ترياق الأمراض النفسية

الحُبسة الكلامية | عندما يتحول الجسد إلى سجن!

هل تساءلت من قبل كيف سيكون حالك إذا ما استيقظت يومًا ووجدت نفسك غير قادر على الكلام والتحدث مع أهلك وأصدقائك وأقربائك؟! 

هـل فكَّرت من قبل فيما لو نسيت الحروف والكلمات ولم تعد قادرًا على الكتابة بعد الآن؟! 

هل تخيلت في يوم من الأيام أن تكون عاجزًا عن فهم ما يقوله الآخرون وأن يُترجم كل ما تسمعه أو تقرؤه إلى… لا شيء؟!

لعل كل هذه الأشياء هي أمور بسيطة ومن مسلمات حياتنا، فلم نفكر قط في احتمالية أن تُسلب منا بغتة!

ماذا لو تحول أبسط ما نمارسه يوميًا إلى أكثر الأمور صعوبةً و تعقيدًا؟!

هذا ما يعيشه يوميًّا المصابون بالحُبسة الكلامية.

فما أسباب الحُبسة الكلامية؟ 

هل لهذا الاضطراب أنواع أو درجات مختلفة؟ 

هل يمكن علاج عدم القدرة على الكلام فجأًة؟ 

ما الفرق بين الحُبسة الكلامية والتلعثم؟

كل هذا سنتناوله في ترياقنا لليوم.

ما الحُبسة الكلامية (Aphasia)؟

الحُبسة الكلامية هي اضطراب لُغويٌّ عصبيُّ المنشأ يعوق الإنسان أو يحرمه من القدرة على التواصل مع الآخرين؛ إذ يؤثر في قدرته على التحدث والكتابة وفهم لغة الآخرين شفهيةً كانت أم كتابية.

ما أعراض الحُبسة الكلامية؟

ما أعراض الحُبسة الكلامية؟

تختلف أعراض الحُبسة الكلامية باختلاف أنواعها ودرجاتها -والتي سنتناولها لاحقًا في هذا الترياق-، إلا إننا سنذكر بعض أعراضها على وجهٍ عام:

  • التحدث بجمل قصيرة وغير مكتملة.
  • التحدث بكلام مبهم وغير متناسق.
  • استبدال كلمات بأخرى غير مناسبة، أو أصوات بأخرى.
  • استخدام كلمات لا معنى لها.
  • صعوبة في استيعاب كلام الآخرين وحديثهم.
  • كتابة كلمات وجمل لا معنى لها.

تجدر الإشارة إلى أن الحُبسة الكلامية تعد عرضًا لحالات وأمراض أخرى، مثل: السكتة الدماغية وأورام الدماغ.

أسباب الحُبسة الكلامية

أسباب الحُبسة الكلامية

تنجم الحُبسة الكلامية عن تلف في مناطق الدماغ المسؤولة عن اللغة، ويكون ذلك إثر عدد من الأسباب المحتملة:

تحدث نتيجة وجود جلطة دموية في أحد الأوعية الدموية في الدماغ أو انفجاره وتمزقه؛ مما يؤدي إلى انقطاع الدم عن هذه المناطق أو قلة تدفقه فيها؛ مما يؤدي إلى موت خلايا الدماغ المتأثرة.

  • إصابات الرأس الخطرة الناتجة عن كدمات شديدة أو طلق ناري.
  • أورام الدماغ (Brain tumors).
  • عدوى الدماغ: 

قد تؤدي إصابة الدماغ بعدوى فيروسية أو بكتيرية -كما في التهاب الدماغ (Encephalitis)- إلى تلف في مناطق اللغة؛ مسببةً بذلك الحُبسة الكلامية.

أنواع الحُبسة الكلامية

يمكن تقسيم الحُبسة الكلامية إلى عدة أنواع على النحو الآتي:

الحُبسة الشاملة (Expressive aphasia)

يطلق عليها أيضًا اسم حُبسة بروكا (Broca’s aphasia) أو حُبسة فقد الطلاقة (Nonfluent aphasia).

إن أصحاب هذا النوع من الحُبسة الكلامية يفهمون تمامًا ما يقوله الناس دون مواجهة أي صعوبة في ذلك،
إلا إنهم يعانون صعوبةً في التحدث والتفوه بالكلام؛ فكلامهم يتمثل في جمل قصيرة وغير مكتملة لكنها مفهومة،
فمثلًا عند حاجتهم إلى الماء يقولون: “ماء”، وعندما يريدون التنزه يقولون: “اذهب اليوم متنزه”.

يجدر بالذكر أن أصحاب هذا النمط من الحُبسة يدركون الصعوبات التي يواجهونها في أثناء حديثهم؛
مما يجعلهم منزعجين من ذلك ومُحبَطين.

وقد يعانون أيضًا شللًا في الجانب الأيمن للجسد أو ضعف به.

الحُبسة التعبيرية (Receptive aphasia) أو (Comprehensive aphasia)

تُسمى حُبسة فيرنيك (Wernicke’s aphasia) أو حُبسة الطلاقة (Fluent aphasia).

يستطيع من يعاني هذه الحُبسة سماع حديث الآخرين وكلامهم، ويستطيع أيضًا قراءة الكلام المكتوب، إلا إنه لا يفهم معنى الكلام أو الأصوات.

ويمكنه كذلك الحديث بسهولة وطلاقة تامة، لكن كلامه غير مفهوم أو يحتوي على بعض الكلمات التي لا أصل لها.

الحُبسة العامة (Global aphasia)

يعد هذا النوع أشد أنواع الحُبسة، ويكون غالبًا بعد إصابة الشخص بسكتة دماغية؛ إذ ينتج عن تدمير كبير في مناطق الدماغ المسؤولة عن اللغة.

يواجه أصحاب هذا النوع صعوبات بالغة في فهم الكلام المكتوب أو المنطوق، بالإضافة إلى عدم قدرتهم على التحدث أو الكتابة. 

حُبسة التسمية (ِAnomic aphasia)

يجد المصابون بهذا النوع من الحُبسة صعوبةً في إيجاد الكلمات المناسبة في أثناء حديثهم وكتابتهم.

الحُبسة التقدمية الأولية (Primary progressive aphasia)

تعد هذه الحُبسة متلازمة عصبية نادرة الحدوث، يفقد فيها الشخص تدريجيًا قدرته على التحدث والقراءة والكتابة، بالإضافة إلى عدم قدرته على فهم ما يسمعه أو يقرؤه.

من يصابُ بالحُبسة الكلامية؟

من يصابُ بالحُبسة الكلامية؟

إن معظم الأشخاص المصابين بهذا الاضطراب هم في مرحلة منتصف العمر أو الشيخوخة، إلا إنه يمكن لأي شخص بغض النظر عن عمره الإصابة به، بما في ذلك الأطفال.

يعاني مليونا شخص تقريبًا هذا الاضطراب في الولايات المتحدة الأمريكية، ونحو 180 ألف شخص يصابون
به كل عام، وذلك بحسب (National Aphasia Association).

الحُبسة الكلامية عند الكبار 

تحدث الحُبسة الكلامية عند الكبار أكثر منها عند الصغار إثر ما ذكرناه سابقًا من أسباب، وأشهرها السكتة الدماغية.

الحُبسة الكلامية للأطفال

تظهر الحُبسة الكلامية للأطفال المصابين منذ الولادة، وتكون غالبًا لأسباب وراثية.

إن المعضلة الأساسية في هذا الاضطراب عند الأطفال هي اكتساب اللغة أو تطورها، على عكس الكبار؛ إذ تكمن مشكلتهم في التعافي وإعادة تعلم اللغة.

ما الفرق بين الحُبسة الكلامية والتلعثم؟

ما الفرق بين الحُبسة الكلامية والتلعثم؟

يعد التلعثم -أو “التأتأة”- أحد اضطرابات الكلام التي تتضمن مشكلات في تدفق الكلام وطلاقته.

يعرف الأشخاص المتلعثمون ما يريدون قوله ويكونون على دراية تامة به، بَيد أنهم يجدون صعوبة في نطق الحروف والكلمات.

فقد تجدهم يكررون بعض المقاطع أو الحروف أكثر من مرة محاولةً منهم في إيجاد نطقها، أو قد يتوقفون فجأةً
في أثناء حديثهم لوجود مشكلة في لفظ كلمة أو حرف ما.

وذلك على عكس بعض أنواع الحُبسة الكلامية؛ إذ لا يدرك الأشخاص المصابون بها ما يُقال لهم ولا يستطيعون التلفظ بجمل وكلمات مفهومة.

إلى جانب ذلك، تختلف أسباب كل منهما عن الآخر، فمن أسباب التلعثم المعروفة حتى اللحظة:

  •  تشوهات في القدرة على التحكم في حركات الكلام.
  • عوامل وراثية.

أما أسباب الحُبسة فتتمحور حول عوامل وأمراض مكتسبة -كما أوضحنا سابقًا. 

غالبًا ما تجد الأطفال هم الأكثر معاناة من مشكلة التلعثم، لكن ذلك يعد طبيعيًا كجزء من عملية تعلمهم الكلام.

معظم الأطفال يتغلبون على هذه المشكلة فيما بعد في أثناء نموهم، ولكن قد تستمر هذه المشكلة عند أطفال آخرين
حتى بعد نموهم وترافقهم في حياتهم؛ مؤثرةً بذلك في ثقتهم بأنفسهم وتواصلهم مع الناس.

التشخيص

من المرجح أن يجري الطبيب المختص فحصًا عصبيًا وبدنيًا؛ كي يختبر ردود أفعال المريض وحالته الجسدية والنفسية.

قد يتطلب ذلك أيضًا إجراء تصوير بالأشعة -تصوير بالرنين المغناطيسي عادةً- محددًا بذلك سبب الحُبسة الكلامية ونوعها، ومن ثم علاج عدم القدرة على الكلام فجأة.

وعادةً ما يخضع المريض لعدد من الفحوصات لاختبار كفاءة قدراته اللغوية، مثل القدرة على:

  • تسمية الأشياء على نحو صحيح.
  • المشاركة والانخراط في محادثة مع الآخرين.
  • الاستخدام الصحيح والمناسب للكلمات والمفردات اللغوية.
  • الإجابة عن الأسئلة المطروحة.
  • تكرار مجموعة من الألفاظ والجمل والحروف.
  • اتباع التعليمات المُعطاة والالتزام بها.
  • القراءة والكتابة.

الحُبسة الكلامية وعلاجها

قد يتعافى الشخص من هذا الاضطراب وتعود قدراته اللغوية كما كانت، إذا ما كان الضرر الذي أصاب الدماغ ضئيلًا.

لكن في معظم الأحيان يخضع المحبوسون كلاميًا لعلاج يهدف إلى تعزيز مهاراتهم في النطق والتواصل وتدعيمها.

في الحقيقة، إن عملية التعافي وتعزيز المهارات اللغوية تستغرق وقتًا طويلًا، إلا إن النتائج غالبًا ما تكون مبشرة؛
فالكثير من الناس يحرزون تقدمًا كبيرًا في أثناء العلاج.

من الجدير ذكره، أنه على الرغم من كم النتائج الإيجابية للعلاج القليل من الناس فقط يستعيدون عافيتهم تمامًا كما كانت قبل الإصابة.

يسعى الأطباء من خلال علاج النطق واللغة إلى تحسين قدرة المصاب على التواصل، وذلك باستعادة أقصى ما يمكن من الإمكانات والقدرات اللغوية، وتعليمهم كيفية تعويض ما فقدوه من مهارات لغوية، بالإضافة إلى إيجاد طرق ووسائل أخرى بديلة للتواصل.

وحتى يكون العلاج أكثر فعالية؛ يُنصح بالآتي:

  • البدء بالعلاج مبكرًا قدر الإمكان: يكون العلاج أكثر فاعلية ويعطي نتائج أفضل إذا ما بدأ في أقرب وقت ممكن بعد الإصابة، وذلك بحسب عدد من الدراسات.
  • أن يكون العلاج في مجموعات: تشكَّل مجموعات خاصة بالمصابين في بيئة مريحة وآمنة، يبدؤون فيها بتكوين صداقات وإنشاء محادثات فيما بينهم وتصحيح أخطاء بعضهم بعضًا؛ مما يعزز ثقتهم بأنفسهم ويطور مهاراتهم ويرفع معنوياتهم.
  • استخدام الحاسوب في العلاج: إن استخدام الحاسوب قد يكون مفيدًا جدًا في إعادة تعلم الأفعال والحروف والنطق والأصوات.

قد تستخدم بعض الأدوية لمساعدة الدماغ على التعافي وتحسين قدرات المريض مثل: ميمانتين (memantine) وبيراسيتام (piracetam). 

لكن الحُبسة الكلامية وعلاجها ما زالت تشغل بال العلماء وتحتاج المزيد من الأبحاث والاختبارات؛ فلذلك لم يوصَ بهذه الأدوية حتى هذه اللحظة كعلاج رسمي لهذا الاضطراب.

قد يمر المحبوس كلاميًا بفترات عسيرة -خاصة إذا ما كان مدركًا لما يمر به من صعوبات- يشعر فيها بالانزعاج والإحباط حتى إنه من الممكن أن ينتهي به الأمر إلى الاكتئاب.

ولا يقتصر ذلك على المريض فقط، بل قد يعاني أهله وأصدقاؤه ومن حوله الأمرَّيْن، محاولةً في التخفيف عنه والتهدئة من روعه.

 إذ يلعب كل فرد منهم دورًا أساسيًا في الخطة العلاجية للمريض، فيقع عليهم الحمل الأكبر في تدريبه وإعادة تعليمه النطق والكلمات وإجراء المحادثات والحوارات.

فحتى يحرز المريض تقدمًا واضحًا؛ يجب أن تعمل أجزاء هذه المنظومة معًا على نحو متكامل، ابتداءً من أسرة المريض وأحبائه، وانتهاءً بالمجموعات العلاجية والأدوية.

فبالعزيمة والصبر يمكنكم اجتياز هذه المحنة بسلام. 

المصدر
AphasiaAphasiaAphasiaAphasia in ChildrenDIFFERENTIAL DIAGNOSIS IN CHILDHOOD APHASIAAphasia FAQs
اظهر المزيد

Abdalrahman Ajjour

"أنت طبيب! فلماذا تكتب؟" لطالما تردد هذا السؤال على مسامعي، فأكتفي بابتسامة خفيفة يتبعها سكون عميق في محيط من إجابات مكنونة لا أبوح بها. أنا أكتب؛ لأنّني لا أملك إلاّ أن أكتب، أنْ أقول، أنّ أسرد، أن أحكي، وأنْ أقصّ كلّ ما في أعماقي، ربّما لو توقّفْت عن فِعل ذلك لمُت. القلم إكسير الحياة، والحروف أرواحٌ جديدة، والورق إغراء بالاستمرار، وكلّ لحظات اللّقاء مع الورقة البيضاء يعني أنّ حياةً جديدةً سوفَ تُكتَب لنا، وانّنا ربّما سنعيش أعمارًا طويلةً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق