاع مستوى الكالسيوم في الدم إلى الإمساك، أو حصى الكلى، وقد يصل الأمر إلى الفشل الكلوي.

فحال الكالسيوم كحال البوتاسيوم في نظامنا الحيوي وكسائر الأشياء في نظامنا الكوني، فما زاد عن حده انقلب ضده.

كل يوم يمر علينا يثبت لنا أن هذا العالم هو عالم الأضداد والمتناقضات، وأن أساسه هو الاختلاف والتباين.

فمع أن الحليب مهدئ للأعصاب ومسكن لها عند بعض الناس، وذو قيمة غذائية كبيرة وغنيٌّ بالفوائد الجمة، فقد يكون مضرًّا بل قاتلًا -أحيانًا- لآخرين!

فإن كنت -عزيزي القارئ- ممن أنعم الله عليهم بالقدرة على تناول الحليب ومشتقاته دون أي خطر على صحتك؛ فاحمده واشكره على ما منَّ به عليك، وضع هذا الترياق جانبًا ودعنا نحتسي كوبًا من الحليب الساخن معًا. 

المصدر
Dairy Consumption Linked to Better Brain HealthVitamin D deficiency and depression in adults: systematic review and meta-analysisHyperkalemia (High Blood Potassium)HypercalcemiaShould You Drink Milk Before Bed?
اظهر المزيد

Abdalrahman Ajjour

"أنت طبيب! فلماذا تكتب؟" لطالما تردد هذا السؤال على مسامعي، فأكتفي بابتسامة خفيفة يتبعها سكون عميق في محيط من إجابات مكنونة لا أبوح بها. أنا أكتب؛ لأنّني لا أملك إلاّ أن أكتب، أنْ أقول، أنّ أسرد، أن أحكي، وأنْ أقصّ كلّ ما في أعماقي، ربّما لو توقّفْت عن فِعل ذلك لمُت. القلم إكسير الحياة، والحروف أرواحٌ جديدة، والورق إغراء بالاستمرار، وكلّ لحظات اللّقاء مع الورقة البيضاء يعني أنّ حياةً جديدةً سوفَ تُكتَب لنا، وانّنا ربّما سنعيش أعمارًا طويلةً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى