ترياق الأمراض النفسية

الخوف من العمليات الجراحية | قلق طبيعي أم رهاب مرضي؟

اجتمعت عائلتنا في بيت جدي يوم المولد النبوي، وبينما هو يحكي لنا قصة ولادة النبيَّ الكريم إذ به يصاب فجأة بضيق تنفس شديد!

شحب وجهه، وتسارعت دقات قلبه وقلوبنا جميعًا معه… 

انطلقنا به سريعًا إلى أقرب مستشفى، وهناك شخص الأطباء وجود جلطات في قلب جدي، وصرحوا بحاجته إلى قسطرة قلبية عاجلة.

كدنا نتوسل إليهم أن افعلوا أي شيء لإنقاذ حياة جدي، لكنه حين سمع كلام الأطباء ورأى ملابس العمليات الجراحية، أصابته نوبة هلع ورفض تمامًا دخول العمليات.

كان الخوف من العمليات الجراحية باديًا تمامًا على وجهه، وأخذ يصرخ فينا لنأخذه بعيدًا!

هل كان خوف جدي طبيعيًا؟ أم كان مرضيًا ويتطلب تدخل الطب النفسي؟

الخوف الطبيعي من العمليات الجراحية

يعد الخوف من العمليات الجراحية -أو الإجراءات الطبية عمومًا- شعورًا طبيعيًّا تمامًا.

جميعنا نتوتر قبل الدخول إلى غرفة العمليات.

مجرد التفكير في فقدان الوعي وترك جسدك تحت تصرف الأطباء يبعث على التوتر.

ويتطلب الأمر ثقة عالية بينك وبين طبيبك لتطمئن قليلًا.

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

فالقلق أمر طبيعي، ويمكنك تناول مهدئاتٍ قبل العملية بعد استشارة طبيبك.

لكن إذا منعك خوفك من السماح للأطباء بإجراء عملية لإنقاذ حياتك، فهذا غير طبيعي.

متى يتحول الخوف من العمليات الجراحية إلى رهاب؟

في بعض الحالات، يصبح الخوف من العمليات الجراحية خوفًا مرضيًا يسمى “توموفوبيا”.

كلمة توموفوبيا هي كلمة لاتينية مكونة من جزئين: “Tomos” وتعني الجرح، و”Phobos” وتعني الخوف.

وتطلق على حالة الهلع الشديد من العمليات أو الإجراءات الجراحية ومحاولة تجنبها بشتى الطرق.

وقد يعاني بسببها المريض سنواتٍ طوال من مرضه؛ لأنه يخشى معالجته جراحيًا.

وفي بعض الحالات قد يفقد المريض حياته، فقط لأنه يخاف الرقود على طاولة العمليات.

أسباب التوموفوبيا

لا يوجد للتوموفوبيا أسباب واضحة محددة، إنما تضافر الاستعداد الفسيولوجي للجسم مع الظروف البيئية يحفز ظهور هذا الرهاب.

إن أُجبر المريض في صغره على جراحة طبية، فقد تسبب له الصدمة رهاب العمليات الجراحية.

والمصابون بـ “النوبات الوعائية المبهمة” (نوبات متكررة من فقدان الوعي غير معروفة السبب) معرضون للإصابة بالتوموفوبيا.

وإن كنت مصابًا برهاب الدم أو الخوف من الحقن، فأنت معرضٌ كذلك للتوموفوبيا.

علاج التوموفوبيا

تُشخص التوموفوبيا المرضية بظهور أعراض الخوف ونوبات الهلع حين يسمع المريض باحتمالية خضوعه لعملية جراحية.

يُرسل المريض إلى الطبيب النفسي الذي يساعده على مواجهة خوفه وفهم أسباب هذا الرهاب وتجاوزها.

ويتبع الطب النفسي العديد من الطرق لعلاج الخوف من العمليات الجراحية مثل:

1. التعرض مع منع الاستجابة

هل سمعت عن مقولة (أفضل طرق الدفاع هي الهجوم؟) 

بالطبع لن يدفع الطبيب النفسي بالمريض إلى غرفة العمليات مباشرةً، بل يبدأ الأمر بالتخيل.

يتخيل المريض أنه يخضع للعملية الجراحية ويتجاوزها بسلام، وأنها تساعده على تحسين حالته الصحية.

ثم يتعرف إلى غرفة العمليات والأدوات الموجودة بها باستخدام الصور أو المقاطع المرئية.

وبالتدريج يتمكن المريض من علاج الخوف من العمليات الجراحية وكسر حاجز الرهبة وتقبل فكرة خضوعه للجراحة.

2. إعادة المعالجة ومنع الاستجابة

تشبه هذه الطريقة فكرة “التعرض مع منع الاستجابة”، غير أن المريض يعالج الذكرى الماضية أو الصدمة التي سببت له هذا الرهاب.

يتذكر المريض أحداث الصدمة مع طبيبه النفسي الذي يرشده إلى إعادة معالجتها بشكل إيجابي، ليتحرر من سجن الخوف من العمليات الجراحية.

هل تسبب العمليات الجراحية الوفاة؟

قبل التطرق لإجابة هذا السؤال دعني أذكرك أن الإنسان معرضٌ للوفاة في أي لحظة في أثناء ممارسة أي نشاط أو حتى في أثناء النوم، وكذلك في أثناء خضوعه للعملية الجراحية.

بالتأكيد إجراء العملية الجراحية لا يخلو من المخاطرات، ولكنها ليست ثابتة، وتختلف من عملية لأخرى ومن شخص لآخر.

أظهرت الدراسات أن 0.71% من العمليات الجراحية فقط تنتهي بالوفاة، وتنخفض هذه النسبة إلى 0.17% إن كانت العملية الجراحية غير عاجلة ويسبقها تحضير جيد للمريض.

وهذه النسب ليست ثابتة أيضًا، بل تعلو وتنخفض لكل عملية على حدة.

وتوجد حاسبة تابعة للجامعة الأمريكية للجراحين تحسب نسبة مخاطرة العمليات الجراحية.

هذه الحاسبة مخصصة للجراحين، لذا يمكنك طلب المساعدة من طبيبك في استخدامها.

لتعلم عزيزي القارئ أنك في أثناء العملية يتابعك فريق طبي كامل مكوَّن من الجراح ومساعديه وطاقم التمريض وطبيب التخدير.

يتابع طبيب التخدير جميع أنشطتك الحيوية طوال فترة العملية وحتى استيقاظك؛ ليتأكد من تجاوزك العملية بسلام.

تحضير ما قبل العملية الجراحية

يبدأ التحضير من اللحظة التي يوافق فيها المريض على قرار الطبيب بضرورة إجراء العملية الجراحية.

ويستمر الاستعداد للعملية الجراحية حتى اللحظة التي يرتدي فيها المريض ملابس العمليات الجراحية ويدخل غرفة العمليات.

ويعادل التحضير أهمية العملية الجراحية نفسها؛ لأن إغفال بعض خطوات التحضير المهمة قد يؤدي إلى مضاعفات غير متوقعة.

ويشمل التحضير:

  1. الفحص السريري للمريض، وتسجيل تاريخه المرضي.
  2. إجراء الاختبارات المعملية والفحوصات لتقييم حالة المريض العامة.
  3. إجراء الفحوصات الخاصة بحالة المريض.
  4. إيقاف بعض الأدوية التي قد تؤثر على نجاح العملية.
  5. مقابلة طبيب التخدير يوم العملية لتقييم حالة المريض.
  6. الامتناع عن تناول الطعام قبل العملية بعدة ساعات.
  7. تحضيرات خاصة بنوع العملية الجراحية.

ما هي آلام ما بعد العملية الجراحية؟

يعد هذا الخوف الأكبر عند الكثيرين، خاصة مع عدم معرفتهم بما ينتظرهم بعد الإفاقة من التخدير، ودوري هنا أن أكشف لك اللثام قليلًا عن ما بعد العملية.

في البداية يكون الاستيقاظ من التخدير مزعجًا قليلًا، إذ لا يستطيع المريض تحريك عضلاته لبضع دقائق.

بمرور الوقت يزول أثر المخدر من الدم ويتمكن المريض من تحريك أطرافه.

وقد يشعر المريض بالألم مكان الجراحة بعد زوال تأثير المخدر.

وأحيانًا يشعر بضيق تنفس موضع أنبوب التنفس، أو الغثيان، أو القيء.

وكل تلك المشكلات بسيطة ويسهل معالجتها بالأدوية وتزول في نفس اليوم أو بعد أيام قلائل.

كيف تتغلب على الخوف من العمليات الجراحية؟

1. سلح نفسك بالمعرفة

كيف تتغلب على الخوف من العمليات الجراحية؟

الاضطرار إلى الخضوع لعملية جراحية أمرٌ يبعث على القلق، ويساعدك فهم طبيعة مرضك على بث بعض الهدوء في قلبك.

اسأل طبيبك عن أسباب مرضك، والخيارات المتاحة لك، ولماذا تعد العملية الجراحية الخيار الأمثل.

واسأله عن إجراءات العملية، والوقت المتوقع لفترة النقاهة، وما يمكنك فعله للاستعداد لها.

لا تتردد في السؤال عن كل ما يخطر ببالك حول الجراحة المنتظرة، واستغرق ما تحتاجه من وقت في اتخاذ قرارك ما دامت العملية غير عاجلة ولا يهدد تأخرها حياتك.

وإن كان خوفك بسبب فكرة إقدامك على أمر مجهول، فإن المعرفة ستساعدك على تبديد هذا الخوف واستبداله بطمأنينة وأمل في الشفاء.

2. ثق بطبيبك

الثقة والخوف لا يجتمعان معًا، وإن كنت ترغب في الحد من مشاعر القلق، ستساعدك الثقة بالطاقم الطبي القائم على علاجك.

بناء الثقة بينك وبين طبيبك يسمح لك بالبدء بتقبل الإجراءات الطبية والعمليات الجراحية بغرض علاجك.

صارح فريقك الطبي بمخاوفك، وثق أن أطباءك مدربون لتقديم أفضل رعاية طبية لك.

3. ثق بنفسك

هل تعلم أن قلق ما قبل العملية الجراحية يؤثر في التعافي بعد العملية؟

من المهم أن تثق بجسمك الذي سيخضع للعملية كما تثق بطبيبك الذي سيجريها.

ثق بنفسك وبجسمك، فجسمك خُلق بقدرة عظيمة على الالتئام والتعافي من الجروح، ثق أنك ستتمكن من تجاوز العملية الجراحية بسلام.

ويمكنك تناول مهدئات قبل العملية بعد استشارة طبيبك لتساعدك على الاسترخاء.

هنئ نفسك على قرارك بالخضوع للعملية، فهي فرصة لتحسين وضعك الصحي الحالي.

وتخيل أنك تعافيت بالفعل وعدت إلى حياتك اليومية بصحة أفضل، أليس ذلك رائعًا؟

4. الاستعداد للعملية الجراحية

التخطيط للعملية ليس مهمة الطبيب فحسب، لا تنسَ أنك تحتاج فترة نقاهة قبل عودتك إلى حياتك اليومية، فتأكد من استعدادك لـ:

  1. غيابك عن العمل، إذ يمكنك طلب إجازة أو الاستعانة بشخص ينوب عنك.
  2. تأثر دخلك المالي بسبب العملية وغيابك عن العمل.
  3. غيابك عن أطفالك والتنسيق مع من سيعتني بهم.
  4. مدة فترة النقاهة وكيف ستقضيها.
  5. بقاء أحد المقربين معك.

5. رتب منزلك

لن يتوافر متسع من الوقت أو الجهد لترتيب منزلك بعد العملية، وقد تسبب لك زيارات الأقارب والأصدقاء الإحراج من المنزل غير المرتب.

لذا؛ يُعد ترتيبك لمنزلك قبل العملية خطوة استباقية توفر عليك الكثير، وتعزز ثقتك برجوعك سالمًا، ويقوي أملك في نجاح العملية.

الخضوع لعملية جراحية ليس بالأمر الهيِّن، ولستَ مضطرًا إلى تجاوزه وحدك.

تذكر أن الخوف من العمليات الجراحية طبيعي ونمر به جميعًا، تحدث إلى طبيبك وناقش الخيار الأنسب لك، ولا تتردد في طلب المساعدة التي تستحقها.

المصدر
Tomophobia, the phobic fear caused by an invasive medical procedure - an emerging anxiety disorder: a case reportWhat is EMDRTomophobia: I Fear Doctors, Blood, and Needles. Now What?
اظهر المزيد

Hamas AbdelGhaffar

أهلًا بك، اسمي حماس وأدرس الطب البشري.. يتغير العالم بي وبك، بتلك الخطوات الصغيرة التي نبنيها معًا، فإن قرأت يومًا سطرًا لي وأضاف إليك، فهذا تمامًا ما أسعى إليه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى