متلازماتمفاهيم ومدارك

الخوف من الأماكن الضيقة

يشير المحللون النفسيون، الذين حللوا شخصية هتلر على مدار سنوات عدة، إلى أنه كان مصابًا بمرض فوبيا الأماكن الضيقة، وأن هذا المرض هو السبب وراء ميوله التوسعية الرهيبة التي خاض من أجلها الحروب، بل قالوا أنه انتحر عقب هزيمته لأنه اضطر إلى اللجوء إلى أحد المقرات السرية تحت الأرض، فلم يحتمل العيش في هذا المكان المغلق وأصيب بهواجس مرضية دفعته إلى الانتحار. 

فما هو هذا المرض الذي يدفع أحد أعتى الجبابرة إلى التخلص من حياته؟!

تعريفه:

يُعرَّف الخوف من الأماكن الضيقة أو كلوستروفوبيا Claustrophobia بالخوف غير العقلاني من الأماكن الضيقة، وهو أحد أكثر أنواع الرهاب شيوعًا. وكلمة كلوستروفوبيا تأتي من الكلمة اللاتينية كولوستروم وتعني “مكانًا مغلقًا”، والكلمة اليونانية فوبوس وتعني “الخوف”.

ما مدى انتشار الخوف من الأماكن الضيقة؟

يعد الخوف من الأماكن الضيقة أو رهاب الاحتجاز أحد أكثر أنواع الخوف المرضي غير العقلاني انتشارًا (أنواع أخرى للرهاب؛ رهاب الأماكن المفتوحة، رهاب المرتفعات، رهاب الظلام)؛ بل هو من أكثر أنواع الاضطرابات النفسية انتشارًا.

وتشير الدراسات والأبحاث في هذا الشأن إلى أن نسبة الإصابة بهذا الاضطراب تبلغ 5 في المائة من سكان العالم، إلا أن بعض الدراسات أوردت نسبًا أعلى قد تصل إلى 37 في المائة؛ ونسبة من يتلقى منهم علاجًا منتظما متدنية للغاية. 

وأظهرت ورقة بحثية أن هناك نحو 15 في المائة من المرضى الذين يخضعون لفحص الرنين المغناطيسي يعانون رهاب الاحتجاز.

أسباب الخوف من الأماكن الضيقة:

حتى الآن لا تتوفر الكثير من المعلومات حول أسباب المرض، ولكن يمكن تقسيمها إلى: 

 عوامل بيئية: تؤدي الدور الأكبر في تفسير الإصابة بالخوف من الأماكن الضيقة، وغالبًا ما تكون نتيجة لحادثة وقعت للمريض في الماضي (عادةً في الطفولة) جعلته يربط الأماكن المغلقة والمساحات الصغيرة بالشعور بالذعر والخطر.

ومن أمثلة هذه الحوادث:

– السقوط في حمام سباحة عميق، وهو لا يجيد السباحة.

-التوهان بعيدًا عن الوالدين وسط منطقة مكتظة بالناس.

-الاحتجاز لفترة طويلة في مكان ضيق أو مغلق أو بدون فتحات تهوية.

وقد تسبب هذه التجربة نوعًا من الصدمة للشخص في حينها، ولكن التأثير الأسوأ أن تؤدي إلى عدم القدرة على التعامل مع مثل هذه المواقف في وقت لاحق بعقلانية؛ إذ سيربط العقل بين المساحات الصغيرة والشعور بالذعر، ومن ثَم تظهر الأعراض التي سيأتي الحديث عنها لاحقًا.

عوامل وراثية: يمكن أنْ يكون السبب متوارثًا من الآباء أو الكبار عامةً، فإذا ما كان الأب مصابًا بهذا المرض، فإنّ مراقبة الطفل لسلوك الأب ستكوّن تدريجيًا نفس المخاوف لدى الطفل.

عوامل مرضية: نتيجة لقصور بوظيفة اللوزة العصبية الموجودة بالمخ التي تراقب باستمرار ورود أي إشارات خطر من حواس الإنسان، فهي تُعدّ كنظام إنذار.

أمثلة على الأماكن المرتبطة بالخوف من الأماكن الضيقة

تتعدّد الأماكن التي قد يؤدّي تواجد الشّخص المصاب برهاب الأماكن المغلقة فيها إلى الإصابة بالخوف والهلع، مثل:

  • المصاعد الكهربائيّة.
  • غرف تبديل الملابس بالمحلات التجارية.
  • الأنفاق والمحطّات.
  • التواجد في الأقبية.
  • التّنقّل بالقطارات أو الطّيّارات أو السّيارات.
  •  المرور عبر الأبواب الدوارة.
  • الأماكن المكتظّة والمزدحمة.
  • بعض الأجهزة الطّبيّة؛ مثل جهاز أشعة الرّنين المغناطيسي MRI.
  •  الغرف الصّغيرة أو الغرف المقفلة أو الغرف التي لا يمكن فتح النّوافذ فيها.

وعند تواجد المصاب في هذه الأماكن فإنه يعمد إلى إجراءات تضمن له الخروج الآمن والسريع حتى لا تظهر عليه أعراض المرض؛ ومن هذه الإجراءات:

  • البحث عن المخارج والجلوس أو الوقوف بجانبها.
  • استخدام الدرج عوضًا عن المصعد، حتى للأدوار العليا التي تتطلب مجهودًا بدنيًّا كبيرًا.
  • تجنب قيادة السيارة في الأماكن المزدحمة وتفضيله أن يكون راكبًا بدلًا من أن يكون سائقًا.

أعراض الخوف من الأماكن الضيقة:

  • التعرق.
  •  الرجفان.
  • الاحمرار أو القشعريرة.
  • ضيق في التنفس.
  • الإحساس بالاختناق.
  • تسارع أو عدم انتظام دقات القلب.
  • الشعور بألم أو بالضيق في الصدر.
  • الشعور بالغثيان.
  • الصداع والدوخة.
  • الإغماء أو فقدان الوعي.
  • وخز في الأطراف.
  • جفاف في الفم.
  • الحاجة للذهاب إلى المرحاض.
  • رنين في الأذنين.
  • الشعور بالارتباك.

العلاج

العلاج المعرفي السلوكي: وهو النوع الأفضل في علاج الخوف من الأماكن المغلقة، وهذا النوع من العلاج يعلمك كيفية السيطرة على أفكارك، وتغيير الأفكار السلبية التي تنتج عن مواقف قد تسبب لك الرهاب، ومن ثَم تتحكم في رد فعلك.

ومنه العلاج بالتعرض للمحفزات: حيث يوضع المريض (وتحت إشراف طبي أو في وجود صحبة يمكن الاعتماد عليها) في وضع غير خطر ولكنه محفز للخوف الخاص به؛ وذلك للتغلب على تلك المخاوف، فالفكرة هنا أنه كلما تعرضت لما يخيفك سيقل خوفك منه.

العلاج بالإيحاء والتنويم المغناطيسي: ويعتمد هذا النوع من العلاج على استحضار الذكرى السيئة الأولى المرتبطة بالمكان الضيق، والعمل على فك ارتباطه بالأعراض النفسية التي تحصل حاليًا في حياة المصاب بهذا النوع من الرهاب.

العلاج الدوائي: وتشمل الأدوية المضادة للقلق أو مضادات الاكتئاب التي تساعد على السيطرة على الأعراض. 

قد تكون الأدوية المضادة للقلق منخفضة الجرعة خيارًا جيدًا إذا كنت مسافرًا بالطائرة أو السفينة أو غيرها من وسائل السفر التي قد تكون سببًا لرهاب الأماكن المغلقة.

الطب البديل أو التكميلي: قد تساعد بعض المكملات أو المنتجات الطبيعية، مثل: زيت اللافندر في العلاج.

الكلوسترفووبيا وارتداء الكمامات في زمن الكورونا 

في ظل الوباء العالمي الناتج عن فيروس كورونا أو كوفيد-19، أصدرت منظمة الصحة العالمية WHO توصيات بضرورة التزام جميع مواطني الدول بارتداء الكمامات الطبية لتقليل فرص العدوى, ولكن ارتداء الكمامات بالنسبة لبعض الحالات المرضية مثل (مرضى الخوف من الأماكن الضيقة ومرضى الربو وأصحاب الإعاقات الذين لا يستطيعون ارتداء أو خلع الكمامات بدون مساعدة الأخرين) أمر يكاد يكون مستحيلًا كونه يفاقم من أعراض المرض؛ وهو ما حدا بالعديد من السلطات الصحية وخاصة في الدول الغربية لإصدار تعليمات إدارية صحية باستثناء هذه الحالات المرضية من الالتزام بارتداء الكمامات.

نصائح للتعامل مع الخوف من الأماكن المغلقة:

كثير من الناس الذين يعانون الخوف من الأماكن المغلقة سوف يتجنبون المساحات التي تؤدي إلى اضطرابهم. ولكن كثيرًا ما تسير الرياح بعكس ما تشتهي السفن وقد تجد نفسك في نهاية المطاف في موقف مخيف لا مفر منه؛ لذا إليك بعض النصائح التي ستساعدك على تخطي هذه الصعاب:

– تنفس ببطء وعمق مع العد إلى ثلاثة مع كل نفس.

– ركّز على شيء آمن، مثل: الانشغال بهاتفك.

– ذكّر نفسك مرارًا وتكرارًا بأن خوفك وقلقك سوف يمران.

-نصائح لمريض الخوف من الأماكن الضيقة قبل عمل تصوير أشعة بجهاز الرنين المغناطيسي MRI:
ضرورة إبلاغ الطبيب المسؤول بذلك قبل يوم الفحص؛ حتى يعطيك الأدوية المهدئة الخفيفة، أو ربما يُجرى الفحص باستخدام بعض الأجهزة الحديثة التي صُممت بشكل أكثر ملائمة لمرضى الخوف من الأماكن الضيقة. 

بقلم د/ محمد زهران

المصدر
What's to know about claustrophobia?Everything You Should Know About ClaustrophobiaUse of non-medical cloth masks or face coverings in community settings
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق