عام

الخوف من العلاج النفسي | لماذا يرفض المرضى الذهاب إلى الطبيب النفسي؟!

كانت صدمتي كبيرة بعد وفاة والدي ووالدتي في حادث سيارة… كنت برفقتهما، لكن كُتبت لي النجاة.

من وقتها وأنا أشعر بالقلق والتوتر، وأرى الكوابيس كل ليلة في نومي، وأتجنب اللقاءات العائلية ورؤية الأصدقاء. 

لا يزال بعض معارفي وأصدقائي ينصحونني بالذهاب إلى طبيبٍ نفسي لمساعدتي في علاج القلق والخوف والتفكير الزائد الذي يكاد يفتك بقلبي وعقلي… لكني أرفض في كل مرة… فخوفي من الذهاب إلى الطبيب أكبر من كل تلك الآلام والمخاوف. 

الخوف من العلاج النفسي من الأمور الشائعة كثيرًا في جميع أنحاء العالم، وخاصةً في مجتمعاتنا الشرقية المحافظة… يا تُرى ما الأسباب وراء ذلك؟ وكيف يستطيع الطبيب علاج التوتر والقلق والوسواس الذي يشعر بهم المريض تجاه فكرة العلاج النفسي؟ 

هذا ما سنعرفه سويًا في السطور القادمة…

أسباب الخوف من العلاج النفسي

يختلف سبب رفض الذهاب إلى الطبيب النفسي من مريض إلى آخر، فكل شخص لديه معتقداته الخاصة التي تمنعه من أخذ هذه الخطوة الهامة في رحلة العلاج والشفاء. 

لكن أغلب هذه الأسباب تنحصر في النقاط الآتية:

  • الخوف من الوصم 
الخوف من الوصم

رغم التقدم العلمي والحضاري الذي يتمتع به الناس في أيامنا هذه، فإن الكثير منهم ما زال ينظر إلى المرض النفسي على أنه سُبة ونقصان. 

حتى بعد شفاء المريض التام، فقد يصعب عليه إيجاد وظيفة أو الزواج، بسبب أن الناس ما زالوا ينظرون إليه على أنه فاقد للأهلية بسبب مرضه.

لذلك، فالعديد من المرضى يرفضون الاعتراف بمرضهم واللجوء إلى الطبيب لمساعدتهم؛ تجنبًا للوصم، وحتى لا يظن الآخرون أنهم مجانين أو فاقدون للأهلية. 

  • الخوف من التشخيص بالمرض النفسي

ترتبط هذه النقطة بالفقرة السابقة، فيظن المريض أنه إذا شُخص بمرض نفسي معين، سيظل هذا المرض ملتصقًا به إلى الأبد ولن يشفى منه أبدًا. حتى وإن شُفي فلن يعترف الناس بذلك وسيظل في نظرهم مريضًا نفسيًا إلى الأبد. 

الحقيقة أن معظم الأمراض النفسية يمكن الشفاء منها تمامًا، ونسبة ضئيلة جدًا هي التي صنفها العلماء بأنها أمراض مزمنة تظل مع المريض طوال حياته. 

لذا، فالخوف من العلاج النفسي لا داعي له، إذ إن المرض النفسي الآن مثله مثل المرض العضوي، يمكن الشفاء منه تمامًا، ولن يظل المريض في دوامة طلب العلاج النفسي طوال حياته كما يظن بعضهم. 

  • الخوف من حكم الطبيب النفسي على سلوكه وأفعاله

يخشى الكثيرون الذهاب إلى الطبيب، لأنهم يظنون أنه سيحكم على تصرفاتهم، وسيسقطون من نظره، وسيقل احترامه لهم. 

ما يجهله هؤلاء أن الطبيب النفسي شخص محترف، تلقى التدريب والتعليم الكافيين لكي يستطيع التفرقة بين آرائه الشخصية ومعتقداته وبين عمله طبيبًا؛ يلجأ إليه الناس في أضعف حالاتهم فيستمع إليهم دون إصدار الأحكام عليهم، ويحاول بقدر ما يستطيع مساعدتهم في تخطي أزماتهم. 

  • خوف المريض من البوح بأسراره مع من لا يعرفه
خوف المريض من البوح بأسراره مع من لا يعرفه

من الطبيعي أن يتخوف المريض ويتحرج من التحدث عن بعض الأمور شديدة الخصوصية مع شخص لا يعرفه تمامًا، بل وربما يلتقي به لأول مرة في حياته. 

لكن هذا الخوف سيزول بمجرد أن يتيقن المريض بداخله أن هذا الشخص الغريب ما هو إلا طبيب،
وظيفته أن يشخص مرضه ويصف له العلاج، وأن هذا عمله الذي تلقى الكثير من التدريب عليه. 

ما يحتاجه المريض هو الثقة في الطبيب، وأن يطمئن إلى أنه شخص مؤتمن، يحفظ أسرار مرضاه. لذلك،
يجب البحث جيدًا والحذر قبل الذهاب إلى أي طبيب، والتأكد أن من تلجأ إليه هو شخص محترف وأهل للثقة؛
فقد كثر المُدَّعون والنصابون هذه الأيام. 

أسباب أخرى تعزز الخوف من العلاج النفسي

هناك من يخشى مواجهة مشاكله، فيلجأ إلى إنكارها بدل الاعتراف بها والسعي إلى حلها. بالنسبة لهؤلاء،
فهم لا يعترفون بأن لديهم مشكلة نفسية تستدعي منهم الذهاب إلى الطبيب لحلها. 

ربما لديهم نفس المخاوف السابقة التي ذكرناها، أو ربما هناك أسباب أخرى، مثل:

  • عدم وجود الوعي الكافي

بعض الأشخاص ليس لديهم الوعي الكافي لإدراك أنهم مرضى وأنهم يحتاجون إلى العلاج؛ فحتى إن كانوا يشعرون بالحزن الشديد والألم وربما الضياع والتوهان وعدم القدرة على العيش باستقرار وسعادة، إلا أنهم ربما لا يتبادر إلى ذهنهم أن هناك شيئًا غير طبيعي. 

على سبيل المثال، مرضى الفصام لا يعترفون -في أغلب الأحيان- بمرضهم ويرفضون الذهاب إلى الطبيب،
لأنهم يشعرون أن كل شيء يسير على ما يرام. 

إذن، فالأمر يحتاج إلى أن يشعر المريض بحافز يدفعه إلى التغلب على خوفه والذهاب إلى الطبيب، وهذا الحافز هو
الاعتراف بمشكلته وبتأثيرها في حياته. 

  • عدم الحصول على الدعم الكافي من الأهل والمحيطين بالمريض

أهل المريض وأحبابه والمحيطين به عليهم عامل كبير في مساعدة المريض على تخطي أزمته؛ فإن كانوا هم أنفسهم
لا يعترفون بأن مريضهم لديه مشكلة، ويعتقدون أنها فترة مؤقتة وستمر وحدها، أو يشعرون أن المرض النفسي
وصمة عار، فبالطبع سيحاولون التأثير على المريض ومنعه من طلب العلاج. 

  • الافتقار إلى المال 

في بعض الأحيان، لا يكون الخوف من العلاج النفسي هو المانع الذي يحول بين المريض وبين طلبه للعلاج؛
بل يكون عدم امتلاك المال اللازم هو المانع. 

العلاج النفسي مثله مثل أي شيء يحتاج إلى المال -وربما إلى الكثير منه- لأن تكلفته في أغلب الأحيان تكون عالية.
لذلك، إذا كان المريض لا يمتلك المال الكافي، فربما سيفكر في سد احتياجاته واحتياجات أسرته الأساسية أولًا قبل
التفكير في الذهاب إلى الطبيب النفسي. 

ولكن هناك بعض البدائل بالعيادات الخارجية بالمستشفيات الحكومية، والتي تقدم خدمات نفسية بأسعار مناسبة.
فربما تكون حلا مناسبا الكثير من الأشخاص.

لكن…

لماذا يجب الإسراع في طلب العلاج النفسي عند الحاجة؟

لماذا يجب الإسراع في طلب العلاج النفسي عند الحاجة؟

بعد أن تحدثنا عن الخوف من العلاج النفسي، يجب أن ندرك أن التأخر في طلب العلاج النفسي ستكون عواقبه وخيمة.

لذا، يجب أن تكون الخطوة الأولى هي علاج القلق والخوف الزائد لدى المريض من فكرة المرض النفسي في حد
ذاتها. ثم بعد ذلك، علاج الخوف من الناس والخوف من التعرض لأحكامهم القاسية، تمثل هذه الأشياء أولى الخطوات
التي ستشجع المريض على الاعتراف بمشكلته وبحاجته للعلاج. 

لا يجب أن يستهين الناس بخوف المريض من العلاج النفسي، لأنه أمر حقيقي ويضع الكثير من المرضى تحت ضغط
شديد؛ لدرجة أن بعضهم قد يشعر بأعراض التوتر العصبي الجسدية عند زيارته الطبيب لأول مرة. 

لذا، فإن الجهد الذي يقع على عاتق الطبيب من أجل كسب ثقة مريضه وطمأنته كبير. 

نصائح تساعد الطبيب النفسي في كسب ثقة المريض

  • احرص على اختيار التعبيرات المناسبة عند التحدث إلى المريض. 
  • انتبه إلى لغة جسدك جيدًا، وابتعد عن الإشارات التي قد يفهم المريض من خلالها أنك تُصدر الأحكام عليه.
  • تحدث مع المريض عن أهدافه وتوقعاته من رحلة العلاج. 
  • لا تتعجل الحصول على ثقة المريض، بل دع الأمور تأخذ وقتها. 
  • أشعِر المريض بالتقبل والاحترام رغم كل شيء.

في النهاية، إن التغلب على فكرة الخوف من العلاج النفسي ليست بالمهمة السهلة؛ بل تحتاج إلى الكثير من الجهد من أجل تغيير معتقدات المجتمع الخاطئة تجاه المرض النفسي.

المصدر
10 Ways Therapists Can Strengthen the Therapeutic Relationship5 Common Fears That Keep People Out Of Therapy10 Reasons Why People Refuse to Talk to TherapistsWhat Prevents People from Seeking Mental Health Treatment?
اظهر المزيد

د. سارة شبل

سارة شبل، طبيبة أسنان وكاتبة محتوى طبي، شغوفة بالبحث والكتابة منذ الصغر، أسعى إلى تبسيط العلوم الطبية وأتوق إلى إثراء المحتوى العلمي العربي، لكي يتمكن يومًا ما من منافسة نظيره الأجنبي بقوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق