عاممفاهيم ومدارك

الخوف من المستقبل (Chronophobia) | متى تستمتع بالحاضر؟!

المستقبل… هو ذلك المجهول الذي أخافه! 

أشعر وكأن تلك الدقائق التي تمُرُّ سريعًا عدوٌ لي؛ فهي تذكرني كم يتناقص عمري ولم أحقق شيئًا من أحلامي!

تنتابني لحظات رعب عندما تتزاحم الأفكار في رأسي عما يحمله المستقبل لي، وتحاصرني المخاوف من تبدل الحال، ويصيبني اليأس من عدم تحقق الأمنيات، فيملأني الخوف من المستقبل، ويمنعني عن عيش حياتي والتمتع بحاضري.

لنتحدث سويًا في هذا المقال عن فوبيا الخوف من المستقبل، وأعراضها، وأسبابها، وكيف يمكن التغلب على الخوف من المستقبل والمجهول.

فوبيا الخوف من المستقبل (Chronophobia)

 تُعرَف فوبيا الخوف من المستقبل بأنها الخوف المستمر وغير العقلاني من المستقبل أو مرور الوقت، وهي إحدى اضطرابات القلق التي تتميز بخوف شديد وغير مبرَّر تجاه شيء لا يمثل خطرًا حقيقيًا.

تشتق كلمة كرونوفوبيا (Chronophobia) من كلمة (Chronos) اليونانية التي تعني الوقت، وكلمة (Phobos) وهي الخوف.

يُعَدُّ بعض الأشخاص أكثر عرضة من غيرهم للإصابة بوسواس الخوف من المستقبل؛ فهو شائع بين نزلاء السجون وكبار السن والأشخاص الذين يعانون مرضًا عضالًا، إذ يظن هؤلاء الأشخاص أن الوقت عدوهم، ويخشون مروره لأنه سيؤدي في النهاية إلى موتهم.

قد تبدأ الإصابة بفوبيا الخوف من المستقبل بعد التعرض لصدمة شديدة (اضطراب ما بعد الصدمة)، مثل الكوارث الطبيعية، وخاصة إذا تعرضت إلى الحصار، مع عدم وجود وسيلة لتتبع الوقت.

قد يعاني بعض المصابين -بوسواس الخوف من المستقبل- الخوف غير المنطقي من الساعات والمنبهات التي تنذرهم بمرور الوقت.

يرتبط الخوف من المستقبل والمجهول بالكثير من الأفكار والمشاعر السلبية التي يعانيها المرضى، ومن الطبيعي أن تجد أنه من الصعب التعامل مع هذا الرهاب.

أسباب وسواس الخوف من المستقبل

تختلف أسباب الخوف من المستقبل والمجهول من شخص لآخر، ولكن يرى معظم الباحثين أن التعرض لصدمة شديدة قد يؤدي للإصابة بهذا الرهاب، وقد تحدث الإصابة به فجأة في بعض الأحيان.

تشمل أسباب الخوف من المستقبل:

  • كون الأشخاص الذين يعانون اضطرابات القلق أكثر عرضة للإصابة بوسواس الخوف من المستقبل، وقد يكفي تعليق بسيط من أحدهم -مثل: “الوقت يمر بسرعة كبيرة”- أن يثير لديهم هذا الرهاب.
  • الاكتئاب.
  • وفاة أحد المقربين، أو فقدان الوظيفة، أو الانفصال عن شريك الحياة، أو زواج الأبناء والبقاء وحيدًا، كلها أسباب قد تؤدي -في بعض الأحيان- للإصابة بهذا الرهاب.
  • التقدم في العمر، والإصابة بأمراض الشيخوخة، والتفكير في الموت.
  • انقطاع الطمث عند النساء؛ فقد يحفز لديهن الخوف من المستقبل.
  • قصور الغدة الكظرية، وعدم التوازن الهرموني، وبعض المشكلات الصحية الأخرى.
  • يعاني نزلاء السجن “لفترة طويلة” الخوف من المستقبل والمجهول، وهي حالة يُطلَق عليها “عصاب السجن”، وعادة ما تكون مصحوبة بفوبيا الأماكن المغلقة.
  • التعرض لحادث صادم في أثناء الطفولة؛ فقد يؤدي إلى الخوف من المستقبل لاحقًا.
  • أسباب وراثية أو جينية.
  • اضطراب ما بعد الصدمة.

أعراض الخوف من المستقبل

يسبب الخوفُ من المستقبل العديد من الأعراض الجسدية التي تختلف من شخص لآخر، ونذكر منها:

  • تسارع ضربات القلب، وزيادة معدل التنفس.
  • التوتر الجسدي، وهو ما يسبب آلام الكتف أو الصداع الشديد.
  • الشعور بالانفصال التام عن الواقع.
  • جفاف الفم.
  • ضعف العضلات، والشعور بعدم السيطرة على أجزاء الجسم.
  • زيادة التعرق.
  • الغثيان والتقيؤ.
  • الإغماء.
  • أحلامًا مزعجة.
  • اضطرابات في النوم.
  • أفكارًا عن الموت.
  • الرغبة في البكاء والشعور بالضياع.
  • صعوبة التركيز وعدم القدرة عن التعبير عن نفسك.
  • فقدان الشهية.

عندما يستحوذ الخوف الشديد من المستقبل والمجهول على حياة المريض، ويمنعه من التمتع بحاضره وعيش حياته، ويعجز عن الاندماج مع الآخرين والتواصل معهم، ويؤثر في حياته الشخصية والعملية، فقد يؤدي -في النهاية- إلى الإصابة بنوبات هلع، أو اضطراب الوسواس القهري، أو أحد اضطرابات القلق الأخرى.

كيف تتغلب على الخوف من المستقبل والمجهول؟

إن كنت تعاني فوبيا الخوفِ من المستقبل، فاعلم أنه يمكنك التغلب على هذا الرهاب، وربما القضاء عليه تمامًا.

قد يستغرق الأمر بعض الوقت لتأسيس عادات جديدة تساعدك على مكافحة هذا الخوف، ويُعَدُّ العلاج بالكلام مفيدًا، إذ يُمكِّنك من فهم ماهية هذا الرهاب، والمشاعر والأفكار المرتبطة به، وكيف يمكنك التغلب عليها.

هناك بعض النصائح التي يمكنك تجربتها وقد تفاجئك بالنتيجة، وهي:

ركِّز على ما يمكنك التحكم به

تذكَّر دائمًا أنه لا يمكنك التنبؤ بما يحمله لك المستقبل، ومعرفة ما إذا كنت ستشعر بالسعادة بعد عشر سنوات، أو في العام المقبل، أو حتى غدًا؛ فهذا أمر خارج عن سيطرتنا كبشر.

ولكن يمكنك التحكم في الأشياء التي تحدث في حاضرك، والتي تساهم في تشكيل مستقبلك، ولكن اعلم أن الأمر كله بيد الله.

ابدأ بعمل قائمة بالأشياء التي يمكنك التحكم بها، مثل اعتماد نظام غذائي صحي ومتوازن، وكيفية قضاء أوقات فراغك، والتواصل مع أصدقائك؛ فهذا من شأنه أن يدعم صحتك النفسية.

دوِّن الأهداف التي تود تحقيقها، وخطط لإنجازها.

التأمل والاسترخاء

يُعَدُّ التأمل من أهم التقنيات الفعالة للتغلب على كثير من الاضطرابات المسببة للقلق؛ فهو يساعدك على تخفيف أعراض التوتر، ويغير طريقة تفكيرك مع مرور الوقت، إذ يساعدك على تنظيم أفكارك ومشاعرك بشكل أكثر فاعلية، ويقلل من طغيان تلك المشاعر السلبية والأفكار المضللة على حياتك والتحكم بها.

تشجعك تمارين التأمل على التركيز والعيش بكامل حواسك في اللحظة الحالية، وهي السلاح الأقوى لمحاربة الخوفِ من المستقبل والمجهول.

قد تساعدك أيضًا ممارسة اليوجا، أو التاي تشي، أو التنفس العميق على تهدئة عقلك وإسكات تلك الأفكار التي تتزاحم فيه، ركِّز فقط على اللحظة التي تعيشها، واستمتع بها.

اقتناء حيوان أليف

نعم بالفعل، إن اقتناء حيوان أليف -أو اثنين- أمر مفيد في علاج الرهاب؛ فهو يحفز هرمون الإندورفين المسبب للسعادة.

يمكنك أيضًا الانخراط في الأنشطة الاجتماعية والتطوعية، إذ يساعدك ذلك على الشعور بالثقة وتقدير ذاتك بشكل أفضل، وهو ما يصرف ذهنك عن التفكير في المستقبل والخوف منه.

افهم خوفك

عندما يصيبك الخوفُ من المستقبل والمجهول، حاول أن تفهم سبب تلك المشاعر والأفكار، هل هو خوف من مرور الوقت ونفاده؟ أم خوف من ترك إرث مُخيِّب للآمال؟

يمكنك تدوين كل ما يتعلق بخوفك وأفكارك ومشاعرك، وإطلاق العنان لها للتحرر من عقلك الباطن؛ فهذا يساعدك على فهمها بشكل أعمق. يمكنك أيضًا الذهاب إلى المعالج النفسي ليساعدك على فهم ما تعانيه.

ولكن ماذا يحدث إذا لم تفلح هذه التقنيات في التغلب على الخوفِ من المستقبل والمجهول؟

علاج فوبيا الخوف من المستقبل

في الحالات الشديدة من كرونوفوبيا، قد يؤدي عدم العلاج إلى المزيد من العزلة والاكتئاب، وسيطرة الأفكار المضطربة على المريض.

لذا، لا تتردد في الذهاب إلى الطبيب النفسي، إذ يُعَدُّ العلاج النفسي فعالًا في التغلب على وسواس الخوفِ من المستقبل، وخاصة العلاج السلوكي المعرفي والتنويم المغناطيسي.

العلاج السلوكي المعرفي

يُعَدُّ العلاج السلوكي المعرفي من أكثر العلاجات النفسية الفعالة والشائعة للحد من مشاعر القلق والتوتر المرتبطة بالرهاب.

يساعدك هذا العلاج على فهم مشاعرك وأفكارك ومخاوفك، وتتعلم أيضًا كيفية التعامل مع مخاوفك ومواجهتها.

ومع مرور الوقت، قد تتغير ردود أفعالك تجاه الأشياء التي سبق وكانت تثير لديك الخوفً من المستقبل.

التنويم المغناطيسي

يساعدك التنويم المغناطيسي على تهدئة عقلك، والقضاء على مخاوفك، والتغلب على القلق المرتبط بالعمر أو مرور الوقت.

ختامًا، اعلم أنه لا يمكنك التنبؤ بما قد يحدث في المستقبل، ولا يمكنك أن تعرف ما ستؤول إليه حياتك؛ فهذا شيء يفوق قدرات البشر.

الأمر كله بيد الله… لذا، دع القلق، واستمتع بحياتك!

المصدر
Fear of the Future and Time Phobia – ChronophobiaFEAR OF THE FUTURE: EXPERIENCE HOPE WITH THE TRIVEDI EFFECTChronophobia Is Characterized by a Fear of TimeHow To Overcome Chronophobia And The Fear Of The Future
اظهر المزيد

د. أمل فوزي

أمل فوزي، صيدلانية، أعمل في الهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية. أعشق الكتابة، وأجيد البحث، أستمتع بكتابة المقالات الطبية بأسلوب سلس وبسيط، هدفي الارتقاء بمستوى المحتوى الطبي العربي، ونشر العلم من مصادره الموثوقة لينتفع به القارئ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق