مفاهيم ومدارك

الخوف من الناس | سجن اختياري

دُعِينا ذات يوم إلى إحدى المناسبات العائلية، حيث يجتمع الأقارب ويتبادلون التهاني والهدايا، ففرحت وفرح أبنائي،
إذ إن مثل هذه المناسبات لهي فرصة مُثلَى للتلاقي بعد طول غياب.

ولكنِّي فُوجِئتُ بأحد أبنائي المراهقين يبلغني بعدم رغبته في حضور هذه المناسبة، وعندما ناقشتُه في ذلك فُوجِئتُ برفضه التام، مبررًا ذلك بكلام بدا غير منطقي، وأخبرني بأنه لا يريد مفارقة المنزل أبدًا!

تزامن ذلك مع كثرة تغيبه عن المدرسة لنفس المبررات، فلم أجد بُدًّا من استشارة المشرف الاجتماعي في مدرسته.

فقال لي: “إنه الخوف من الناس، وهو اضطراب نفسي يستوجب العلاج”. طلبت منه إخباري بمزيد من المعلومات عن هذه الحالة، فأرسل لي المعلومات الآتية…

تعريف الخوف من الناس (Anthropophobia)

تعريف الخوف من الناس (Anthropophobia)

يشيع بين الناس الخلط بين مصطلح الخوف من الناس (Anthropophobia)، وبين مصطلح الرهاب الاجتماعي (Social anxiety disorder).

وقد اتفق العلماء على أن مصطلح الرهاب الاجتماعي أعم وأشمل من مصطلح الخوف من الناس، حيث إن أعراض الرهاب الاجتماعي تظهر عندما يتعامل الإنسان مع مجتمعه الذي يعيش فيه بمفهومه الشامل، سواء على مستوى عائلته وأسرته، أو زملائه في المدرسة أو العمل.

وهذا الخوف يظهر في مواقف عدة، مثل: الخوف من التحدث أمام الناس، أو الأكل أمام الآخرين، أو الخوف من حكم الآخرين أو رفضهم.

أما الخوف من الناس، فيُقصَد به المعنى الحرفي للمصطلح، حيث يجد المصاب به صعوبة في التعامل مع الناس مطلقًا؛ أفرادًا كانوا أو مجموعات، بغضِّ النظر عن المواقف أو الأحداث.

ويستوي في ذلك الخوف أقارب الشخص المصاب به مع غيرهم من سائر الناس، سواء كانوا في واجهة الأحداث أم خلف الكواليس.

وعلى الرغم من عدم ورود مصطلح الخوف من الناس كمرض واضح في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية (DSM-5)، الصادر عن الجمعية الأمريكية للطب النفسي، إلا أنه يمكن أن يعدَّ من أنواع الفوبيا، ويحتاج التفريق بينه وبين الرهاب الاجتماعي إلى مختصِّين مهرة في التشخيص.

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

أسباب الخوف من الناس

أسباب الخوف من الناس

لا توجَد أسباب محددة لهذه الحالة، إذ إنها تعتمد على الشخص نفسه، وعلى طبيعة حياته والظروف والمواقف التي مرَّ بها. ولكن فيما يأتي بعض الأسباب المحتملة:

  • التجارب والمواقف السيئة مع شخص أو شيء محدد. 
  • أسباب وراثية.
  • البيئة المحيطة بالإنسان.
  • بعض السلوكيات المكتسبة.
  • الخلل في وظائف المخ.

أعراض الخوف من الناس

أعراض الخوف من الناس

لا توجَد أعراض محددة للخوف من الناس بسبب عدم تصنيفه كمرض، إلا أنه -وبحسب تصنيف الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطراب العقلية- يمكن أن يُعَدَّ نوعًا من الفوبيا لم يُصنَّف على نحو آخر.

ومن أعراضه ما يأتي:

  • القلق الشديد من موقف أو شيء معين (شخص معين أو جماعة من الناس في هذه الحالة).
  • محاولة تجنب هذا الموقف أو هذا الشيء قدر المستطاع.
  • دائمًا ما يكون رد الفعل الناتج عن الخوف غير متكافئ مع الموقف نفسه، بل مبالَغ فيه.
  • استمرار القلق لستة أشهر وأكثر.
  • عادة ما يسبب القلق اضطرابًا ملحوظًا، أو يعرقل بعض الأنشطة اليومية المعتادة بطريقة ما.
  • قِصَر النفس، وتسارع ضربات القلب، والارتجاف، وزيادة التعرق، وتجنب التواصل البصري مع الآخرين بسبب هذا القلق.
  • عدم وجود اضطراب أو حالة طبية أخرى تسبب هذه الأعراض. وهذا أمر في غاية الأهمية، لأن الخوف من الناس قد يكون جزءًا من أعراض لاضطرابات نفسية أخرى، مثل: اضطراب ما بعد الصدمة (Post-traumatic stress disorder)، أو الرهاب الاجتماعي، أو الاضطرابات التوهمية (Delusional disorder).

لنفترض هذه الأمثلة للتوضيح:

  • عندما يقابل شخص ما شخصًا آخر لأول مرة، وهو مقتنع بطريقة ما أنه يريد إيذاءه، فهذا بالطبع سيولد خوفًا، ولكن لا يمكن تشخيصه بأنه خوف من الناس، بل التشخيص الأمثل في هذه الحالة أنه اضطراب ناتج عن أوهام.
  • شخص يتجنب أو يخاف شخصًا آخر يشبه ثالثًا أساء معاملته من قبل، فهذا من قبيل اضطراب ما بعد الصدمة،
    لا الخوف من الناس.
  • شخص يتحاشى حضور الحفلات والمناسبات الاجتماعية خشية تعرضه للسخرية، فهذا أقرب إلى الرهاب الاجتماعي منه إلى الخوف من الناس.
  • إنسان آخر ملازم بيته طول الوقت بحجة الخوف من الإصابة بنوبة هلع في مكان عام، وتعرضه للحرج جرَّاء ذلك، فهذه الحالة تعَدُّ من أعراض رهاب الميادين (Agoraphobia)، حيث إنها غير متعلقة بالخوف من أشخاص.
  • فتاة مصابة بحالة مزمنة من الحساسية المفرطة للرفض، ولذلك فهي تفضل العزلة دائمًا، هذا يعَدُّ عرضًا لاضطراب الشخصية الاجتنابية (Avoidant personality disorder)، ولا يمكن تشخيصها على أنها خوف من الناس، إذ لا وجود للخوف أصلًا.

كيفية التخلص من الخوفِ من الناس

يمكن أن نلخص العلاج في هذه الخطوات:

1- علاج الخوفِ من الناس الذي تم تشخيصه

يبدأ الأمر بزيارة الطبيب، خاصة عند الإحساس بمخاوف مفاجئة أو أي تغيرات غير طبيعية، سيتمكن الطبيب من معرفة ما إذا كنت تعاني مشاكل عصبية، أو أن الأمر ناتج عن تناول أدوية معينة.

ربما ينصحك الطبيب بالعلاجات السلوكية، مثل: الاسترخاء، وتقليل التوتر، أو تجنب الكحوليات، أو عادات النوم الصحية، أو العلاج المعرفي السلوكي، أو العلاج النفسي.

وربما يصف لك أدوية تساعدك على تخفيف مخاوفك إن رآها مناسبة لك، ومن هذه الأدوية: مضادات الاكتئاب،
أو مضادات القلق، أو حاصرات بيتا.

أو يحيلك إلى أحد المختصِّين النفسيين، حيث إن أنواع الفوبيا تعَدُّ من التجارب غير المألوفة؛ فقد لا تستطيع أن تفصح عنها من تلقاء نفسك.

وهنا، يأتي دور المختص النفسي ليساعدك على ذلك طوال فترة العلاج، ومن الممكن أن يناقش معك الخيارات التالية للعلاج:

  • العلاج المعرفي السلوكي: وهو نوع من العلاج النفسي يساعدك على تغيير طريقتك في التفكير والسلوك،
    والتفاعل مع المواقف المختلفة، وربما يساعدك على تطوير مهاراتك الاجتماعية.
  • العلاج بالتحدث، وذلك حسب شدة حالتك، حيث يمكنك التغلب على مخاوفك وأسبابها بالحديث عنها مع المختص النفسي.
  • العلاجُ بالتعرض: من خلال التعرض التدريجي للمواقف المسببة للخوف والقلق، للتعود على الاسترخاء والهدوء، حتى يزول الخوف تمامًا. 

وربما يكون من المناسب لك الجمع بين عدة طرق للعلاج للحصول على أفضل النتائج.

2- مواجهة المخاوف 

وذلك عن طريق الممارسة المنتظمة لتقنيات الاسترخاء، والتعامل مع الضغوط والتعود عليها، ومن هذه التقنيات:

  • الاسترخاء التدريجي للعضلات: وذلك عن طريق إحداث الشد في مجموعة معينة من العضلات ثم إزالته،
    مع ملاحظة الشعور عند ارتخاء العضلات، ثم تكرار الأمر على مجموعة أخرى من أعلى الجسم إلى أسفله أو العكس.
  • جلسات التأمل.

ومن الوسائل المعِينة على مواجهة المخاوف، أن تتعرف إلى هذه المخاوف عن طريق تذكُّر المواقف المختلفة المسببة للقلق فتُرتِّبها من الأقل إلى الأعلى، ثم ابدأ بأقلها وفكِّر فيه لمدة معينة من الوقت، ودوِّن مدى شعورك بالقلق،
ثم مارِس إحدى تقنيات الاسترخاء لمدة ثلاثين ثانية، ثم تخيَّل هذا الموقف مجددًا، ودوِّن مدى شعورك بالقلق…
وهكذا حتى يخف الإحساس بالقلق أو ينعدم تمامًا، ثم انتقل إلى الموقف الأعلى ثم الأعلى… إلخ.

3- اعرف أكثر عن الخوفِ من الناس

وذلك بالبحث والقراءة، وجمع المعلومات عن اضطرابات القلق والوساوس وأنواع الفوبيا المختلفة، وكيفية التفريق بين كل منها.

أو عن طريق المشاركة في الدراسات والأبحاث التي تُعنَى بهذه الأمور، وتتضمن طُرقًا جديدة للعلاج،
بحيث يمكنك الاستفادة من هذه الطُرق، وإفادة الباحثين بمعلومات تساعدهم على فهم أفضل لحالتك.

ويمكنك أيضًا الارتباط بمجموعات الدعم وتبادل الخبرات مع الآخرين، والاستفادة من تجاربهم.

ختامًا… نأمل أن نكون قد وُفِّقنا في تسليط الضوء على بعض جوانب هذه المشكلة، وإيصال هذه المعلومات لمحتاجيها والباحثين عنها.

المصدر
What Is Anthropophobia, and How Can You Manage Fear of People?Understanding the Fear of People (Anthropophobia)How to Get Rid of Anthropophobia
اظهر المزيد

Mohammed Saad

صيدلي ومترجم طبي وكاتب محتوى طبي، أسعى إلى تبسيط وإثراء المحتوى العلمي العربي؛ لإلسهام في نشر الوعي والثقافة الطبية في العالم العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى