مفاهيم ومدارك

الخوف رد فعل صديق | احذر أن ينقلب ضدك!

“أنا خائف”، تعبير تألفه مسامعنا…

عبارة تتردد في بيوتنا جميعًا؛ في طفولتنا، أو من أبنائنا، قد تكون سمعتها من صديق يخشى القيادة بعد تعرضه لحادث، أو من شخص يخشى استخدام المصعد…

“لا تتركيني وحدي يا أمي، أخاف النوم بمفردي”، “لا تطفئ مصباح الغرفة يا أبي، إني أخاف الظلام”…

عبارات روتينية، عاشها الآباء في كل مكان وزمان؛ فحتمًا صادف كل منا ولو شخصًا واحدًا يخاف الحيوانات حتى الأليفة منها مثل القطط والكلاب.

وربما نجد مَن يرفض الزواج مبررًا ذلك بأنه بسبب الخوفِ من الارتباط، ولكنه الخوفُ من الالتزام، إنه “الخوفُ” يا عزيزي!

تُرى، ما الخوف؟ أهو مرض أم اضطراب أم شعور طبيعي؟ وهل هو سلوك أم رد فعل؟

رافقني خلال هذا المقال لنفهم تعريف الخوفِ، وأسبابه، وأنواعه، وهل الخوفُ صديق أم عدو…

أسئلة كثيرة تملأ قلوبنا حيرة قبل عقولنا، فهيا معًا نجيب عنها…

ما تعريف الخوف؟

ما تعريف الخوف؟

إنه شعور إنساني قوي يمُر به الجميع، رد فعل طبيعي ابتدائي ينشأ عند الشعور بالخطر أو التهديد؛ سواء جسديًا أو نفسيًا، حقيقيًا كان أو متخيلًا.

في العصور القديمة كان الإنسان يواجه مخاطر تهدد حياته بالفعل، فكان الخوفُ أول صديق يرنو منه لحمايته؛ ومع مرور الوقت أصبح الخطر أقل، ولكن الخوفَ استمر ليحافظ علينا. 

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

نفترض أن الخوفَ شعور سلبي، لكن دوره في الحفاظ على حياتنا أساسي ومهم؛ فهو يؤهلنا ويساعدنا على التعامل مع المخاطر محتملة الحدوث. 

الخوفُ الطبيعي شعور نُولَد به ونعانيه طوال مراحل العمر لأسباب مختلفة حسب كل مرحلة، منها ما يختفي مع التطور والفهم والإدراك، ومنها ما قد يلازمنا فيصبح مرضًا أو اضطرابًا يتطلب العلاج.

يعاني بعض الأشخاص رد فعل الخوفِ التلقائي -الذي يُعرَف علميًا باسم “استجابة الكر والفر”- من تهديد محدد ولكنه مستمر، مما يؤثر في سير حياته، حينها يتحول الخوفُ إلى ما يُعرَف بـ”الرهاب المحدد“.

عزيزي القارئ، بعد أن عرفنا معنى الخوف، هيا نعرف المزيد من أسراره…

وُجِد أن الخوفَ يتكون من استجابتين أساسيتين، هما:

  • استجابة جسدية أو بيوكيميائية (استجابة الكر والفر).
  • استجابة عاطفية.

الاستجابة الجسدية

تحدث استجابة الجسم تلقائيًا عند الشعور بخطر أو تهديد، وهي استجابة ضرورية يتهيأ الجسم من خلالها للدفاع عن نفسه إما بالاستمرار والقتال أو بالتراجع (ويكون التراجع عند بعضنا بالثبات في المكان دون حركة).

يسبب الخوفُ والقلق إفراز هرمون “الأدرينالين” الذي يتحكم فيه المخ ويؤثر في أعضاء الجسم، محدثًا زيادة ضربات القلب ومعدل التنفس والتعرق، ومحدثًا كذلك تغيرات تلقائية لحماية الجسم.

استجابة عاطفية

ما يحدث في المخ من تفاعلات كيميائية في حالة الخوفِ يماثل ما يحدث في حالة المشاعر الإيجابية (مثل السعادة).

والاستجابة العاطفية للخوف تختلف من شخص إلى آخر، أي أنها اختلافات شخصية؛ فقد يستمتع بعض الأشخاص عند شعورهم بالخوفِ ولكن في ظروف معينة (مثل مشاهدتهم أفلام رعب).

كما قد يستمتع بعضهم بممارسة الرياضة العنيفة الخطرة أو البحث عن المواقف المثيرة للخوف. 

لذا، يوصَف هؤلاء بأنهم أشخاص يبحثون عن الأدرينالين!

على الجانب الآخر نجد مَن يتجنبون المواقف المسببة للخوف بأي ثمن، فهو بالنسبة إليهم رد فعل سلبي. 

لذا، يمكننا القول إنه على الرغم من ثبات الاستجابة الجسدية لكل الأشخاص فإن الاستجابة العاطفية تجعل من الخوفِ تجربة إيجابية لبعضهم وسلبية لغيرهم. 

ما أسباب الخوف؟ 

هل الخوف شعور ينتقل بين الآخرين؟ أو هل خوف الآباء يتوارثه الأبناء مثلًا؟

لا شك أننا بحاجة إلى قدر من الخوفِ الطبيعي من أجل البقاء، وقد وجد العلماء أن هناك نوعين فطريين من الخوف نُولَد بهما، وهما:

  • الخوف من السقوط (وهذا مؤشر إلى أن الخوفَ من المرتفعات فطري).
  • الخوفُ من الضوضاء والأصوات العالية.

أما الخوف الذي نكتسبه فبعضه ينتج من تجارب وصدمات، مثل أن تتجنب أشياء خوفًا من آثارها الجسدية (كالخوف من المرتفعات بسبب الشعور بالدوار والغثيان)؛ أو لأنها تُفقِدك السيطرة على أدائك ونفسك.

دعونا نذكر أكثر أسباب الخوف شيوعًا:

  • الخوفُ من مواقف محددة، مثل: الإقلاع بالطائرة أو ركوب المصعد، أو المرتفعات…
  • الخوف من الحيوانات، مثل: الحشرات، أو الثعابين…
  • الخوفُ من المستقبل أو من المجهول.
  • الخوف من المخاطر والكوارث البيئية، مثل: العواصف، أو الزلازل، أو الحرائق، أو غيرها.
  • الخوفُ والقلق من الأفكار السلبية والتخيلات. 

وقد يكون ذلك بسبب مبالغة بعض الآباء والأمهات في حماية أبنائهم، أو نتيجة فقد أحد الوالدين، أو التعرض لاعتداء جنسي أو جسدي، أو التعرض لصدمات وتجارب فاشلة.

  • الخوف من الفشل.
  • الخوفُ من الارتباط؛ وذلك لمعاناة بعض الأشخاص الخوف من الالتزام، أو الخوف من المستقبل.

أعراض الخوف

أعراض الخوف

تختلف أعراض الخوفِ من شخص إلى آخر، لكن الشائع منها:

  • ألم بالصدر.
  • زيادة ضربات القلب.
  • صعوبة التنفس.
  • القشعريرة والرجفة.
  • كثرة التعرق.
  • جفاف الفم.
  • غثيان واضطرابات المعدة.

قد يعاني بعض الأشخاص أعراضًا نفسية للخوف، مثل: الشعور بالإرهاق أو الانزعاج، ومنهم مَن يشعر بالموت الوشيك، وقد لا يستطيع أحدهم التحكم في تصرفاته أو السيطرة عليها.

وجد المختصون النفسيون أن الخوفَ قد يكون عرضًا لاضطرابات عقلية ونفسية أيضًا، مثل:

  • اضطراب القلق العام.
  • اضطرابُ القلق الاجتماعي.
  • اضطراب ما بعد الصدمة.
  • اضطراب قلق الانفصال.
  • الرهاب المحدد.
  • رهاب الخلاء.
  • نوبات الهلع.

علاج الخوف

يمكنك مواجهة خوفك بخطوات تساعدك على التغلب على آثاره الجسدية والسلوكية والنفسية، مثل:

  • الدعم الاجتماعي، ومساعدة المقربين لك على مواجهة خوفك ومساندتك.
  • استبدال الأفكار المفيدة بالأفكار السلبية، ويُعرَف ذلك بـ”ممارسة اليقظة لإدارة الأفكار المخيفة”.
  • إدارة التوتر، وذلك بتمارين التنفس العميق والتأمل.
  • الاعتناء بصحتك عن طريق تناول الطعام الصحي، والحصول على قسطٍ كافٍ من النوم كل ليلة، وممارسة الرياضة بانتظام.

حقًا لا نستطيع إنكار فائدة الخوفِ، لكنه إذا خرج عن سيطرتنا وتوقفت حياتنا عن السير وأصبح الخوفُ عدوًا يسلب من حياتنا السعادة والراحة؛ علينا وقتها البدء في علاجه، ومراجعة طبيب نفسي.

يعتمد علاج الخوفِ على العلاج السلوكي باستخدام تقنيات يتعرض المصاب خلالها لمثيرات المخاوف والرهاب تحت إشراف المعالج، وتتعامل تلك التقنيات مع استجابات الجسم النفسية والفسيولوجية ومن ثم يقل الخوف.

من هذه التقنيات

تقنية العلاج بالتعرض المتدرج، وتُعرَف بـ”إزالة التحسس المنهجية”

يتعرض المصاب إلى مصدر خوفه بطريقة تدريجية -من خلال جلسات ومراحل- مع وضعه تحت الملاحظة، مع تعليمه تقنيات جديدة للتعامل مع استجابة الخوف.

تقنية العلاج بالتعرض المُطوَّل، وتُعرَف بـ”الفيض أو الإغراق”

تعتمد هذه التقنية على أن الخوفَ سلوك مكتسَب تريد التخلص منه، فكان تعرضك بقدر كبير لمثير خوفك (أو تعرضك لوقت طويل للمواقف المخيفة) تحت الملاحظة وفي بيئة آمنة، إلى أن يتلاشى خوفك.

قد يلجأ الطبيب المختص إلى استخدام مزيج من العلاج السلوكي والدوائي في بعض الحالات، للتحكم في ردود الفعل الجسدية والنفسية للخوف، مثل: استعمال الأدوية المضادة للاكتئاب والأدوية المضادة للقلق.

عزيزي القارئ…

نحن بحاجة إلى الخوفِ الطبيعي الصحي، واعترافك بخوفك ومخاوفك ليس ضعفًا ولكنها خطوات بناءة لحل تلك المشكلة التي تعرقل طريقك.

لا تخشَ خوفك بل واجِهه؛ فالحياة تستحق أن تعيشها براحة وسعادة، ساعِد نفسك ومَن تحب، واطلب المساعدة إن احتجتها.

المصدر
Specific PhobiasPhobiasUnderstanding and Overcoming Fear of the UnknownHow to Recognize and Get Over Commitment IssuesWhat Is Fear?FearThe Neurobiology of Fear
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى