ترياق الأمراض النفسية

الخوف من الأماكن المزدحمة

كم وددت لو ذهبت لمشاهدة فريقي المفضل وهو يلعب مباراته النهائية في البطولة ضد منافس صعب، لكنني لا زلت أذكر آخر مرة حاولت فيها مثل ذلك.

كنت في العاشرة عندما ذهبت وأبي لمشاهدة إحدى المباريات في ملعب المدينة. كانت مباراة مهمة، وقد ملأ خمسون ألفًا من الجمهور المتحمس الملعب.

خمسون ألفًا ضدي، وكأنهم جراد منتشر! 

وكأني في وسط المحيط الهادي، وإذ به يأمر خمسين ألف موجة لتلاحقني، تلاحقني أنا!

كان قلبي يخفق وكأني رأيت نهايتي، تشبثت بذراع أبي لعله ينقذني، فضمني إلى صدره وعدنا إلى البيت في الحال.

عرفت فيما بعد أني أعاني نوعًا من الرهاب يُدعَى “الخوف من الأماكن المزدحمة – Enochlophobia”.

في هذا المقال، سنحاول التغلب على مخاوفك عبر التعرف إلى أعراض هذا النوع من الرهاب، وكيف يؤثر في حياة المصاب به، وكيفية علاجه.

ما هو الخوف من الأماكن المزدحمة؟

يشير مصطلح “الخوف من الأماكن المزدحمة” أو “فوبيا الأماكن المزدحمة” إلى الخوف من الحشود. يندرج هذا الخوف تحت مظلة الرهاب، وهو مخاوف غير عقلانية قد تسبب القلق الشديد. 

ويتضمن هذا الرهاب المخاطر المتصورة التي تشكلها التجمعات الكبيرة من الأشخاص الذين قد تواجههم في حياتك اليومية، كما يتضمن أيضًا الخوف من التعثر أو الضياع أو الأذى وسط حشد من الناس.

لا تقلق يا عزيزي؛ ليس كل مَنْ يشعر بعدم الارتياح في حشد من الناس يعاني فوبيا الأماكن المزدحمة، بل يتضمن هذا الرهاب أفكارًا وسلوكيات غير عقلانية مفرطة.

بعبارة أخرى، إذا كنت تعاني هذا الرهاب، فلن تتمكن من تفسير خوفك، وستعاني أعراضًا جسدية وإدراكية وسلوكية تُشعِرك بالعجز عن السيطرة عليه.

كيف يؤثر الخوف من الأماكن المزدحمة في الحياة اليومية؟

ولأن الحشود هي جزء كبير من الحياة اليومية، فهذا الرهاب يمكن أن يكون له تأثير كبير في حياتك. 

إضافة إلى ذلك، لا يمكنك دائمًا التنبؤ بالوقت الذي قد تجد نفسك فيه وسط حشد من الناس. لذلك، قد تلاحظ أن خوفك أصبح معممًا في العديد من المواقف.

إذا كنت تعاني الخوف من الأماكن المزدحمة، فقد تواجه قلقًا شديدًا عندما تواجه حشدًا من الناس. 

قد لا يقتصر خوفك على الأحداث المزدحمة عادةً، مثل المهرجانات أو الألعاب الرياضية أو المنتزهات الترفيهية؛ بل قد تجد بعض المواقف الصعبة، خاصة إذا كنت تعيش أو تعمل في منطقة مكتظة بالسكان. 

قد تشعر أيضًا بالخوف من الحشود التي قد تواجهها يوميًا، بما في ذلك:

  • في الحافلة، أو مترو الأنفاق، أو أي شكل آخر من وسائل النقل العام.
  • في دور السينما.
  • في محال البقالة أو مراكز التسوق.
  • في الحدائق الخارجية.
  • في الشواطئ أو حمامات السباحة العامة.

والأعجب أنه قد لا يقتصر الأمر على الاتصال المباشر مع الجماهير؛ بل إن مجرد التفكير في التواجد وسط حشد من الناس -في بعض الحالات- قد يؤدي إلى التوتر والقلق.

قد يؤثر الخوف من الأماكن المزدحمة في مجالات أخرى من حياتك، مثل العمل والمدرسة.

ما هي أسباب الخوف من الأماكن المزدحمة؟

ما هي أسباب الخوف من الأماكن المزدحمة؟

لم يتعرف الباحثون بعد إلى السبب الرئيسي لرهاب الأماكن المزدحمة، لكن هناك بعض العوامل التي من المرجَّح أن تكون مسببة لهذا الرهاب.

فيما يلي بعض هذه العوامل:

  • التعرض لصدمة في أثناء التواجد في حشد كبير من الناس.
  • رؤية شخص آخر يعاني صدمةً في حشد من الناس.
  • أن تضيع في حشد من الأطفال عندما كنت طفلًا، أو تنفصل عن والديك.
  • الميل إلى القلق الشديد أو الأفكار السلبية.
  • النشأة مع أبوين مهملين في حمايتك.
  • استعداد وراثي.

أعراض الخوف من الأماكن المزدحمة

تشبه أعراض الخوف من الأماكن المزدحمة -إلى حد كبير- أعراض اضطرابات القلق الأخرى. وتندرج الأعراض عمومًا تحت ثلاث مجموعات رئيسة: الأعراض الجسدية، والأعراض المعرفية، والأعراض السلوكية.

الأعراض الجسديةالأعراض المعرفيةالأعراض السلوكية
ضيق في التنفس
زيادة معدل ضربات القلب
غثيان
تقيؤ
خفقان القلب
الإحساس بالاختناق
شد عضلي
اتساع حدقة العين
التعرق
صداع 
آلام في المعدة
دوخة
الارتعاش
نوبات الذعر
ضباب الدماغ
تبدد الشخصية
الأفكار السلبية
الشعور باليأس
الشعور بالغضب
البكاء
التشبث بشخص ما
الهروب من مواقف الزحام أو تجنبها
الاكتئاب 
قلة احترام الذات 
انخفاض الثقة بالنفس

تشخيص مريض فوبيا الأماكن المزدحمة

الخوف من الأماكن المزدحمة ليس اضطرابًا معترفًا به في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية (DSM-5). ومع ذلك، يمكن اعتباره نوعًا معينًا من الرهاب، وقد يكون مرتبطًا بتشخيصات أخرى، مثل رهاب الخلاء واضطراب القلق الاجتماعي.

ولكي يتم تشخيصك على أنه رهاب محدد، يجب أن يستمر خوفك من الحشود لمدة ستة أشهر على الأقل، وليس نتيجة لتشخيص آخر، مثل: اضطراب القلق الاجتماعي، أو رهاب الخلاء، أو اضطراب ما بعد الصدمة.

قد يطلب منك طبيبك ملء استبيان يتيح لك تقييم تواتر وشدة الأعراض، ويساعدك في تحديد ما يثير مخاوفك، حتى تتمكن من السيطرة عليها.

ويُشخَّص الرهاب المحدد إذا كان يفي بالمعايير الواردة في (DSM-V)، وهو الخوف غير الواقعي -أو الشديد- من موقف أو مكان أو شيء ما. 

لا بُدَّ أن يكون خوفك لا يتناسب مع الموقف، ولكنك تشعر بالعجز عن السيطرة على رد فعلك القلق. 

ويتطور الرهاب المحدد بشكل عام في مرحلة الطفولة أو المراهقة، ويستمر مدى الحياة إذا لم يتم علاجه. وهو أكثر شيوعًا عند النساء، والعديد من الأشخاص يعانون أكثر من رهاب في وقت واحد.

كيف يمكن علاج الخوف من الأماكن المزدحمة؟

الخوف من الأماكن المزدحمة يمكن أن يؤدي بك إلى مخاوف شديدة، ومشاكل جمة يصعب التعايش معها.

يمكن أن يساعدك تجنب الأماكن المزدحمة قليلًا، ولكن الاعتماد على هذه الممارسة طوال الوقت قد يجعل رهابك أسوأ. 

بدلًا من ذلك، يمكنك اللجوء إلى طُرُق أخرى أفضل قد تساعدك على العيش بشكل أفضل مع -أو حتى تقليل- خوفك من الحشود.

إذا واجهت حشدًا كبيرًا، أو كنت تخطط للانضمام إلى أحد هذه الحشود، فحاول أن تتخيل نفسك آمنًا وواثقًا في محيطك. 

عندما يكون ذلك ممكنًا، يمكنك أن تطلب من صديق أو أحد أفراد أسرتك مرافقتك إلى حدث مزدحم.

يمكنك أن تتبنى بعض الاستراتيجيات التي تساعدك على تقليل القلق، وتشمل ما يلي:

  • ممارسة التمارين الرياضية بانتظام.
  • اتباع نظام غذائي صحي.
  • النوم لساعات كافية.
  • الترطيب الكافي.
  • التقليل من الكافيين.
  • تقنيات الاسترخاء، مثل تمارين التنفس.

قد يصف لك طبيبك نوعًا من أنواع العلاجات الأخرى، مثل العلاج السلوكي المعرفي (CBT) أو الأدوية.

الأكثر شيوعًا، ويستهدف كلًا من أفكارك المقلقة، ويعمل على إزالة الحساسية للعمل على ردود أفعالك الجسدية تجاه الحشود.

وكجزء من العلاج السلوكي المعرفي، ستتعلم كيفية تحديد أنماط التفكير غير المفيدة، واستبدالها بطُرُق تفكير أكثر تكيفًا.

ستواجه أيضًا المواقف التي تخافها تدريجيًا بدءًا من الأسهل، ثم انتقل تدريجيًا إلى الأصعب، مع الانخراط أيضًا في شكل من أشكال التدريب على الاسترخاء.

يمكن أن يحدث هذا في الحياة الواقعية (في مواقف الحشد الحقيقية)، أو يمكن أن يتم باستخدام خيالك، ويُسمَّى هذا بـ“العلاج بالتعرض”.

  • وصف الأدوية

إذا كان قلقك شديدًا ومؤثرًا في حياتك بشدة، فقد يلجأ طبيبك لوصف أدوية مضادة للقلق، بناءً على شدة الأعراض والاختلافات الفردية.

إذا اخترت السيطرة على الخوف من الأماكن المزدحمة بنفسك، فتذكر أن العديد من الاستراتيجيات المذكورة أعلاه هي حلول قصيرة المدى.

وإذا كنت تريد حقًا التغلب على خوفك من الزحام والتخلص منه، فسيكون من المفيد زيارة الطبيب النفسي للتشخيص والتعرف على خيارات العلاج.

وبغض النظر عن خيار العلاج الذي تختاره، اعلم أنك لست وحدك في خوفك من الحشود، وأن الآخرين قد تعلموا كيفية التعامل مع نفس الشيء والسيطرة عليه. 

المصدر
How to Live with Enochlophobia, or a Fear of Crowds An Overview of Enochlophobia
اظهر المزيد

د. محمود الرزاز

محمود الرزاز، صيدلي اكلينيكي، و أخصائي معلومات طبية، استمتع بالبحث عن الدليل العلمي، ومهتم بوصول المعلومات الطبية الحديثة للقاريء بلغة بسيطة و مفهومة، في ظل فوضى انتشار المعلومات غير الدقيقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق